إنّ مسعى البعض منّا لحرف اتّجاه التّطوّر السّياسيّ، نحو المستقبل الذي يكون امتدادًا طبيعيًّا للماضي ومنسجمًا معه، على ساحتنا السّياسيّة العربيّة، هو غير منطقيّ، وخطير إلى حدّ بعيد؛ فكيف يمكن أن يتحوّل النّقاش حول تطوير التّحالف السّياسيّ القائم بين مركّبات القائمة المشتركة، من أجل استثمار أنجح وأنجع للوزن النّوعيّ لهذا التّحالف، في الفرص الممكنة، في الظّروف السّياسيّة المتبلورة، لتحقيق مكاسب بعيدة المدى لمجتمعنا، إلى نقاش حول تحصين مجتمعنا من دعاة الانخراط بالأحزاب الصّهيونيّة، وعلى أقلّ تقدير تأييدها، لكي نحصل على بعض الميزانيّات الزّهيدة التي تبتعد عن حقوقنا أكثر من ابتعاد النّقاش الأوّل عن الثّاني؟!
إنّ ما حسمته جماهيرنا العربيّة منذ عقود يعود ليتصدّر جدول الأعمال. فمنذ قيام الدّولة كان الفرز السّياسيّ بين تيّارين مركزيّين، الأوّل يقوده حزبنا الشّيوعيّ، وهو يمثّل النّضال من أجل الحقوق في جميع المجالات العامّة لبقائنا الكريم، من أجل تثبيت البقاء على أرض الوطن، ومن أجل تحقيق المساواة للأقليّة العربيّة في البلاد؛ وذلك دون انقطاع عن حلفائنا الدّيمقراطيّين من المجتمع اليهودي، بل بمشاركتهم، ولكنّها مشاركة نديّة، والتّيار الثّاني كان يدعو إلى الاندماج في الأحزاب الصّهيونيّة، وضمان تأييد واسع بيننا لها، من أجل أن نحصل على بعض من حقوقنا بواسطتها، وهذا الاندماج قائم على التّبعيّة.
وقد ثبت بالدّليل القاطع، وبالأرقام، وبالنّسب المئويّة، أنّ ما يدعو له تيّار الالتحاق بأحزاب السّلطة ما هو إلّا سراب، ما هو إلّا أوهام باعتها الأحزاب الصّهيونيّة لمن نجحت بتضليله، من بعض الفئات من جماهيرنا، ولم تكن قرانا في عهد رؤساء السّلطات المحليّة الذين أيّدوا أحزاب السّلطة، وفي عهد أعضاء الكنيست الذين التحقوا بهذه الأحزاب سوى قرى متخلّفة عن ركب التطوّر الذي كان يعمّ البلدات اليهوديّة، ولم تميّز السّلطة المركزيّة هذه البلدات للأفضل، عن دون بقيّة بلداتنا، بل بالعكس من ذلك، فقد ثبت أنّ رؤساء مناهضين للسّلطة استطاعوا، بإدارتهم السّليمة والتصاقهم بالكفاح العام لسائر السّلطات، أن يجنّدوا ميزانيّات أكثر من رؤساء كانوا أتباعًا لأحزاب السّلطة، ولنا في ناصرة توفيق زيّاد، وكفرياسيف نمر مرقس، وعيلبون حنا سويد، وكوكب أحمد الحاج، ويافة النّاصرة أسعد كنانة ... وغيرهم، أمثلة حيّة في ذلك.
هل تذكرون كيف استقال السّيّد عبد الوهاب دراوشة في ثمانينات القرن الماضي من حزب العمل، معلنًا فشل ادّعاء تحصيل الحقوق من داخل الأحزاب الصّهيونيّة؟! هل تذكرون استقالة السّيّد محمّد وتد من حزب "مبام" في تلك الفترة، مؤكّدًا بذلك أنّهم انجرّوا وراء الأوهام التي لم تحقّق المساواة؟! وقد كان حزب العمل و"مبام" في تلك الفترة قوّة تتمحور حولها السّلطة، وليس في هامش التأثير السّياسيّ، كما هو الحال اليوم.
وقد ثبت أيضًا أنّ وحدة الصّفّ الكفاحيّة لجماهيرنا العربيّة، بتحالفها من القوى الدّيمقراطيّة اليهوديّة هي التي استطاعت بكفاحها المنظّم تحقيق التقدّم على طريق المساواة، من خلال الميزانيّات التي تضاعفت أضعافًا مضعّفة، بعد كلّ معركة كفاحيّة جماعيّة منظّمة عنيدة. لقد ثبت بالدّليل القاطع أنّ وحدة الصّفّ الكفاحيّة هي الضّمانة لتحصيل الحقوق؛ ألا تذكرون خيم الاعتصام أمام مكتب رئيس الحكومة في القدس، على مدار أسابيع، في برد شتاء جبال القدس القارس، حيث كان توفيق زيّاد، القائد الشّعبيّ اللّامع، يلهب السّاحة البرلمانيّة بصوت المظلومين، والقائد الشّيوعيّ البلديّ الفذّ، نمر مرقس يهندس المعركة النّضاليّة، مع المجالس المحليّة والبلديّات، ومن خلال لجنة رؤساء السّلطات المحليّة العربيّة. إنّ هذه المعارك النّضاليّة في العقدين: الثّمانينات والتّسعينات هي التي أحدثت القفزة النّوعيّة في الميزانيّات المخصّصة للمجتمع العربيّ، وليس وساطات الملتحقين بالأحزاب الصّهيونيّة، على اختلافها، هذه الوساطات عديمة الوزن والتّأثير والنّتائج.
إنّ من وضع الأساس للكفاح المنظّم على مختلف الصّعد كان الحزب الشّيوعيّ، فبواسطة رفاقه الواعين الرّائدين أسّس لجان الطّلّاب العرب في الجامعات، وبنى اتّحاد الطّلّاب الثّانويّين، وخاض المعارك من أجل تمثيل العمّال في "الهستدروت"، ورفيقاته في "نعمت"، وشكّل كتلة المعلّمين الدّيمقراطيّين، و نشط لتمثيل القطاعات المختلفة، في كلّ نقابة عمّاليّة في مكان ومجال ممكنين، إضافة إلى التّأسيس إلى أعلى هيئة تمثيليّة عربيّة في البلاد، بالتّعاون مع الأحزاب والقوى الوطنيّة والسّياسيّة الفاعلة، وهي لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب.
إنّ كلّ التّطوّر الذي حصل لجماهيرنا العربيّة، منذ قيام الدّولة إلى يومنا هذا، من بقائنا في الوطن، إلى تثبيت بقائنا، إلى تطوير هذا البقاء ورفع جودته، وصياغة برامجه، من دراسة واقع التّمييز القوميّ، وتحديد الأهداف النّضالية، إلى بلورة أدوات النّضال المناسبة، لا يمكن عزله عن البنية التّحتيّة النّضالية التي بدأها حزبنا الشّيوعيّ، وتابعها بالتّالي مع باقي الأحزاب والهيئات الفاعلة والأفراد المتخصّصين من أصحاب الشّأن.
وتحضرني في هذا المقام زيارة الرّفيق القائد نمر مرقس، الذي صادفت ذكرى وفاته الثّامنة، قبل أسابيع قليلة، إلى جامعة حيفا، في النّصف الثّاني من الثّمانينات، وكنّا حينها طلّابًا نبحث عن مستقبلنا، وننشط في فعاليّات لجنة الطّلّاب الجامعيين التي كان يقودها في حينه، رفيقنا أمير مخول، وكان في طليعة الكفاح الطّلّابي رفيقتنا عايدة توما، ورفيقنا جعفر فرح وآخرون، فتوجّهت نحوه مستغربًا من الزّيارة، فقال لي: أرشدني إلى مكتب الأستاذ ماجد الحاج، وكان محاضرًا في الجامعة آنذاك. رافقته إلى مكتب الأستاذ ماجد في برج "أشكول"، وكان يتوسّط حلقة، في قاعة في القسم، ويتحدّث إلى ضيوف من خارج البلاد، وقد ملأوا القاعة، ووسط صمت الحاضرين وإصغائهم، وأثناء حديث الأستاذ ماجد، إذ رأى الرّفيق نمر الذي وقف بالباب بكلّ هدوء وتواضع، قطع الأستاذ ماجد حديثه، وقام من مكانه، وتوجّه نحو الباب، ورحّب بالرّفيق نمر، وقال له: أنت الوحيد الذي قمت باستقباله عند الباب، وطلب منه الدّخول. وأذكر أنّني انتظرته حتّى أنهى، وفي طريق عودتنا، سألت الرّفيق نمر عن سبب الزّيارة، فقال لي: نحن نحضّر لمؤتمر التّعليم العربيّ الأوّل في البلاد.
أسوق هذه الواقعة للتّدليل على الجزء اليسير من الجهد المنظّم، من عمل النّملة الذي لم يتوقّف صيفًا أو شتاءً، من قبل الرّفيق نمر مرقس، والعديد العديد من أمثاله في مختلف الميادين، حتّى تمّ تأسيس البنية التّحتيّة للنّضال الجماعيّ للجماهير العربيّة في البلاد؛ وكل ما نحن فيه الآن من هيئات، ومن مكاسب، ومن تطوّر هو بفضل المجهود المبذول، والتّضحيات الجسام في تلك الفترة، فالحاضر هو استمرار متطوّر للماضي.
لقد بدأت قبل نهاية العقد الأخير من القرن الماضي، أيّ في النّصف الثّاني من تسعيناته، مرحلة جديدة في تاريخ هذه الدّولة، بدأت إرهاصاتها تتبلور بعد الانقلاب الذي أحدثه حزب اللّيكود في الحكم، بزعامة مناحم بيغن، في نهاية السّبعينات، لكنّ التّغيير العميق حصل برأيي بعد ظهور نتنياهو كرئيس لهذا الحزب؛ لأنّ نتنياهو عمّق تبعيّة النّظام في الدّولة إلى الرّأسمال العالمي، ووفّر كلّ الشّروط الملائمة لتغلغل الرّأسمال الخاص، في كل مجال ممكن في اقتصاد الدّولة، وأمّن بيئة اقتصاديّة ملائمة لاستثمار رؤوس الأموال من الخارج، ووصلت سياسة الخصخصة ذروتها، فتقلّص في عهده القطاع العام إلى الحدّ الأدنى، وتوسّع القطاع الخاص إلى حدّه الأقصى.
وفي عهد نتنياهو أيضًا جرى تغلغل لنفوذ اليمين في مؤسّسات الحكم، وسن القوانين العنصريّة التي تحدّ من الدّيمقراطيّة، وحريّة التّعبير والمساوة، وتؤبّد حالة التّمييز القوميّ، بحجّة يهوديّة الدّولة، وشيطنة اليسار، وشرعنة الاحتلال، وإخراج الأقلية العربيّة إلى هامش التّأثير في دائرة الحكم، بحيث يعتبر التّعامل مع ممثّليها بمساواة خيانة قوميّة. وفي عهده أيضًا استفحل الفساد في المؤسّسات، واستبيحت الميزانيّات العامّة، وأصبح هو الأكثر فسادًا في تاريخ الحكم، مصدر إلهام لكلّ فاسد يستبيح الملك العام لمصالحه الشّخصيّة. أصبح نتنياهو مثلًا أعلى في الدّوس على كلّ القيم في سبيل الرّبح الشّخصيّ. نتنياهو تجسيد للرأسماليّة الخنزيريّة المتوحّشة. أضحى نتنياهو خطرًا على الفقراء وعلى الطّبقة الوسطى، وعلى السّلام والمساواة، والعدالة الاجتماعيّة، أمسى خطرًا على شعوب المنطقة وأمنها، وبات خطرًا على مستقبل النّاس ولقمة عيشهم.
لقد صمت نتنياهو عن سرقة السّلاح من مخازن الجيش وبيعه للمواطنين العرب. نتنياهو الذي يسرق خيرات شعوب المنطقة. يسرق مياه لبنان في مزارع شبعا، ويستولي على مياه الجولان السّوريّ وأرض الهضبة وأجوائها، ينهب الضّفّة الغربيّة شبرًا شبرًا، ونبعًا نبعًا، ويسحب التّراب من تحت أقدام أهل القدس وينهب تاريخ المدينة وجغرافيّتها وسيادتها وقدسيّتها ومعيشتهاـ، يترك العصابات تسرق الأسلحة من مخازن جيشه لتبيعها في السّوق السّوداء، كل قطعة منها بعشرات ألاف الشّواقل، وهناك مئات ألاف القطع، فهل يصدّق العقل أنّ هذه العمليّة تتمّ بدون علم أجهزة الدولة الأمنيّة، هذه الأجهزة التي ترصد كلّ قافلة سيارات في سوريا تدّعي أنّها قادمة من إيران، وترسل طائراتها الحربيّة لقصفها "حفاظً على أمن الدّولة" تترك العصابات تنهب سلاح الدّولة، وتبيعه، وتقتل فيه النّاس في الشّوارع، في عزّ الظّهر، تعجز عن رصد الجناة ومعاقبتهم؟!
كلّنا يعرف أنّ عدم تحرّك الجهات الأمنيّة لقطع سرقة السّلاح، والاتّجار به، وتوفير فرص القتل السّهل، ليس عجزًا، بل هو سياسة ممنهجة، وإن كان هناك مسؤول عن هذا التّسيّب الإجراميّ في المجتمع العربيّ فهو نتنياهو نفسه، فهو إضافة إلى ما سبق، من أنّه خطر على ما تبقّى من قيم للدّيمقراطيّة، والسّلام، والمساواة، وحقوق العمّال، والعدالة الاجتماعية ... هو الخطر الأكبر على الجماهير العربية، على بقائها، وحقوقها، وأمنها، وأمانها، ووحدتها، ومعيشتها، ومستقبلها ...
يقول الإمام عليّ بن أبي طالب: ما أكثر العِبَر، وما أقلَّ الاعتبار! وما يستفزّ النّفس إلى حدّ الغضب أن يظهر اليوم، من بين ظهرانينا، من يروّج لسياسة أثبت الواقع فشلها، سياسة التّأثير من الدّاخل، دون أن يعودوا إلى تجربة دراوشة الذي أسّس "الحزب الدّيمقراطي العربيّ" بعد عضويّة ثلاثين عامًا في حزب العمل، وبعد تجربة محمّد وتد الذي انضمّ للجبهة بعد استقالته من حزب "مبام" الذي قضى فيه عشرات السّنين، وتجربة غيرهما طبعًا، ولكنّي أسوقهما على سبيل المثال لا الحصر.
إذا كانت التّجربة فشلت في الأحزاب التي كانت تدّعي اليساريّة، وتدّعي الأمميّة، فهل ستنجح مع أحزاب اليمين العنصريّ، التي تتحالف مع أحزاب أكثر عنصريّة منها، وتصل إلى حدّ الفاشيّة؟! كيف تُعلّق الآمال على أكبر تهديد لما تبقّى من قيم إيجابية في الدّولة، على أكبر تهديد لوجودنا وحياتنا الآمنة، ومستقبل أولادنا؟! كيف يرجى خير من يميني يتحالف مع الفاشيّين، ويمثّل المستوطنين في الحكومة والكنيست؟! كيف يتجرّأ أحد من بيننا ويعلن ماذا فعلتم يا قائمة مشتركة، ويعلن استعداده لتأييد نتنياهو مقابل بعض المكاسب، وكلّنا يعلّم أنّ نتنياهو يدمّر مجتمعنا من الدّاخل على مدار سنين متواصلة، يجدر أن تقول الناس لهذا المتفوّه: إنّ هذه الأموال الموعودة هي "نقطة في بحر" بالنّسبة لما نستحقّه من ميزانيّات حرمنا نتياهو وأمثاله منها، هذا إن حصلت عليها! إنّ الباحثين عن المكاسب من وراء نتنياهو وحكومته التي يرتقبونها ينطبق عليهم المثل الصّيني: "كمن يبحث في غرفة مظلمة عن قطّة سوداء غير موجودة أصلًا".
كفرياسيف



.png)

.png)






.png)
