الأرض في الشعر الفلسطيني!

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في بدايات القرن العشرين، كان الشعر الفلسطيني يهتمّ بالإخوانيّات (المناجاة والتراسل بين الأصدقاء) والغزل والمدائح والمناسبات المختلفة، تتكرّر فيه المعاني المعروفة والمتوارثة في تلك المواضيع. باختصار كان الشعر الفلسطيني معزولا عن هموم الناس وظروفهم الاجتماعية. ولكن، اختلف الأمر بعد الحرب العالمية الأولى.

بعد دخول الاستعمار الإنجليزي إلى فلسطين، بدأ الناس يُدركون الخطر المحدق بهم وبالأرض والوطن، خاصّة بعدما أكّد وزير المستعمرات البريطاني، ونستون تشرشل آنذاك، على تمسّك بريطانيا بوعد بلفور، وبأنّ لليهود حقّا في فلسطين. وبدأت المظاهرات والصدامات العنيفة، مع المستعمِر والقادمين الغرباء، وكانت أول هبّة شعبية عام 1921، وتلاحقت الهبّات فيما بعد.

مع هذه التطوّرات، وبالإضافة إلى عوامل النهضة الثقافية والأدبية آنذاك، غيّر الشعر الفلسطيني مساره، وتجنّد في خدمة القضية ومواجهة الأوضاع الجديدة، وخاصة قضية الأرض، واغتصابها بقوّة السلاح أو المصادرة أو الإغراء بالبيع. تماهى الشعراء مع القلق الشعبي، وتحوّلت الأرض إلى موضوعة رئيسيّة في الشعر الفلسطيني. ومن خلالها يُمكننا تقسيم تطوّر الشعر الفلسطيني إلى مرحلتين أساسيّتين:

قبل النكبة، من بدايات القرن العشرين حتى النكبة.

وبعد النكبة، من النكبة وإلى يومنا هذا.

في المرحلة الأولى تمحور الشعر حول مضامين مثل:

  • الدفاع عن الأرض وبيان الخطر المحدق بها.
  • مدح الشهداء الذين ماتوا فداء لها.
  • حضِّ الناس على الحفاظ على الأرض والتمسّك بها.
  • مهاجمة البائعين والسماسرة الذين يُحرّضونهم على بيعها.
  • مهاجمة الزعماء، العرب والفلسطينيين، الذين خانوا أو تواطؤوا في موقفهم حيال ما يحدث في فلسطين.

في تلك المرحلة، مفردات مثل الأرض، الفدائي، الشهيد وبائع الأرض، دخلت قاموس الشعر الفلسطيني وأصبحت "موتيفات" تصدر عن لاوعي الشاعر وتُحرّك المتلقّي.

الحديث عن الأرض كموضوعة أو "موتيف"، يعني كلّ ما يتعلّق بها أو يُحيل إليها. مثل الحجارة والتراب والتضاريس الجغرافية، والأماكن، والأشجار والنباتات وثمارها وأزهارها، وغير ذلك الكثير. ولهذا أفردت للأرض مساحات واسعة في الشعر الفلسطيني.

أبرز شعراء تلك المرحلة: إبراهيم طوقان، عبد الرحيم محمود، مطلق عبد الخالق، عبد الكريم الكرمي.

طوقان كان من روّاد الرومانسية في الشعر الفلسطيني. طرح قضية الأرض، حرّض على التمسّك بها وذمّ بائعيها والسماسرة الذين يُغرونهم ببيعها.

عندما تُوفّي نافع العبّوشي، وهو أحد الشخصيّات الوطنية آنذاك، حضر جنازته ورثاه بعدّة أبيات قال في آخرها:

يا موطناً، في ثراه غاب سادتُه      لو كان يخجل من باعوكَ ما باعوا

وعن باعة الأرض والسماسرة، يقول في قصيدتين مختلفتين:

لِيَصُمْ عنْ مبيعِه الأرضَ يحفظْ     بقعةً تستريحُ فيها عظامُهْ

هذه العبارة الأخيرة أو الفكرة، تحوّلت إلى "موتيف" في شعر طوقان، ففي قصيدة أخرى تتكرّر الفكرة نفسها:

فكّر بموتك في أرضٍ نشأتَ بها  واحفظ لقبرك أرضاً طولها باع

عبارة "فكّر بموتك" تُذكّرني بمحمود درويش و"فكّر بغيرك".

أمّا عبد الرحيم محمود الذي فضّل الموت على حياة الذلّ في قصيدته المشهورة: سأحمل روحي على راحتي ...

فقد واجه الزعماء العرب وتواطؤهم، ممثلين بالأمير سعود بن عبد العزيز، الذي زار فلسطين عام 1935، في قصيدة مطوّلة تبدو كأنّها استقبال واحتفاء بالأمير، ولكنّها تفيض بالألم والعتاب المندِّد بالتواطؤ والخيانة، فمطلعها:

نَجمُ السُعودِ وَفي جَبينِكَ مَطلَعُهْ    أَنّى تَوَجَّهَ رَكبُ عِزِّكَ يَتبَعُهْ

في المطلع والقصيدة كلّها، أشتمّ رائحة الألم والسخرية كتعبير عنه، خاصّة بعد تلك الصفعة حين يقول:

يا ذا الأَميرِ أَمامَ عَينِكَ شاعِرٌ

ضُمَّت عَلى الشَكوى المَريرَةِ أَضلُعُهْ

المَسجِدُ الأَقصى أجئتَ تَزورُهُ

أَم جِئتَ مِن قَبلِ الضَياعِ تُوَدِّعُهْ؟

من مميّزات هذه القصيدة أيضا، أنّها تنطوي على نبوءة بضياع الأقصى والقدس قبل ضياعهما باثنين وثلاثين عاما. 1935-1967.

* * * * *

في المرحلة الثانية، بعد النكبة، استمرّ الشعر والشعراء بوفائهم للأرض، وبحمْلهم للهمّ الفلسطيني الذي كان وما زال مركزه الأرض المغتصبة.

برز في هذه المرحلة، أبو سلمى، الشاعر المخضرم الذي عاش المرحلتين، ثم جاء درويش والقاسم وزيّاد وبسيسو وغيرهم الكثير.

في هذه المرحلة مرّ الشعر الفلسطيني بمراحل وآفاق واسعة من التجديد، وحقّق تطوّراً كبيرا في النواحي الموضوعية والفكريّة، وفي النواحي الفنية أيضا، وأصبح شعرا ثوريّا تعدّدت اتّجاهاته. انتقل من البناء الكلاسيكي إلى شعر التفعيلة، أو ما يعرف بالبحور الصافية، التي تعتمد التفعيلة الواحدة. وهذا الأسلوب اعتمده محمود درويش في ديوانه "ورد أقلّ". قصيدة "أنا يوسف يا أبي" مثلا، كلّها مبنيّة على "فعولن"، التفعيلة الواحدة المتكرّرة في البحر المتقارب.

ديوان، "ورد أقلّ"، يُمثّل مرحلة جديدة في شعر محمود درويش. فيه نقلة نوعية في الشكل والمضمون.

يقول سعدي أبو شاور في مقال له حول "تطور الحركة الشعرية الفلسطينية": "شعراء الأرض المحتلة كانوا أكثر الشعراء الفلسطينيين تأثّراً بالاتجاه الواقعي، حيث تخلّصوا إلى حدّ ما من ازدواجيّة المنفى والوطن التي رافقت الشعراء في الشتات. وتحوّلت إلى واقعيّة أكثر ثوريّة بعد النكسة، واندفعوا بوعي في حركة الحداثة التي بدأت تطغى على الشعر العربي عامة، ومن مظاهرها شعر التفعيلة والأسلوب الإيحائي والتجديد في مصادر الصورة الفنية. وظهرت أيضا ملامح الرمزية، وتعدّدت الرموز خاصة الرموز الأسطوريّة والتاريخيّة.

في هذه المرحلة أيضا، اتّسعت مساحة الأرض في الشعر الفلسطيني، كموضوعة وكموتيف. انتشر عند الشعراء "موتيف" الأرض أو ما يُحيل إليها. فالحجر والزيتون واللوز لدى درويش، والنخيل واللوز لدى القاسم. وطبعا هذه الموتيفات ليس حكرا على شاعر، ولكن الفرق قد يكون بين شاعر مجدّد واسع الثقافة والخيال يمسك بناصية اللغة، وآخر متواضع في كلّ ذلك أو بعضه.

مثلا لدى درويش، في بداية كلّ مقطع من مقاطع قصيدة "سيّدة الأرض"، تتكرّر عبارة "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة"، فهي إذن "موتيف" يصدر عن لاوعي الشاعر، ويُعبّر عن إحساسه بالأرض، يدفعه ويدفع المتلقيّ إلى حبّها والتمسّك بها.

ومثل هذه الموتيفات يتكرّر لدى القاسم. في قصيدة "خطاب في سوق البطالة"، تتردّد فيها عبارات مثل: "يا عدو الشّمس"، و"لن أساوم"، و"إلى آخر نبض في عروقي سأقاوم".

ولدى زيّاد أيضا، في قصيدة "هنا باقون"، تتكرّر عبارة "كأنّنا عشرون مستحيل".

في هذه المرحلة أيضا، تطورّت الصورة الشعرية، من جزئية بسيطة إلى شموليّة مركّبة حملت معاني أعمق ودلالاتٍ أوسع.

الصورة الشعرية هي رسم حالة حسيّة بالكلمات، يعتمد الشاعر في رسمها، أساليب فنيّة وبلاغية عديدة تمنحها له اللغة.

في مقال حول الصورة الشعرية في قصيدة "سيّدة الأرض"، يعرض الدكتور نبيل طنوس صور كثيرة. ولكن سأكتفي هنا بصورتين:

المقطع الأول في القصيدة يبدأ بـ:

على هذهِ الأرضِ ما يستحقّ الحياة، تُردّد إبريل: رائحة الخبزِ

في الفجر، آراء امرأة في الرجال، كتابات أسخيليوس ...

طبعا انتبهتم لتوظيف الأسطورة، هذا موضوع آخر مهمّ في الشعر الفلسطيني، ولكن لنبقَ في الصورة الشعريّة في عبارة "رَائِحَةُ الخُبْزِ فِي الفجْرِ". هذه الصورة تعرض أمامنا عالما كاملا، بعضنا ما زال يذكره، ولكنّ أجيالنا الشابّة تفتقده. الخبز هو الحياة، والفجر هو البداية، ولا بدّ أن تكون للبداية نكهتها الجميلة المستفِزّة. تضعنا الصورة أمام الحياة وجمال بداياتها، لذلك تضعنا أيضا أمام الذاكرة. فبما أنّ المشهد قديم وغير موجود اليوم، إذن في عرضه الكثير من التحريض على الحفاظ على ذاكرتنا كشرط للحفاظ على حياتنا وبداياتها التي يجب أن تكون مشرقة كالفجر، وكلّنا نتوق إلى بداية مختلفة.

الصورة الثانية، من المقطع الثاني: "سَيِّدَةٌ تترُكُ الأَرْبَعِينَ بِكَامِلِ مشْمِشِهَا". المشمش شجر موجود في فلسطين، ينبت في أرضها ويُحيل إليهما، فالأرض هي أرض فلسطين، وسيّدة الأرض كلّها هي فلسطين. فإذا كانت أمّي أجمل الأمّهات، فكذلك وطني أجمل الأوطان.

إذا تعمّقنا عبارة "بكامل مشمشها"، نجد الشاعر يُوظّف الإيحاء الجنسي فيها، ليلفت انتباه المتلقّي إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. القصيدة كُتبت عام 1986، وكانت فلسطين المغتصبة على مشارف الأربعين من عمر اغتصابها. وسنّ الأربعين لدى المرأة هو سنّ النضوج العقلي والفكري، وفيه تكون المرأة ما زالت تُحافظ على لياقتها الجسدية، ولكنّها فيه أيضا، تبدأ مرحلة الخوف والقلق من فقدان مشمشها، وقلق المرأة/سيّدة الأرض، يُعبّر عن قلق فلسطين التي تُحرّض أبناءها على تحريرها، ولأنّ الوقت قصير، "جمعة مشمشية" تحذّرهم من فوات الوقت، كأنّها تقول: إذا لم تُخلّصوني الآن وأنا بكامل مشمشي، جمالي وإشراقي وزهوي وأناقتي، فمتى ستفعلون ذلك؟ أخشى أن يصير ذلك إلى "بكرة في المشمش"! واضح لنا هنا، عمق المعاني في العبارة، وسعة دلالاتها.

طبعا، الموضوع أوسع بكثير من نحيط بكل جوانبه في هذه العجالة، ولكن أرجو أن أكون قد وفّقت في تقريب الصورة حول هذا الموضوع، "الأرض في الشعر الفلسطيني".

(مداخلة الكاتب في الندوة التي أقامها الاتّحاد العام للأدباء الفلسطينيين - الكرمل 48، عبر تطبيق الزوم، على شرف الذكرى الخامسة والأربعين ليوم الأرض الخالد، حول موضوع الأرض والمرأة في الشعر الفلسطيني - الأربعاء، 31/3/2021)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين