علّة الكتابة هي النقد ما كان منه بنّاءً أو هدّامًا. والنقد لا يكون بفطرته ائتلافيًا تحالفيًا أو نوعًا من أنواع الموالاة الفكريّة. النقد معلول الاختلاف أو الخلاف. ما أصعب إذًا أن تعلّق أو تقول قولًا على قولٍ لا تختلف معه في وجهته ومنحاه. وهكذا جاء "تعليقي" على مقال الصديق محمّد بركة يحمل معاني الإفاضة والإبانة في بعضها الأول أو الترديد والتأكيد في بعضها الثاني أو التبئير والتدقيق في بعضها الثالث. قرأت المقال وأعدت القراءة. قرأته على مهل لأنه طويل ومركّب، وقرأته بشيء من الترقّب لأنّ صاحبه قائد جماهيريّ عتيق قد ترادفت تجاربه فاكتظّت وعمقت. وأعدت القراءة لأنّ المقال نفسه هو هو ما حرّضني على استثماره في التعليق والكتابة.. على كلّ حال، مقال محمّد بركة ثنائيّ البنية يبدأ بتوصيف وينتهي بترشيد. أوّله رؤية وآخره رؤيا. رغم بنيته الثنائيّة المنتظمة، ظلّت مقولاته تتزاحم وتتدافع. يدفع بعضها بعضًا فتتقاطع وتتجاور وتختلط وتتردّد. وهكذا قد يرتبك بعضهم أمام هذه "الفوضى" من التدافع والتزاحم والاختلاط. في تقديري، يستطيع محمّد بركة، إن هو شاء، أن يجمّع رؤيته وتوصيفه للحالة العامّة في خمس مقولات كبرى وترتيب رؤياه أو ترشيده في عشرٍ كي ييسّر فعل القراءة ويضاعف الانتفاع بها. ومسحها هنا مسحًا مستعجِلا لاهثًا قد يضيّع التفاصيل. والتفاصيل هي موطن الشيطان "الرجيم" نفسه يندسّ في ثناياها وحناياها بكثير من الدّهاء...
وبعد، هي ثلاث ملاحظات تندرج في أطروحة واحدة، أطروحة العلاقات التداوليّة بين الأنظمة والشعوب أو بين التنظيمات وكوادرها. ولمّا كانت هذه أطروحة فلسفيّة عظمى، تقتحم كلّ الأنساق المعرفيّة، فلا بدّ أن تظلّ مفتوحة على مزيد من الاجتهاد. ولا أعرف إذا ما كانت هذه الملاحظات تعليقًا مباشرًا على كلّ ما جاء في مقال محمّد بركة، لكنّها تُكتب يقينًا بوحيٍ من أبعاضه.
الملاحظة الأولى: المونديال القطريّ
يكتب محمّد بركة في مقاله: "إنّ حضور فلسطين الواسع والشعبيّ والمؤثّر في أكبر حدث رياضيّ في المعمورة، والذي يتابعه المليارات من أبناء وبنات البشريّة، قد قوّض كلّ حلقات الذكر والتأبين لضمير الأمّة والتي دَرَجَ عليها البعض في السنوات الأخيرة بدافع اليأس أو بدافع الاستعلاء أو بدافع الإنكار والتشويه في صالح مشاريع إمبرياليّة بما فيها أجندات أنظمة. حزمة الضوء هذه تبدّد ولو قليلا من المساحات المدلهمّة التي تلازم واقعنا الحاليّ، وترسل رسالة إلى الصهاينة ورُعاتهم بأنّ أبناء إسماعيل ما زالوا بخير رغم ما نُسِب تعسّفًا إلى إبراهيم".
كثر الحديث في هذه الجزئيّة. ولي فيها قولان يتعانقان من باب العلّة والمعلول: (1) أبدى المونديال عمق الشرخ بين الشعوب العربيّة الأصيلة وأنظمتها الحاكمة. وهذه الأخيرة لا يسكنها غير هاجس الترويج لثقافة التشعّب في شعاب وشعوب. ولا يشغل بالها إلا تقديم "الوطنيّ" على "القوميّ"، أقصد مفهوم "الدولة" على "الأمّة". وهذا التقديم والتأخير، الذي تصرّ عليه هذه الأنظمة بعنتٍ كريه، هو لضرورات الخلط بين المفاهيم. فحين تصادر مفهوم الوطن والدولة وتخلطه مع مفهوم النظام الحاكم فإنّها تفعل ذلك لتسويغ القمع والترهيب. هذا أوّل الشروط القبليّة لحماية التفكير الديكتاتوريّ وأبرز أشراطه الإجرائيّة. وهكذا يصير الناقد لنظام الحكم نمرودًا مارقًا يتجرّأ على الوطن والدولة نفسها. وكلّ متطاول أثيم كهذا مردّه إلى النار، فيها يسحلون جلده ويحرّقونه. ومثل هذا تفعله الحكومات الإسرائيليّة أيضًا حين ترى كلّ رافض لممارساتها خائنًا منقلبًا على مفهوم الدولة في أحسن الأحوال، أو عدوًّا للساميّة في أسوئها. (2) وأيّ خلط إذًا بين النظام القطريّ والنبض الجماهيريّ العربيّ خطأ ينزلق، في بعض الأحايين، إلى مستوى الخطيئة. قرأت الكثير من المقالات في هذه الجزئيّة وشعرت أنّ منهم من ماد قلمه وانزلق في أوج انتشائه المحموم باللحظة الموندياليّة وانتصاراتها.
الملاحظة الثانية: الفاشيّة
يقول محمّد بركة إنّ: "الحكومة التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة قد بزّت سابقاتها في المجاهرة، وفي حجم سفور المنهج العنصريّ الفاشيّ، وذلك وفق الاتفاقيّات الائتلافيّة الموقّعة بين الأحزاب التي تتشكّل منها هذه الحكومة".
يحسن بنا التأكيد على أنّ الفاشيّة في إسرائيل هي مسألة بنيويّة مزدوجة: في مهدها النظريّ وتراكماتها الإجرائيّة. بذور الفاشيّة في محورها المبدئيّ مزروعة في عمق التفكير الصهيونيّ. والفاشيّة في محورها الإجرائيّ مزروعة في بنية نظام الحكم. ونظام الحكم في إسرائيل يفرز حكومات محكومة، مشكّلة بشكالين اثنين مثل الربيط: التعدّديّة الحزبيّة والسياق الظرفيّ. التعدّديّة الحزبيّة في إسرائيل انفراطيّة بطبعها، وبعضهم يراها "تبديديّة تبذيريّة" في هذا الظرف العصيب المحتقن، تلغي مفهوم المركز والحدود التي تفصله عن الهامش، بخلاف الأنظمة التي تنهض على ثنائيّة القطب كأمريكا وبريطانيا مثلًا. أمّا الظروف والسياقات فهي تداوليّة بطبعها، متغيّرة لا يمكن التعويل الاستباقيّ عليها ولا يمكن التنبّؤ بمستقبلها والاستعداد لها. ولعلّ الانزلاق الفاشيّ نحو مزيد من المسارب الظلاميّة المعتمة، على نحو ما نشهده في الحكومة الأخيرة، مردّه إلى هذين الشكالين. وهذا بالضبط ما أتاح تبديل المواقع بين المركز والهامش ويسّره. هذه الحكومة مثلا لا يضبط إيقاعَها الحزبُ الأكبر فيها بقدر ما تضبطه الأحزاب الصغرى القادمة من جحور ظلاميّة. وهذه مفارقة عجيبة تُنذر بشرٍّ مستطير. و"الهوامش" ما كانت لتتمركز، على هذا النحو الغريب، إلا لأنّ النظام يسمح بذلك ولأنّها تعي بدقّة معنى أن تكون الخيار الوحيد المتاح لتشكيل الحكومة. وهي بطبعها الأنويّ الابتزازيّ اللصوصيّ تعرف كيف تستثمر هذا الوعي في مسارين اثنين، إن اجتمعا ضاق الهامش الديموقراطيّ وانحسر وانحصر، أعني المال والسلطة. هذا كلّ ما تحتاجه الأحزاب الفاشيّة من الحكومة لتعميق فاشيّتها. إذا تحصّل المال والسلطة كبرت هذه "الهوامش" وعظمت وتمدّدت. وتمدّدت معها فاشيّتها وعظمت وكبرت.
وهذا يعني أمرين لا يكونان على انفصال هما من البداهة أصلًا: (1) إذا كانت الفاشيّة في إسرائيل بنيويّة مزدوجة، في النظريّة والتطبيق، فهي نازلة بطبعها إذًا من فوق إلى تحت رغم البعد الجدليّ فيها، بخلاف ما فهمته ممّا قرأته مؤخّرًا في مقالات الصديق عصام مخّول. قد أكون مخطئًا وقد تخونني ذاكرتي... وهكذا ما كانت مشكلتنا مع الشعب في إسرائيل ولا مع ديانته بقدر ما هي مع السياسات الحكوميّة ومرجعيّتها الأيديولوجيّة. وأذكّر أنّ لهذا القول المبتذل أبعاده النضاليّة الإجرائيّة المعروفة بطبيعة الحال. (2) ولمّا كانت المشكلة مزدوجة فلا بدّ أن يكون النضال جماهيريًا وبرلمانيًا ممتدًّا صابرًا ثابتًا لا يميل ولا يملّ. والنضال الجماهيريّ تقوده لجنة المتابعة العليا بصفة أساسيّة والبرلمانيّ تديره الأحزاب، أو ينبغي لها أن تفعل. وهذا بالضبط هو موضوع الملاحظة القادمة.
الملاحظة الثالثة: الأحزاب العربيّة
ضمن إجابته عن سؤاله الرؤيويّ "ما العمل؟" يقول محمّد بركة في آخر مقاله: "تقوية الأحزاب السياسيّة، بوصفها المحرّك النضاليّ الأساسيّ، كي تستعيد دورها كمنظّم ومحرّض وصاحب رؤية شاملة، إلى جانب العمل المشترك والتكامليّ مع مؤسّسات المجتمع المدنيّ، والاستفادة من الخبرات المهنيّة والعلميّة مع عدم الخلط وفقدان الحدود بين الحزب السياسيّ ومؤسّسة المجتمع المدنيّ".
هذه هي المشكلة بالضبط، هذه معضلة. تردّى النشاط الحزبيّ وتراجع حتى انحصر واقتصر على المواسم الانتخابيّة أو كاد. وحين يصير النشاط الحزبيّ موسميًا، ويتراجع الحضور الميدانيّ الجماهيريّ، تفقد الأحزاب مصداقيّتها أمام الجماهير العريضة. لعبة الخفاء والتجلّي التي تتقنها الأحزاب العربيّة في علاقتها بالجماهير، بما في ذلك الحزب الشيوعيّ، عمّقت القطيعة بينهما في مسارين: كمّيّ ونوعيّ. أمّا الكمّيّ فيعني المدّة الزمنيّة الضيّقة التي تنزل فيها "النخب" إلى "الشارع". أمّا النوعيّ فيعني التعامل مع هذا النزول كما لو كان فرصة سانحة تُنتهز للتسويق الدعائيّ والترويج الاقتحاميّ. يدرك الناس أنّ الأحزاب العربيّة تنشط على شكل استجابات ظرفيّة مؤقّتة. وهذا ما يسمها بالترخّص. هذا هو نبض الشارع والزقاق والحارة. هذا هو نبر الناس. وإذا أضفنا إلى هذا إصرار الحكومات المتعاقبة على تفريغ الأحزاب العربيّة من محتواها وتعطيل غاياتها وتهميش أثرها أدركنا كنه تراجعها وضعف مناعتها وحصانتها الشعبيّة.. هكذا كانت مشكلة الأحزاب عندنا مضاعفة: جَوّانيّة وبرّانيّة. أمّا البرّانية فقد مرّ ذكرها. أمّا الجوّانيّة فتستدعي ترميمًا عاجلًا لا يتأدّى إلا ببرنامج منهجيّ ثقافيّ سياسيّ فكريّ امتداديّ غنيّ متواصل. به تتواصل الأحزاب مع الناس بصفة يوميّة، تستعيد ثقتهم وتقيم معهم علاقة حواريّة تفاوضيّة.. ما لنا لا نرى هذا "النشاط" في قرانا ومدننا إلا عشيّة الانتخابات رغم أحاديّته المعرفيّة ومحدوديّته الزمنيّة؟!!
لسنا في حالة نُواح مهموس ولا ولولة. لا وقت للبكاء ولا التباكي. وبنفس القدر بالضبط، لا وقت للمُرافعات الحماسيّة... هذا أوان الفعل!
صورة من الهيئة العامة للكنيست: تصوير نوعم موشكوفيتس من قسم الإعلام.



.png)

.png)






.png)

