هاجس مسرحيّ: راضي شحادة
هاجس كاريكاتيريّ: خليل أبو عرفة
بَطَلٌ بَطَلَ مفعولُه:
الفيلم القصير "صور من الذاكرة" يتعرّض لمسألة التّراث والجذور، وأحبَّ بعض الـمُناقشين، الطّريقةَ الطّبيعيّة التي عُرضت فيها الأفكار، و"كَشَّ" آخرون عنها، والبعض الآخر ينظر إلى التّراث على شكله الـمَتحفي التّقليدي الجامد، فــ"ضارب الـمِهْباج" في أحد المشاهد وضع على عينيه نظّارة نَظَر، ولم يلبس الـمَلابس التّراثيّة التّقليديّة لضارب المهباج: الكوفيّة والعقال والقمباز والسّروال والجلّابيّة. صحيح أنّه "ضَرَب" على الـمِهباج لحنًا (إيقاعًا) جميلًا ودقيقًا، إلّا أنّه يُعتَبَرُ ناقصًا بنُقصان العناصر الخارجيّة لشكله الخارجي.
تُرى هل سيتكامل الشَّكل أو يقترب من التّكامل لو أنّ ضارب المهباج أزاح نظّارته وبدّلها بعدسات لاصقة؟ "وكيف تعرضون "ظاهر العُمر" القائد الفَذّ البطل الـمِغْوار بهذا الشّكل؟ لو أنّ صوته كان كذلك، ونبرته الذَّليلة كانت بهذا الشّكل، وخَرَفَه بسبب الشّيخوخة بَدَا على ما أظهرتموه ومثّلتموه، لَمَا وصل إلى المجد والخلود كما عرفنا عنه".
جمهورنا بشكل عام معبأ بثقافة مهيمنة على دماغه، رصيدُها الأسود والأبيض. الشَّخصيّات التّاريخيّة المعروفة والتي انتقلت من عالمنا إلى عالم الموت، أصبحتْ متكاملة مُقدَّسة وأسطوريّة، فالإنسان بعد أنْ يموت يتكامل، ولا يحقّ لنا نحن الأحياء أنْ ننظر إلى سلبيّاته ونقاط ضعفه ونردفها بمقولتنا التّقليديّة: "الله يرحمه كان زلمة چَدَع ومليح" وهذا ينطبق على الحسَن والسّيء، وإذا تعلَّق الأمر ببشر أبطال وقياديّين، فلا يجوز أنْ نعيدهم إلى الحياة مع سلبيّاتهم، وقِس على ذلك "ناپوليون" و"موتْسارت" و"بيتهوڤِن" و"نيتشه" و"المتنبِّي" و"أبو زيد الهلالي" و"عنترة العبسيّ" و"ظاهر العمر" وغيرهم.
لا يحقّ لنا العودة إلى عقدَة ناپوليون بأنّه كان قصير القامة، وأنّه كان يتمنّى أنْ تطول قامته كي تصبح ملائمة لعلوّ شأنه وعظمته، ولكي يكون بمقدوره النّظر من فوق وليس من تحت إلى الضّباط الذين ينفّذون أوامره.. وفيلم "أماديوس" أظهر موتسارت الموسيقار العملاق إنسانًا عاديًا له هفواته وجنونه وحياته العاديّة.
وهل يحقّ لنا الحديث عن تَعَجْرف المتنبّي وكبريائه وتعاليه، وطمعه بولاية وكرسي عند "كافور الإخشيدي"؟ هل يحقّ لنا الحديث عن غُرور أبي زيد الهلالي وعنترة والمتنبي، وجنون نيتشه في آخر أيّام حياته، وأُمنية بيتهوڤِن بأن تعود إليه حاسّة السّمع لكي يستطيع سماع موسيقاه التي أصبح يلحّنها بدون أنْ يسمعها، فسبّبت له بعض الجنون والعصبيّة، فأدّى به جنونه إلى أجمل سيمفونيّاته وهي السّيمفونيّة التّاسعة؟ هل يحقّ لنا أنْ نعرض "ظاهر العُمَر" وهو في مرحلة قريبة من الهذيان والشّيخوخة في آخر مرحلة من مراحل حياته؟
