في هذه القصيدة وليست الأولى ولا الأخيرة للشّاعر علي هيبي، نلمس أنّه يضرب على وتر الانتماء والوجود الإنسانيّ، وحياة البؤساء المقهورين تحت سوط البطرة والظُلّام والقاهرين للإنسانيّة وحريّة الإنسان أيّ كان، والمُعدم الّذي يزاحمُ على لقمة عيشه وحياة كريمة عفيفة...
وهنا يخرجُ علينا الشّاعر المُلهم بنصّ في عنونته فرادة "ليلة القبض على فاطمة"، مع أنّ فاطمة مستوحاة من الفيلم المصريّ الذي أُنتج عام 1984، وهنا القصيدة تحمل اسمه. وفاطمة امرأة مناضلة أثناء الحرب؛ العدوان الثّلاثيّ على مصر. وقد نذرت نفسها وصانتها حفاظًا على شَرَفها وعفّتها وإنسانيّتها وتعرّضت للمعاناة، لئلّا تتسربلُ السّمعة السّيّئة الّتي تُقوّضُ وجودها وكيانها. وقد نلمسُ أنّ فاطمة بعنونتها للقصيدة تحملُ بعضًا أو كلًّا من معاناة الشّاعر ذاته، وهو يصارع ويتحوّل بين أقانيم اللّيل والنّهار والغرب والشّرق باحثًا عن الكوّة الّتي منها سيُضيئ الحياة والواقع المتشرذم المعيب بوجوده وسلوكيّته؛ وبذلك تكون فاطمة المُعادل الموضوعيّ" correlative objective لذات الشّاعر الباحثة عن الاستقرار والوجود الاجتماعيّ الأيديولوجيّ.
الشّاعر هيبي ينطلق من حادثة فاطمة ليُسقط كلّ أحداثها على ما يحصل للأمّة العربيّة شرقًا وغربًا والّتي لا تزال تحيا على خزعبلات الغرب، وتتقمّص الرّوح الغربيّة المجافية للحقيقة والّتي تدمغ الحقّ بالباطل والخير بالشّرّ...
يقول الشّاعر: "صراخٌ فينا عقيم يولدُ الموتَ في ردهاتِ القبورِ/ ينتظرُ نشورَ رميمِ الجماجم على مأدبة الفكر الرّصين علّ حياةً تشبُّ عن طوقِ اليبابِ.... إلى متى سيبقى طعمُ الكفاحِ مريرًا وأصعبَ من مذاقِ الهزيمةِ/ وَيبقى طعمُ السّلاحِ وَطعمُ الكفاحِ بَعيدينِ عن لائبٍ لاهثٍ خلفَ سرابٍ تباعدَ..."، وبنظرة عامّة تُحيلُنا كلّ الإشارات والعلامات النّصّية إلى رفض الشّاعر لهذا الوجود العاجز المُفتعل للحالة السّياسيّة والاجتماعيّة والجيوسياسيّة، والّتي بترسيخ هذا التوجّه في الوجود الأنطولوجيّ من شأنه أن يبني حالة مشوّهة عقيمة لا تأتي بأبسط طموحات أبناء شعبنا القابض على الجمر بأرضه ينتظر الخلاص! وهنا الشّاعر يأتينا بالإشارات التّناصيّة والخلفيّة الصّادمة الّتي يحياها وطنًا ووجودًا فعليًّا، لتعميق الشّرخ وَلِيُذكي فوّهة البركان الثّائر بِتُؤدةٍ وعلى مهلٍ، لكن يبدو أنّ الثّوران سيُطوّح بموادّه غير آبه بالإصلاح وإعادة بناء القاعدة الإنسانيّة والحياتيّة الدّائرة رحاها على تُخوم الحاضر الثّقافيّ والإمبرياليّ في ضوء الحالة الجمعيّة الرّاهنة؛ وَلِيُضحي المكان خربًا زاهقًا لا يحمل شعاعًا وسط الظّلام.
جاء في القصيدة: "لن نبقى دولًا تترامى أطرافها على الخرائط بلا عملٍ إلّا الخمولَ والارتماء في دفيئة الحضن الغربيّ الرّذيل وغير الرّؤوم/ لا دولة مشتهاة تكون لنا بعد حساب سبعٍ عجاف وَسبع يابسات وَسبع أكلتها الذّئاب وَسبع وسبعين في جفر الخرافات/ على طول جوع الطّريق تمرّغَ مجدُ التّراب في مسار تكوّنها المُتردّد نحو الغياب....".
والشّاعر هنا بتناصّاته القرآنيّة والتّراثيّة الّتي ضمّها إلى قصيدته وإن دلّت على اطّلاعه الشّموليّ، فهي تُدلّل بشكل لا يخامره الشكوك على انحيازنا وانحياز الأمّة باتّجاه الخلافات وضياعها ما بين مطرقة الزّعماء وسندان الانتهازيّة الاستعماريّة الغربيّة، في محاولة لتبكيت الأمّة على واقعهم الذّليل وامتهان لكرامتهم دون رادع أو وازع...
والشّاعر يزداد وجوديّة وواقعيّة في طرحه للجوانب الحسّيّة والمعنويّة، وهناك دعوة خفيّة في ضرورة التّمرّد على التُّرّهات وعدم الانصياع للمستعمر.
يقول: "شرقُنا العربيُّ مولَعٌ بنظامِ البرامجِ المعدّةِ سلفًا/ ليتَهُ يبحثُ عن صراطٍ قويمٍ للحقيقةِ كسلمانَ الفارسيِّ/ أو يدرسُ برنامجًا نوويًّا في أسبوعِ الامتحاناتِ آخرَ الفصلِ يعيدُ بعضًا من الزّمنِ الضّائعِ/ لثباتِ الصّمودِ المكلّلِ برأسٍ شَموخٍ يختالُ بتاجِ الملوكِ اختيالًا عجيبًا يجعلُ ازدهارَ الشّموخِ انحطاطًا/ على تلِّ موجِ البرودِ المدنّسِ بالفسادِ والذّهبِ الأسودِ والعملةِ العائمة".
إذن؛ بالمُحصّلة العامّة الشّاعر يدينُ العروبة في انكفائها وعدم تمترسها في خندق قويم والبحث عن الحقيقة كما هو الشّأن عند الأوائل، أمثال سلمان الفارسيّ. فالشّاعر يُدينُ كلّ الكيانات الطّارئة على واقعنا؛ كوننا صنعناه بأيدينا، عندما ابتعدنا عن الجادّة وارتضينا العيش في الهامش، وعلى مخلّفات العدوّ والمُستعمِر الّذي ارتضى أن يُثبّت نفسه على أرضنا وفكرنا ومُقدّراتنا، وهذا دَيدَن الإمبرياليّة والهيمنة بكلّ حيثيّاتها وصورها وإن كانت اللّائمة تُلقى علينا فارتضينا عيش الخيلاء والطّيش مقابل تسليم مقاليد السّلطة والكرامة للدّخلاء والانتهازيّين؛ وهذا ما أشار إليه المفكّر الجزائريّ "مالك بن نبي".
هذه الأفكار والوقائع الّتي يسردها الشّاعر تستحثّ وجداننا ومشاعرنا وحالتنا الفيزيقيّة (الطّبيعيّة) والميتافيزيقيّة للخروج من حالة الرّكود والاستكانة والنّكوص، الّتي ولّدت حالة من الجمود والارتكاس...وحتّى الآن لم ننهض من سباتنا وغيابنا القسريّ الّذي لا يزال يطغى على المشهد العربيّ الشّامل. وهنا لا بدّ من نفض الغبار المتقادم وحالة الاستسلام، وعلينا الانتفاض كالعنقاء من تحت الرّماد.
هذه الزّمكانيّة بِبُعديها الوجوديّ والنّفسيّ تُهيمنُ وَتَرينُ على رؤيا الشّاعر (Vision)، الّتي لا يمكن توضيحها إلّا باللّغة الشّعريّة، فتتيح معرفةً حَدسيّةً مختلفة كلّ الاختلاف عن النّثر، ويصبح الشّعر أداة للمعرفة معبّرة عمّا يستحيل بلوغه عن طريق العقل ويتجاوز البحور والأوزان. والرّؤيا أيضًا شعور أنّ المستحيل في رأي الآخرين ممكن التّحقيق، بحيث يظهر لصاحب الرّؤيا في وضوح صاعق...وينتج عن تفرّد الشّاعر أو الأديب بالرّؤيا شعور لديه أنّه متميّز إحساسًا وفكرًا وقادر على اختراق تُخوم الواقعيّ إلى النّبوءة. وهنا رأينا أنّه يُحاك في نفس الشّاعر كلّ إرهاصات الانفطار والسّخط والانفطار؛ حتّى الخروج من دائرة الفَقْد الرّوحيّ والفكريّ، فما يحياه عالمُنا الشّرقيّ يساوي بالمُحصّلة الحالة "العدميّة"، دون أوجه صراع يَقينا شرّ الشّرذمة والتّألّب القاصم للحركة الفكريّة والاجتماعيّة والوجدانيّة والسّياسيّة.
