اضربي في القاع يا أصول| حسين مريسات

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

2 أيار عام 1948، ثلّة من رفاق عصبة التحرر الوطني اجتمعت في مقر العصبة في درج الموارنة في حيفا (نادي إميل توما اليوم)، لصياغة وكتابة البيان التاريخي لعصبة التحرر الوطني الرافض لتطهير حيفا من العرب، ثم قاموا بتوزيعه في كافة أحياء المدينة (حيفا) تحت النار لحث الناس على الصمود والتحدّي، وعدم النزوح، وفي هذا البيان كُتب: "يجب ألا ننخدع بتصريحات المأجورين الّذين يستفيدون من مآسي الشّعب العربي والأمّة لتثبيت أقدامهم وأقدام المستعمرين. لن ينقذ فلسطين خُدّام الاستعمار وعملاؤه بل نضال سكّانها المباشر في سبيل تحطيم قوى الاستعمار لأجل الحريّة والاستقلال والجلاء". *(1)

ولأن التاريخ يعيد نفسه مرة على شكل مأساة وأخرى على شكل ملهاة، فإن ما كتبه الرفاق المؤسسين الأوائل قبل أكثر من 70 عامًا، تحت النار، وفي هول كارثة النكبة، يبدو أنّه لا زال صالحًا بذات الصدى المدوّي الذي كتب فيه بيان عصبة التحرر في 2 أيار عام 1948، ولكن هذه المرّة يبدو أمام واقع أكثر فظاظة وملهاة من ذي قبل.

إن من يتابع السقوط المدوّي لتلك القائمة العربية المتأسلمة التي تتذيّل الائتلاف الحكومي، يعرف صدقًا أي تشويه ودمغ للعمل السياسي يحصل في هذه الفترة بالذات، فلم يكتف أصحاب "النهج الجديد" بالانضمام لائتلاف حكومي بزعامة الاستيطاني نفتالي بينيت، بل مع كل نفس لهذه الحكومة وكما توقعنا، يجري التفريط بكل الإرث الوطني والسياسي (لا أتحدث حزبيًّا)، الذي راكمه شعبنا منذ سنوات بدء تشرده وانتكاب وسرقة وطنه، حتى يومنا هذا. والحديث ليس فقط عن تفريط، بل عن مجاراة ومنافسة للأحزاب اليمينية المتشددة في بربرية خطابها وصهيونيتها، ولم يكن آخر تلك المجاراة هي اعتراف المدعو منصور عباس بيهودية الدولة التي قامت على خراب شعبنا وكياننا "بأنها ولدت كذلك، وستبقى كذلك"، ولم يكن آخر حضيض تلك القائمة أيضًا التصويت على ميزانية  تزيد من النشاط الاسشتيطاني بأكثر من 50% في الضفة الغربية وفي القدس، ولن يكون آخر القاع هو تصويتها على إشراك وحدات جيش الاحتلال الحربية والقتالية، في الإشراف المباشر على زنازين أسرى الحرية في سجون الاحتلال، وكذلك إشراك جيش الاحتلال في تسوية الأوضاع الأمنية في داخل البلاد، بكلمات أخرى قمع المظاهرات التي ممكن أن تندلع مرة أخرى كمان اندلعت في انتفاضة الكرامة في أيار المُنصرم.

هناك مفارقات جليّة ومتصادمة، تحتاج منا ترجمة فاصلة على أرض الواقع، "فالنهج الجديد" الذي يصوت في الكنيست على قانون إحياء ذكرى بن غوريون، أحد مهندسي نكبة الشعب الفلسطيني، لا يمكن أن يستوي بالزجل الذي كان يصدح في أفراح وأعراس شعبنا في سنوات الخمسينيات:

 "صبايا البلد ردوا عليي الله ينصركم يا شيوعية،

حنا نقارة جاب الهوية، غصب عن عين ابن غوريونا".

وهنا لن أقف طويلاً عند سقطات "النهج الجديد"، فهي كثيرة وعديدة وستهوي إلى قاع أعمق، وأما ما يهمني على المدى القريب البعيد، هو تشكيل البديل اللازم والمطلوب لهذه الحالة من العبث.

إن منهج فكرنا الماركسي الديالكتيكي يحتم علينا النظر للأمور كنتاج تراكم وتفاعل عدة عوامل، تنتج حالة معينة دينامية ومتبدلة، ولا يمكننا وفق هذه الركيزة أن ندعي أن "النهج الجديد"، هو نتاج بدعة عبقرية نازلة من السماء، كما يحاول صاحب النهج الجديد أن يروج لنفسه بسخافة وبلاهة امام وسائل الاعلام، بل إن هناك عدة أمور تفاعلت مع ذاتها، وكان هذا النهج أسوأ ما أنتجت. ونستطيع على عجالة أن نتذكر ونذكر، الوضع العالمي الذي يرقد تحت وطأة اليمين العالمي أكثر فأكثر، والإقليم الذي يتشظى بين محاولات تغيير فاشلة، وبين حروب أهلية ومؤامرات عالمية، وهناك الوضع المحلي على صعيد السلطة الفلسطينية مثلًا، والتي يبدو أنها تنسج ثوابت فلسطينية جديدة، عبر التعاون مع الاحتلال بدل مقاومته.

وهناك أيضًا واقعنا المركب، كامتداد لشعبنا الفلسطيني نعيش في وطننا، ونعلم جميعا حالة التردّي التي نعشيها يوميًّا على صعيد سياسي واجتماعي واقتصادي.

 

//كيف نحمي الجمرة؟


"سأبقى هنا لحماية الجمرة"(2)*، قالها توفيق طوبي بعد سقوط حيفا لأهله ورفاقه، رافضًا لأوامر نقل العرب من أماكن سكناهم والتّوجه للتّمركز في وادي النّسناس وفي حيّ عبّاس.
كم كانت تلك المقولة حادّة ومتجذرة ومنتفضة، في نفس الشاب الذي كان يبلغ من عمره 26 عامًا آنذاك، والذي اختار أن يمشي حتى آخر الطريق من حياته منحازًا لقضايا حزبنا وشعبنا.
والسؤال هنا أمامنا اليوم في عام 2021، أمام كل هذه الارتدادات هو: كيف نحمي الجمرة؟!، او كيف نواصل حماية الجمرة؟ -التي حماها الجيل الأول والمؤسس وما بعده.

 إذا كنا نتفق ان ما يسمى "بالنهج الجديد" هو صدى صوت لجوف صهيوني، أو مستسلم للصهيونية في أحسن الأحوال، فكيف لنا أن نحمي جمرة العمل الوطني والحزبي والطبقي في وضعنا المركب؟ وما يعنيني، وما ننطلق منه جميعًا كشيوعيين، هو فهمنا الخاص لدورنا التاريخي كحزب شيوعي في البلاد. وهنا أيضًا لن أطيل الديباجات، بل سأطرح الأسئلة المباشرة: ما هو دورنا كحزب شيوعي في هذه البلاد؟ والسؤال الذي يليه (بعد الإجابة على الأول): كيف نفعل هذا دور كحزب في الساحة السياسية؟

لقد كان للمؤتمر الأخير للحزب الشيوعي، المساهمة المهمة -بل والأهم- في تلخيص الفترة السياسية السابقة، وصياغة رؤية للفترة القادمة، ومؤتمر الحزب الأخير كان المساهمة الفعّالة والجديّة، القويّة والمباشرة من قبل مئات المندوبين والمندوبات الذي ناقشوا على مدار يومين متتاليين مستقبل حزبنا، وتفعيل دوره السياسي والجماهيري.
ومع ذلك، ومع تلك الصولات والجولات الرفاقية المباشرة والجديّة، يجب ألا يغيب عن بالنا، أنّنا على حافة واقع سياسي جديد وتمحور جديد، يحتاج النظرية، والجهوزية الكاملة (التنظيم)، وإلّا فإن ما قمنا بطرحه في القاعات والاجتماعات المغلقة سيبقى جامدًا على طاولات الاجتماع، حتى الاجتماع القادم.

إنّني أدعو وبكل شفافية وصدق، حزبنا العريق من القاعدة حتى رأس الهرم، أن يجيب على الحرص والعنفوان والغضب أحيانًا الذين تجلّوا في المؤتمر الأخير، أن يجيب عليهم بالممارسة اليومية، وليس فقط بالبيانات الحزبية والصحفية الجيدة جدًا.

لا يمكن للحزب الذي أسس الأطر الوحدوية التي تجمع كافة تيارات ومشارب شعبنا، إلّا أن يكون منظّمًا تنظيمًا ثوريًا صارمًا على الأسس الماركسية اللينينية، لا يمكن أن نتبنى بأي ثمن، بشكل رسمي أو غير رسمي، التموضع في مسارات اللعبة البرلمانية فقط. كما لا يمكن أن نكتفي بانتظار يومي الاثنين والاربعاء لنراقب انحدار عرب حكومة بينيت، وهم يصيغون واقعًا أكثر بذاءةً وتطرفًا وصهيونيةً من ذي قبل، بل هناك دور آخر لنا.

لقد خضنا في اقل من عامين 4 معارك انتخابية برلمانية طاحنة، بذل فيها الرفاق والرفيقات، الغالي والرخيص، من أجل تأكيد مقولة وطنية طبقية وأممية، وليس فقط من أجل زيادة التمثيل العددي وحده (على أهميته). بل أبعد من ذلك فإن الادعاء اللينيني يؤكد بأننا كشيوعيين، ندخل الى البرلمان لكي "نثبت للجماهير أن البرلمانات البرجوازية غير مجدية" وغير ثورية ولن تلبي لا العدل ولا المساواة.. إذًا ما البديل؟! وكيف نشكل البديل؟!
الإجابة هي بالتمركز في الأصول. الأصول الراسخة للعمل الحزبي الشيوعي، العودة إلى استكمال بناء الفروع وحل المشاكل في كل فرع وفرع. الحل يكون بتنظيم الناس وتفعيل النضالات حول قضايانا اليومية والمستقبلية، الحل هو بتأسيس نضالات جماهيرية منظّمة تقف وتصطدم في وجه السلطة، دون مقايضة ودون عشوائية ودون ارتجال.