لقد رسَخ في أذهاننا أنّ العظماء لا يمرضون ولا يهذون ولا يضعفون ولا يشعرون بالنَّقص، ولكنّهم في الحقيقة، وهذا هو المهم، ضعفاء جِدًّا أمام قوانين الطّبيعة التي تجعلهم في مرحلة من مراحل التّقدّم في العمر، يهذون ويبولون على أنفسهم ويخربطون في الكلام، ورُبَّما يحتاجون إلى ملاجئ عجزة. لا نريد أنْ نرى الصّورة الكاملة للإنسان الفرد مهما كان مركزه الاجتماعي، بينما هو عبد لقوانين الطّبيعة الصّارمة التي تجعله يحمل بداخله القوّة والضّعف وجميع المتناقضات.
نحن نميل بتربيتنا المتوارَثَة من جينات الماضي والحاضر لتقديس الأفراد والأبطال، بل تقديس الماضي بشكل مطلق ومتعصب ومتطّرف ومقوقع ومنغلق لدرجة التّصنع والتّزوير وعدم الواقعيّة. نميل إلى الشّكل الأسطوري ونجعله واقعًا ومن ثم نزيّف الواقع ونحوّله إلى أسطوري، وفي النّهاية تتولّد لدينا عادةُ تقديس الأفراد، وجَعْلهم أسطوريّين خارِقين مقدَّسين. ولكي نكون منصفين في حقّ أبطالنا، فبطولاتهم تكمن فيما استطاعوا أن يجمعوه طوال حياتهم من أعمال بطوليّة متراكمة، وهي في المحصّلة تشكّل رصيد البطولة الكلّية، ولا تتشكّل من الشخص ذاته في لحظة ما من حياته، فهو لا يملك قدرات جسديّة خارقة وأسطوريّة.
على كل حال فليس المطلوب من المتلقّي أنْ يرى الأشياء بمنظار أسود/أبيض، فهذا فيه تحجيم وقوقعة لإبداع المبدع الحرّ والجامح.
هنالك تناقض ملحوظ في نظرة المشاهد للماضي والحاضر. لديه توجّه طاغٍ بأنّنا في الحياة علينا نَقْل وتقليد الواقع كما هو تمامًا وليس تزييفه على مزاج فنطازيا المبدعين، وأمّا الماضي فهو مقدّس وعلينا أنْ ننظر إلى الإنجازات العظيمة التي أنجزها أبطال الماضي، فتتحوّل هذه الإنجازات لتصبح شخصيّتهم النّهائيّة المتكاملة العالقة في مخيّلتنا، وننسى جَسَدهم الفرد الواحد المادّي الذي عاش عمره وهو يحمل بداخله جميع متناقضات الطّبيعة، فهو مهما راكم من مجدٍ ورصيدٍ أسطوري خلال حياته، يبقى إنسانًا فردًا خاضعًا كأيّ إنسان آخر إلى سُلطة جسده عليه في الضّعف والمرض والشّذوذ والموت.
وأمّا نحن معشر المبدعين الفنّانين، فإنّ حاجتنا الإبداعيّة تحتّم علينا تقديم أبطالنا بكامل إنسانيّتهم القويّة والضّعيفة على حدّ سواء، والبحث عن صيغ وأشكال فنّيّة فيها تعبير فنّي بعيد عن الشّعارات المباشرة والخطابيّة الحكائيّة المنطوقة، وفيها خلق لواقع جديد يختلف عن واقع الحياة وإيقاعها وتوثيقيتها وتسجيليتها. نحن نبحث عن الفنّ المشبَع بالعناصر الفَنِّيَّة الغنيّة التي تثير تفكير وخيال المتلقّي، والفرق بين هذا ومطالبتنا بالتّوثيق هو كالفرق بين المادّة الخام من جهة والمادّة المصنّعة والمنتقاة والـمُنَقّاة من جهة أخرى، وكالفرق بين المكثَّف والمحشو حشوًا، أو بين الكسول والمجتهد.



.png)

.png)






.png)