يُثير الشّاعر علي هيبي فينا الإحساس الإنسانيّ والوطنيّ، وحتّى الحالة السّيكولوجيّة طاغية في ظلال الكلمات المشحونة بالرّوح المنتمية والصّارخة بشكل عفْويّ، وصولًا لحالة من التّوازن بين الوجود والنّفس، الأنا والآخر، القول والفعل، الكمون والحدوث...ليكتمل المشهد ويتحصّل طريق الخلاص والكفاح لإحقاق الحقّ وَدرأ الفتنة، ورأب الصّدع المتعرّي.
يقول: "لنْ يكونَ لنا وطنٌ جميلٌ ولا فرسٌ أصيلٌ ولا ركابٌ مثقلٌ بالعادياتِ ضبحًا ولا بالمغيراتِ صبحًا/ لنْ نستردَّ أرضَنا الخضراءَ بخرزةٍ حزينةٍ زرقاءَ/ ودعاءٍ كسيحٍ لشفاءِ المريضِ ولسْنا طبيبًا ولسْنا المسيحْ/ لنْ نشربَ منْ فراتٍ ولا منْ دجلةِ الخيرِ/ سيجفُّ النّيلُ الأبيضُ منْ نهضةِ السّودِ والسّدِّ وكسادِ همّةِ الكاذبينَ/ سنبكي كثيرًا منْ قلّةِ الغسلِ واللّاكرامةِ سنغدو كأنجاسِ مصرَ وكافورِهمْ/ إذا لمْ نعدْ إلى صراطِ رشدِنا الوطنيِّ فلنْ تقومَ لنا قائمة".
إنّ تتابعَ حركة النّفي بِ "لن يكون" ومشتقّاتها، وتكرار البداية "لن نبقى" تؤكّد الحالة الوجدانيّة والنّفسيّة والفلسفيّة للشّاعر، وهو يراقب ويجسّ نبض الأُمّة العربيّة المفتونة والمتهالكة والمنتهكة والمتهتّكة حتّى النّخاع في تاريخها الأوّل بلا انتهاء وجغرافيّتها الممتدّة من غرب الأطلس حتّى شرق المتوسّط والخليج... إنّها الحالة الأنطولوجيّة السّوداويّة الّتي تنأى بالنّفس عن التّفاؤل، بل تشحن الذّاكرة والنّفسيّة بالاضمحلال واستتباع الخراب في واقع أشبه بالأسطوريّ غير متكافئ، ينخرُ فيه الغياب، وتفتك فيه أمواج الغرب المُتمترس عند تخوم البحر والنّهر والصّحراء، عند الوجود الآسن الّذي لا يصحو عند الفجر...
الشّاعر يطمح للوصول إلى قدسيّة المعنى للأشياء والموجودات جميعها الّتي عدّدها وأكّدها في القصيدة، باستعمال التّناصات والميتاناصّ الدّينيّ والتّأريخيّ، الّتي تفتح النّصّ على مصاريعه.
هناك حالة من التّناغم بين الدّال والمدلول، يتلاقيان بلا تجاذب ويتباعدان دون تنافرٍ، من حيث المضامين والإيحائيّة وقصديّة المعنى، كما رأينا في كوامن وثيمات القصيدة المتّحدة بالذّات الشّاعرة (البرسونا) ضمن الواقعيّة الشّعريّة والحالة الشّاعريّة.
والنّصّ تتعاورهُ دلالات ورؤًى، وتتناوبه كلّ المشاعر والوجدان الخالد الّذي يُلقي بظلاله على أفكار وشعريّة الشّاعر وفق الميتانصّات، وتلك الحالة النّفسيّة الجامعة بكلّ مكوّناتها السّوسيوثقافيّة، والّتي لها انبجاسات تحلّ أزرار الأنا، ليظهر مدى تداخل الشّكل مع المضمون في القصيدة، المزركشة بالرّؤى والمفاهيم الواقعيّة والحسيّة الوجدانيّة الفلسفيّة وحتّى الثّوريّة بكلّ مُلابساتها...
ما نلمسه وراء الكلمات هو انتصاب لذات الشّاعر وتجلّياتها المكلومة في صلاتها بكلّ رؤاها وَتمظهُرها، والّتي تكشف الحالة الأنويّة ونحن نلجُ النّصّ ونُلامس المعاني البلاغيّة الإخباريّة بِتجلّيها المتواتر من خلال الجمل الاسميّة والفعليّة، الّتي تظهر الوصف التّفصيليّ المُرتكز على تناوب الحالة النّفسيّة والجريان الفكريّ، الّذي ينهض عليه الشّاعر وصولًا إلى الميتافكريّة- إدراكيّة (Meta Cognation).
الصّور الشّعريّة الّتي تنسحب على النّصّ تحمل المسؤوليّة الأدبيّة، وتوقدُ النّفس المُلتهبة بتعبير الشّاعرة "مُرشدة جاويش".
هناك صور مُدركة للحالة الرّاهنة وصُور تتعدّى الحالة الرّاهنة بلاغةً ومبالغةً، وبذلك فالنّصّ فيه تحوّلات مُدْركة وأخرى مُضمرة والّتي تبقى ضمن الاحتماليّة بين الكائن الشّعريّ والمكنون الشّاعريّ، ضمن الصّور المؤديّة للوصف النّفسيّ.
حين يسترسل الشّاعر بتصاعديّة الدّالّة الحدثيّة، فهو يمزج بين المكوّنات النّفسيّة مع الظّاهريّة المتوزّعة بالجوّ العامّ للقصيدة... وتصبح فاطمة هي الدّالّة والمدلول في تناول الظّاهرة الحدثيّة المواتية لنفسيّة
ووطنيّة الشّاعر على امتداد النّصّ، وبالطّبع فاطمة كاشفة لسوآت وعورات الأمّة كلّها تُدينها في عُقرِ دارها...تتفرّد بصفات رائدة تستجلي الواقع وتؤطّر عيوبه وأوضاره درءًا لاستمراء الحالة الرّاهنة المّاديّة الشّهوانيّة، كأنّها تقذف النّور وسط الظّلام المنتهك للحالة الوجوديّة، والشّاعر يدعم ذلك من خلال آليّة النّفي والإنشاء الطّلبيّ وأسلوب الأمر، التّي تشير إلى وضوح وقدسيّة الحالة الوجوديّة ونقاء شخصيّة فاطمة في وقوفها مع الحقّ وضدّ اضمحلال القيَم والعُلوّ والتجبّر الّذي لا يسدّ رمق الجائع ولا تأتي بالحلول الواقعيّة الّتي تتماشى مع الإنسان دون التّعالي عليه ووصمِه بالذلّ والقهر والقصور.
"لنْ تبقى عواصمَ هذي المدائنُ في أرضِنا/ بعدَ الضَياعِ الكبيرِ بينَ الخليجِ المريضِ وبينَ انتهاكِ عرضِ المحيطِ/ لا عاصمةٌ واحدةٌ تكونُ بعدَ انحلالِ دكّةِ أمِّ العواصمِ بالاحتلالِ والسّلطةِ اليائسةِ والنّواحِ وشقِّ الصّدورِ وصولةٍ شاهقةٍ للجدارِ/ ولا مدينةٌ للّقاءِ الحبيبِ وكلُّ المدائنِ سوفَ تعاني طبقاتِ الرّكامِ/ فوقَ الشّوارعِ تسدُّ المساربَ بجندِ الكلابِ أو بكلابِ الجنودِ/ تتململُ الشّوارعُ والميادينُ وأحلامُنا بشقِّ النّفوسِ والثّورةِ العارمةِ القادمة.
صارَ أخوتُكِ اللّحمَ يا فاطمةُ فصوني أمانةَ اللّحمِ وأنتِ الكبيرةُ/ لا تخوني الدّمَ والخبزَ ولياليَ العذابِ والسّيّدَ المستقيمَ/ اشقي عليهمْ ما استطعْتِ حتّى حبلِ الوريدِ ولقمةِ عرقِ الجبينِ/ ولمْ تفرّطْ فاطمةُ بكسرةِ خبزٍ أحنَتْ رقابَ الذّكورِ/ وخانَ كلَّ ليالي عيشِ الجياعِ وملحِ الحفاةِ الأمينُ وصارَ غروبًا معْ غريبِ السّلطةِ الحاكمة...".