أكتب هذه السطور بتأثير حديث لرفاقنا المخضرمين -على الأقل في فرعي فرع طمرة- كيف كانت انتخابات المجلس الطلابي في طمرة، تستدعي العمل لشهور وأسابيع من قبل الحزب والشبيبة، لتنظيم الرفاق والرفيقات، وإعداد قوائم المرشحين، وشحن الطلاب، وكأن ما يترتب على هذه الانتخابات أمر فاصل في حياتهم.

ومن هذا المثال المحلي أتطرّق للمثال الأجمل في حياة شعبنا وهو يوم الأرض، كيف كان ليوم تاريخي مثل يوم الأرض الخالد، الذي يعتبر أوّل انتصار عربي مباشر ضد حكومات إسرائيل بعد النكبة، كيف لهذا اليوم التاريخي أن يحقق انتصارًا على السلطة الغاشمة، لولا التنظيم الشعبي والثوري الذي انبرى والتحم فيه الحزب مع الناس.

وهنا أسال نفسي وغيري على سبيل المثال (وليتسع صدرنا قليلًا):

لما لا نعمل على تنظيم أنفسنا وتنظيم أُسر ضحايا القتل والعنف، ضد تواطؤ الشرطة مع عصبات الجريمة المنظمة، بالشكل المنظم وليس الارتجالي؟ لما لا لم نعمل على تنظيم موجة الغضب الأخيرة للكوادر الطبية على شروط عملهم الاستغلالية؟  لما لا نساهم في تنظيم العمال لمواجهة أسباب مجازر حوادث العمل؟  لما لا نبادر لتنظيم أصحاب البيوت المهددة بالهدم في مجتمعنا العربي وفي كل بلد وبلد؟ لما لا نبادر لتنظيم اللجان الشعبية والأهلية في النقب – وغير النقب- لمواجهة الهدم والتشريد؟  لما لا نضع اقتراحًا لتفعيل لجنة المتابعة أو القائمة المشتركة بشكل فعّال وجماهيري، أوسع من كونهم إطارًا تمثيليًا أمام السلطات؟

صحيح إن ما سبق هو برنامج عمل ليس فقط لحزب واحد، بل إنه برنامج لمنظومة سياسية كاملة، ومع ذلك، نحن نعلم أنّ الحزب الطليعي الثوري، هو ذاك الذي يأخذ زمام المبادرة لتفعيل الناس، ولا ينتظر انفجار البركان حتى يلتحق بالنضال، وان الحزب -وبكل مسؤولية-، الذي أرسى الأسس السياسية الثابتة لنضال شعبنا في الداخل، اليوم تقع عليه مسؤولية إعادة صياغة وتثبيت المعادلة، التي تحفظ كرامة وهوية شعبنا، وتنتزع حقوقه انتزاعًا.

إن ما ينتظرنا ليس فقط مواجهة مشروع "النهج الجديد" المنبطح وحسب، بل الأكثر أهمية هو خلق بديل حقيقي له، بديل ميداني تنظيمي وثوري، وأما ما عدا ذلك فنحن محكومون لموجات ردات الفعل، قصيرة الأثر.

إن القلق الحقيقي ليس من مواجهة قائمة اختارت ان ترقص كالغراب تارة وكالحجل تارة أخرى حتى أصبحت تتعثر بكل خطواتها، بل القلق الحقيقي أن نفقد كحزب زمام المبادرة، وأن يصبح عملنا منوطًا بردات الفعل غير المدروسة، ما سينعكس بالضرورة على فعالية باقي الهيئات الوطنية والتمثيلية التي نعمل من خلالها.

ولطالما نجح حزبنا الشيوعي في "حماية الجمرة" حتى بعد نكبة شعبنا، التي ظن البعض أنها كسرت ظهره، نجح بالنضال التراكمي اليومي، المنظّم والموجّه ببوصلة الحق، أن يجترح المآثر النضالية الفارقة والفاصلة، وبتنظيم الجماهير العربية تنظيمًا وطنيًّا صداميًا كريمًا، وأما المطلوب اليوم، فهو التمركز في الأصول، الأصول التي زرعت هذا الحزب في هذا الشعب، وثبّتت كلاهما (الحزب والشعب) في وجه العواصف العاتية.

 

يا جذرنا الحيّ تشبث..

واضربي في القاع يا أصول

 

(توفيق زياد)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين