الانتخابات الإسرائيلية: أن نمارس اللعبة لغاياتنا لا أن نغرق فيها| برهوم جرايسي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

شئنا أم أبينا، فإن واقع الحُكم الإسرائيلي مفروض علينا، ولكننا لم نقبل في أي وقت، الواقع الحياتي الذي أراد الصهاينة فرضه علينا، أن نبقى في أحسن الأحوال شريحة ضعيفة مستضعفة، يدُب اليأس فيها، لتندفع نحو الخارج. وهذا أول ما فشلت به الصهيونية، وبقينا وترسخنا وتطوّرنا رغم كل المخططات الاستراتيجية الصهيونية، التي طبقتها كافة الحكومات، إذ أن الفوارق كانت هامشية مقارنة مع الجوهر.

لست بصدد مقارعة أحد، لكن النقاش الوطني الفلسطيني يجب أن يكون مطروحا، فحتى من يعلن رفضه للواقع السياسي الإسرائيلي، إلا أنه في ممارسته اليومية، وخاصة في ممارسته السياسية، هو يتحرك ضمن القوالب المتاحة، وبضمن ذلك الانتخابات البرلمانية، التي هناك من يدعو لمقاطعتها سياسيا.

ودعوات مقاطعة الانتخابات ظهرت ابتداء من سنوات الخمسين، من خلال حركة الأرض، التي قررت في النصف الأول من سنوات الستين تغيير نهجها لتخوض الانتخابات، ولكن تم رفض الحركة وحظرها لاحقا. ثم ظهرت حركة أبناء البلد في مطلع سنوات السبعين، ولربما قبل، وهذه الحركة الوطنية شهدت الكثير من التصدعات والانشقاقات، ولاحقا رأينا من كوادرها من ينخرط في تشكيلات انتخابية أخرى تخوض الانتخابات الإسرائيلية.

السواد الأعظم من جماهيرنا الراسخة في وطنها، حسمت بشكل قاطع، أنها ليست مع المقاطعة من جهة، ورفضها الغرق في الأحزاب الصهيونية من الطرف الآخر. وقد نجد من يعترض على هذا، بعرضه نسبة المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية وخاصة الأخيرة، آذار 2021.

فالاستنتاج الذي أذكره لا يستند الى نسبة تصويت عينية، بل قائم على حقيقة نسبة المقاطعة الثابتة والدائمة على أساس سياسي مبدئي صلب لا يتغير. ومعروف أنها ليست نسبة عالية، فهناك من يشارك من حين إلى آخر في عملية التصويت، وهذا لا يُعد مقاطعا إذا ما غاب عن انتخابات واحدة أو أكثر.

 

//السؤال الأساس: ماذا نريد؟

 

أدوات اصطناع الرأي العام التي تستهدف مجتمعنا العربي، تسعى الى خلق وهْم بأن غالبية جماهيرنا العربية تريد الانخراط كليا في اللعبة السياسية الإسرائيلية، بهدف تأمين احتياجاتها الحياتية وتحسينها، وهذه المزاعم تأتي تحت مسميات أبرزها "التأثير".

فذات يوم، ولفترة ليست قصيرة، كان وهْم "التأثير" من خلال الانخراط في الأحزاب الصهيونية من أجل "التأثير" من الداخل، ولا حاجة للاتساع في الشرح، فهذه الورقة سقطت منذ يومها الأول، لكنها احتاجت سنوات حتى نشأ وتبلور جيل ما بعد النكبة، جيل يعتز بانتمائه الفلسطيني الوطني، لا تعلق به آثار خوف جرائم الصهاينة في المرحلة الأولى من النكبة المستمرة على شعبنا. ولم تكن عملية نشوء هذا الجيل التي قادها الحزب الشيوعي، وبلغت ذروتها في يوم الأرض، عملية سلسلة سهلة.

في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية التي جرت في خريف العام 1977، فازت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التي شكلها الحزب الشيوعي بعد يوم الأرض 1976 بنسبة 52% من أصوات الجماهير العربية، مقابل 48% لكافة الأحزاب الصهيونية، ومن هناك بدأ تراجع الأحزاب الصهيونية مع تقدم السنين.