كلّ هذه الصّور الشّعريّة تنازع الذّات الشّاعرة، وترصدها في محكّ الواقع السّوداويّ والّذي يبحث عن مناص ليكتسح الوجدان، ويبرز شراهة الواقع العربيّ الاستعماريّ، وَلِينهض بالحالة هذه من دونيّتها ويرقى بها عبر الوعي واللّاوعي، والمجسّات النّفسيّة والفكريّة، ولذلك تكثر الانزياحات مجازيًّا وترميزيًّا، وتبرز السّيميائيّة النّفسيّة المُدمجة والمُتلئبّة بالبوح الذّاتيّ والقهر النّفسيّ في جوّانيّة الشّاعر.
وبالمُحصّلة العامّة نجد الشّاعر يلحّ بنسق رتيب، وبلحظات شاعريّة في زمانيّة ومكانيّة مضغوطة مُكثّفة باستعمال الصّورة والمبالغة بِشكل ينقل للمتلقّي وجوديّة الشّاعر وَخِلافيَّته مع الواقع العربيّ الإمبرياليّ المتردّي، والّذي لا يقلّ خطورةً واهتراءً عن الإنسان الغربيّ المُستعمِرِ للقِيم والفكر والإبداع الشّرقيّ، المُمتهِن للأصول المعرفيّة والأخلاقيّة عند الآخر، وصولًا إلى التّعالي الإنسانيّ، والهيمنة الفكريّة المبتورة عن النّظرة الحسّيّة والعمليّة الواعية. وبذلك يتولّى النصّ القصيدة رؤية ورؤيا الشّاعر لِيحملها نحو بناء الدّلالة من ناحية والتّطهير الفكريّ والنّفسيّ، وصولًا لحالة التّوازن بين الذّات والموضوع، الأنا والآخر، التّشابه والاختلاف، والجسد والنّفس في دائرة الفعل وردّ الفعل عبر تجلّيات الصّور الشّعريّة وَمجسّاتها الوجوديّة، المعرفيّة والسّيكولوجيّة أُفقيًّا وعموديًّا؛ لِنلتقي على حالة من النّبض والوَعي والتّضحية المتمثّلة بِفاطمة؛ الشّخصيّة النّابضة في النّصّ، والّتي تفيض على النّصّ حياةً وروحًا وَمنارةً تكشف مواضع التخلّف وتعرّي الحالة الوجوديّة وفق الاتّجاه الواقعيّ الاشتراكيّ، فما يحياه واقعها على المستوى العمليّ والسّوسيولوجيّ والسّياسيّ والمدنيّ، يحتاج إلى مُخلّص من ذلك الجحيم الأرضيّ وبؤس الواقع الاجتماعيّ، وبذلك تتحوّل فاطمة إلى أيقونة وجوديّة لا تُسلِّم بالحالة الماثلة أمامها بل تسعى للاستعاضة بِحلوليّة فوقيّة تعيد قراءة الحاضر وتستجلي ومضات الواقع، وبذلك تمثّل مشروع عمل نهضويّ تُدين الواقع الوجوديّ وتسعى نحو التّعالي والتّشيؤ لاستشراف حالة نهضويّة تُؤسّس على العمليّة البرغماتيّة. ولمّا كان واقع التّغيير رهانًا على الموجود بمادّته وروحه، فهذا يستلزم فكرًا وعملًا لا يُلوي على الاستكانة، وبذلك تتحوّل فاطمة إلى حالة ترميزيّة يمكن تحميلها كلّ الدّلالات والمعاني والثّيمات الّتي تتعالق مع ضرورة إحداث التّغيير بِوعي متميّز وعمليّ متمايِز! ففاطمة محكّ الواقع النّفسيّ والوجوديّ في الآن ذاته وأمل التّغيير...
"سيمتدُّ عنْ جنّةِ الحلمِ في الأرضِ نورٌ يقشعُ ظلماتِ اللّيالي ويغمرُ كلَّ الحواري الفقيرةِ بخبزٍ كريمٍ/ لمّا تصيرُ كلُّ ليالي أحلامِنا ليلةَ قبضٍ على فاطمة".



.png)

.png)






.png)