انتخابات السنوات الأخيرة، أثبتت وجود جمهور ثابت يصوّت للأحزاب الصهيونية، من كافة جوانب نسيج جماهيرنا العربية، دون استثناء أي شريحة، بما فيها الشرائح التي يسعى الصهاينة لسلخها عن شعبها، وأقصد الطائفة العربية الدرزية، وأيضا عشائر البدو شمالا وجنوبا. والقصد أن الأعداد تقريبا ثابتة، لكنها تتحول الى نسبة عالية أو منخفضة، بحسب نسبة التصويت العامة بين العرب.

بمعنى حينما صوّت 64% من العرب في انتخابات آذار 2022، كانت نسبة أصوات الأحزاب الصهيونية في حدود 12%، وحينما انهارت نسبة المشاركة الى 44% بعد عام واحد، ارتفعت نسبة الأحزاب الصهيونية، لكنها لم ترتفع في الحصيلة العددية.

عدم استقرار الحكم الإسرائيلي، برلمانيا، وضروري هنا التأكيد على "برلمانيا"، تأجج في السنوات الثلاث الأخيرة، ولكنه قائم منذ ثلاثة عقود وأكثر، فآخر انتخابات إسرائيلية جرت في موعدها القانوني كانت في خريف العام 1988.

وحينما نشدد على عدم استقرار برلماني، فهذا تأكيد على أن الاستراتيجيات السياسية الصهيونية في كافة النواحي، ثابتة وتتعمق، بينما المتغير هي الأسماء التي تتوالى على الإمساك بمطرقة الحكم، وهي أسماء مناوبة على تنفيذ الاستراتيجيات العليا التي تضعها جهات الحركة الصهيونية، وتفرضها على كل حكومة، مهما كان لونها، في إطار خلطة الألوان الصهيونية.

 

//مارس لعبتك في الساحة المتاحة واحذر القفص

 

إذا قلنا إن هناك واقع حُكم سياسي إسرائيلي مفروض علينا، لا يمكن انكاره، فهذا لا يعني اطلاقا، وكما ذكرت، هو أن تقبل بالواقع الحياتي، والحياتي السياسي الذي تريد الصهيونية فرضه علينا، وأوله الانسلاخ عن شعبنا الفلسطيني وقضيته، من باب المخطط الصهيوني لتفتيت الشعب، ليسهل استمرار ضربه حتى زوال حقيقة "قضية شعب". دورنا بأدواتنا أن نُفشل هذا المخطط.

وهنا يجب أن يتحدد مجددا جوهر وجودنا في الكنيست. هذا الجوهر حدده الحزب الشيوعي منذ البدايات، كتلة معارضة مقاتلة مكافحة، صدامية في مواجهة مؤسسة الحكم، وفي عقر "بيتها التشريعي"؛ وفي ذات الوقت، ممارسة اللعبة البرلمانية بما يخدم هدفنا الاستراتيجي، واستغلال الفرص لممارسة "لعبة المناورات البرلمانية"، بما يخدمنا.

مصطلح "لعبة المناورات البرلمانية"، خطير للغاية، وبالغ الحساسية، لأنه قابل للتأويل في اتجاهات خطيرة، يسعى البعض لاستخدامها من أجل جر جماهيرنا نحو أقفاص الصهيونية، أقفاص التدجين، وتدخل في هذا الإطار مسميات عديدة مثل:

 

-       "التأثير": وشهدنا نتائجه من خلال ما أفرزه ما سمي "النهج الجديد" الذي مارسته الحركة الإسلامية الجنوبية، رغم أنه ليس جديدا.

-       "ليس مصلحتنا استمرار تقلب الحكومات وعدم استقرارها"، وهو أيضا مصطلح اختلقته الحركة الإسلامية، حينما كانت ضمن "القائمة المشتركة".

-       شخصنة العنصرية الصهيونية بهذا الاسم أو ذاك، وإلهاء الناس بشخصية كهذه أو تلك، وتغييب حقيقة أن العنصرية المؤسساتية الحاكمة، هي تطبيق للفكر الصهيوني، مع فروقات هامشية جدا ليست ملموسة، وهذا سقط كليا، بممارسة ما تسمى "حكومة التغيير"، الحالية.

 

وهنا من سيسأل فورا: إذا لماذا نشارك في الانتخابات؟ ويطرح هذا السؤال المقاطعون من جهة، ومن يريدون الانغماس كليا في مؤسسة الحكم الصهيوني من جهة أخرى. فالمقاطعون سيقولون لا جدوى من المشاركة، والطرف المقابل سيقول إن المشاركة في الانتخابات البرلمانية ستكون عبثية إذا لم نشارك في لعبة الحُكم.

حينما نقول عدم استقرار برلماني، فهذا لا يقلل من شأن الأزمة القائمة، لكن الأفضل هو تحديد المصطلحات والتعريفات، من باب فهم الواقع، وعدم الغوص في أوهام الخلاف السياسي الجوهري بين أطراف الحركة الصهيونية كلها.

وبرأيي أن الأزمة الأشد والأكثر عمقا التي تشهدها إسرائيل ومجتمعها، هي تلك التي باتت تلوح في الأفق القريب، أكثر من ذي قبل: أزمة مجتمعية يهودية إسرائيلية، قد نرى دلائل أقوى لها في نتائج الانتخابات المقبلة، مع تزايد قوة الأحزاب الدينية الصهيونية والحريدية، المتشددة دينينا إلى جانبها تطرفها السياسي.

فهذه الأحزاب ستستثمر قوتها التي بدأت استطلاعات الرأي تشير لها، ليس فقط سياسيا، والسياسي هو ما يهمنا، وإنما أيضا مجتمعيا تجاه الجمهور الإسرائيلي، وهذا ما قد يثير مجددا الصراع الديني المتشدد مع الجمهور العلماني، أو الرافض لنهج الاكراه الديني، وباتت الأبحاث الأكاديمية التي تحذر من مستقبل إسرائيل في هذا الجانب عديدة. ومن المؤكد أن صراعا كهذا ستكون له أيضا إفرازات سياسية.

وجود تمثيل للجماهير العربية، تمثيل وطني حقيقي، صلب لا مهادن، ولا مقايض، يحتل عددا من المقاعد البرلمانية الـ 120، يساهم في تعميق أزمة عدم استقرار الحُكم، لأنه من دون هذا التمثيل، فإن الأغلبية اليهودية لصالح اليمين الاستيطاني المتطرف والأشد تطرفا، واضحة وتتجاوز نسبة 64% من اجمالي المصوتين.

ومهمتنا في اليوم التالي للانتخابات، هو ليس السعي لاستقرار الحكم، واستبدال مجرم أزعر، بمجرم "لبق" آخر، إن صحّ التعبير، إلا إذا ظهرت ظروف تشير الى تغيير جوهري حقيقي، وهذا حاليا هو نسج من الخيال، أمام الواقع الإسرائيلي المستفحل.

وهذا الموقف يجب أن ينعكس في الحملة الانتخابية، بمخاطبة الناس بواقعها، دون بث أوهام لا تُسمن ولا تُغني، والتأكيد على أن تغيير واقع الناس هو بالنضال الميداني الحقيقي، ويكون التمثيل البرلماني داعم له، وهو دعم مهم، وكلما زاد التمثيل الحقيقي كان الدعم أكبر، لأن كل ما تحقق في أوضاعنا، وهو ليس بقليل، تحقق بالنضال؛ ومن قاد هذا النضال على مر عشرات السنين، هي القوّة أو القوى الوطنية التي تشارك في المعترك البرلماني.

الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقبلة، ستحمل الكثير من المتغيرات، بشكل أعمق مما شهدناه في السنوات الثلاث الأخيرة، هي متغيرات ذات وجهات متعددة؛ وبالتأكيد أن منها ما سينعكس علينا.

وحضورنا السياسي القوي، على أسس واضحة، هو ضروري، لأن في السياسة لا يوجد فراغ، وكل فراغ سيكون من يملأه، وحذار من أن نسمح بأن يكون ملء الفراغ ممن يتربص بنا، كشعب، على كافة المستويات.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين