الانتفاضة قوّضت الأوهام الجميلة لدى اليسار الصهيوني| غادي ألغازي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر


1

أكتوبر 2000 كان الوقت الذي تهشم في  كل شيء. كان من الممكن في المجتمع اليهودي أن نرى كيف حل تاريخ انتهاء صلاحية جيل سياسي بأكمله في وقت واحد - هذا هو جيل أولئك الذين لم يعيشوا بشكل مريح مع الاحتلال وانتقدوه، لكنهم تعايشوا بأريحية مع العلوية اليهودية، وكانوا مقتنعين بشدة بتفوقهم الأخلاقي ونزاهة الصهيونية. كان هو ذاته اليسار الصهيوني في نسخة 1967-2000. في أكتوبر 2000، عاد معظم هذا الجيل إلى بيته الأول، الى الصهيونية ("شعرنا بخيبة أمل من الفلسطينيين"). لقد أعطى اتفاق "أوسلو" لليسار الصهيوني حزمة من الأوهام الجميلة، بأنه سيكون من الممكن تطوير نظام حكم كولونيالي أكثر حداثة ونظافة وذكاءً، مع قدر أقل من القتل والضرب والإذلال. وهم انه بالامكان تأجيل قضية اللاجئين إلى الأبد، حتى انه بالامكان عدم تفكيك المستوطنات. خلال الانتفاضة دمر الفلسطينيون هذا الأوهام. والناس بشكل عام لا يغفرون بسهولة لمن يسلبهم أهم أوهامهم. مع ازدياد عدد ضحايا أكتوبر، تم اعلان الموت الوشيك لليسار الصهيوني. أفهم من يفتقده الآن – من يريد منا أن يعيش مع الصهيونية الأكثر قسوة؟ لكن الحنين ليس خطة سياسية، والمشروع الكولنيالي الصهيوني في نسخته المحدثة له مدراء جدد. معهم يجب أن نتعامل ونواجه.

2

أنهى أكتوبر 200 أوهام التسعينيات على جانبي الخط الأخضر: الوهم بأن اتفاقيات أوسلو ستنهي الاحتلال وتؤسس دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة ("عملية السلام")، والوهم بأن النخبة الحاكمة في إسرائيل ستكون جاهزة للتغيير البنيوي، لتفكيك امتيازاتها والتخلي عن سلاح الاضطهاد العنيف والمنظم ضد المواطنين الفلسطينيين داخل الدولة. لكن منظومة الامتيازات لا تزال معنا، وحتى سلاح االاضطهاد يستخدم منذ ذلك الحين مرارًا وتكرارًا.
ويجب أن نعترف أن بعض الأوهام ("دعونا نعود إلى ايام التسعينيات الجيدة!") لم تختف أيضًا، وبعضها عاد من جديد. لذلك  يجب أن يقال بوضوح: اللحظة التاريخية الفريدة بين نهاية الانتفاضة الأولى والاتفاقات المرحلية، بين نهاية الحرب الباردة و "النظام العالمي الجديد" واعادة الترتيب في الشرق الأوسط الذي نشأ في أعقاب حرب العراق الأولى -حصلت وانتهت الآن. في تلك اللحظة، افترضت قطاعات من النخبة الإسرائيلية أن الاحتلال المباشر القذر يثقل كاهل مكانتها الدولية. في تلك اللحظة، اعتقدت بعض القطاعات الطموحة من البرجوازية الإسرائيلية أنه من أجل تبوؤ موقع في عالم ما بعد الحرب الباردة بشكل عام وفي الشرق الأوسط الجديد بشكل خاص، يتعين عليهم أن يدفعوا بالعملة الصعبة، حين كان اسم اللعبة الدارجة هو الديمقراطية والحرية. في تلك اللحظة، بدا أيضًا للاستراتيجيين الأمريكيين أن نوعًا من التسوية كان ضروريًا لبناء الهيمنة في المنطقة.

لكن اليوم ، مع عقد إسرائيل لتحالفات علنية مع أنظمة دكتاتورية في جميع أنحاء العالم العربي، ليست هناك حاجة لتلك التسويات والدفع بالعملة الصعبة. بالاضافة الى ذلك: في التسعينيات، بدا الاحتلال الإسرائيلي بالنسبة للكثيرين وقد عفا عليه الزمن، وينتمي إلى العصر السابق. لكن بمرور هذا الوقت، ثبت أن تقنيات الحرب والقمع ونهب الأراضي والمياه وتقنيات السيطرة والإشراف غير المباشرة التي طورتها إسرائيل المحتلة - كل هذه ليست بقايا قديمة من العالم السابق. بل ثبت أنها حديثة وذات صلة ويمكن أيضًا تصديرها للعالم. في العصر الاستعماري الحالي، الـ"مختبر" الكولنيالي الذي جُرب على الشعب الفلسطيني في أجزائه المختلفة أعيد اكتشافه كابتكار مذهل.


3

بالنسبة لأناس مثلي، ممن تربوا على النضال السياسي اليهود- العربي المشترك، كان أكتوبر 2000 كابوسًا من العجز. لا يتم تعريف الأجيال السياسية بواسطة تاريخ الميلاد، ولكن من خلال التجربة السياسية المشتركة التي تشكل هذا الجيل. بالنسبة لي هذا كان يوم الأرض. جيل كامل فصل بين مارس 1976 وأكتوبر 2000 - أكثر من الوقت بين مايو 1958 ومارس 1976. في أواخر سبتمبر وأوائل أكتوبر 2000 وجدنا أنفسنا نسمع عن الجرحى والقتلى ونتخبط في عجز سياسي - بعدم القدرة على تنظيم احتجاج والتظاهر ووقف القمع. أتذكر مكالمات هاتفية مع أصدقاء في الناصرة: "لن تصدق ما يحدث هنا".
لم يكن واضحًا  ما الذي كان مسموحا به وما الذي يمكن عمله بعد أكتوبر 2000. وكان القصد من موجة القمع أن تترك بصماتها في جيل بأسره. وهل يمكن التظاهر من بعده؟ هل سيحضر اليهود مظاهرة مشتركة؟ أتذكر مظاهرة في تل أبيب صغيرة مترددة. لكن كان من الواضح أن المكان المناسب لمظاهرة كبيرة هو حيفا. هناك وقفنا معًا ليلة السبت بالآلاف. أثناء المظاهرتين، نظرت حولي: فقط القليل من اليهود قد حضروا. أولئك الذين جاءوا، الذين لم يشعروا "بخيبة أمل" من الفلسطينيين، الذين فهموا أن هذه هي اللحظة المهمة، أتوا من عدة اتجاهات سياسية، لكن معظمهم كان لديهم سمة مشتركة: التجربة التكوينية للنضال المشترك - نشطاء نشأوا في حركة "كامبوس" في الجامعات، أدركوا انه يمكن التكلم بجدية على شراكة يهودية-عربية فقط عندما نكون مستعدين للدفاع عن بعضنا الآخر؛ خريجو الاحتجاجات الفلسطينية -الإسرائيلية المشتركة في الأراضي المحتلة، ابتداءً من الثمانينيات وحتى الانتفاضة.

كان هذا الفهم البسيط جزءًا من الأساس لاقامة حركة "تعايش"، من أجل هدف بسيط - النضال معًا. حاولنا القيام بذلك في الأراضي المحتلة بعد سنوات حوّلت فيها صناعة السلام في أوسلو الحديث عن "السلام" إلى شعار فارغ. وقد فعلنا ذلك داخل إسرائيل - ليس لتجديد صناعة "العيش المشترك" بل لتحديها من اليسار. اعتبر البعض منا "تعايش" كخطوة أخرى في ميراث العمل السياسي العربي اليهودي المشترك ضد النظام. بالنسبة لنا، لم تكن "تعايش" نوع من "العيش المشترك-דו קיום" بل هي الحياة معًا على قدم المساواة، وهي طريقة ملموسة لصياغة بديل للصهيونية. لكن أزمة أكتوبر أجبرتنا على إعادة التفكير في هذا الميراث، من منطلق احترام كبير للأجيال السابقة من النساء والرجال الذين صاغوه، ولكن أيضا للاعتراف بمشاكله. كيف تخوض نضالاً مشتركا في مجتمع استعماري؟ كيف نكافح معًا في ظل عدم المساواة البنيوية، حيث لا تختفي امتيازات اليهود، حتى عندما ينفصلون عن الصهيونية؟ صراع مشترك، فيه حتى عندما نستنشق الغاز المسيل للدموع معًا، يعود كلانا إلى منزل مختلف - أو منزل مدمر؟

في نشاطات حركة "تعايش" في الأراضي المحتلة، أخبرنا النشطاء الفلسطينيون أحيانًا، وبحق، أنه مع كل أهمية النشاط المشترك، فإن مهمتنا هي تغيير المجتمع الذي أتينا منه، المجتمع اليهودي. بكلمات جيل سكوت هارون: "الوطن هو مكان الكراهية". لكن بالنسبة لنا، كان النشاط في "تعايش" - على وجه التحديد من وجهة نطر النشطاء في المجتمع اليهودي - وسيلة لتغيير الوعي. الأشخاص الذين قد نشأوا في ظل الهيمنة الصهيونية دخلوا الى العمل في "تعايش" بحسن نية، لكن متشبعين بكل أنماط التفوق العنصرية التي لا مفر منها في المجتمع الاستعماري. كانت المشاركة في النشاطات المشتركة في جنوب الخليل أو في اللد، مدرسة سياسية. من دخل في نشاط "تعايش" عام 2000، بدأ يفكر في مظالم 1967، وانتقل من نشاط إلى نشاط حتى وصل الى عام 1948.
لم يكن لدينا حلول سحرية. أنا لا أعتقد أن النضال المشترك هو جواب لجميع المعضلات السياسية، واليوم أعيد التفكير في العديد من مركباته. لكن التحدي الأساسي لا يزال قائما، وأكتوبر 2000 يتطلب منا العودة إليه: كيف نناضل معًا وايَضا بشكل منفصل كل فرد في المكان الذي يعيش فيه، من أجل البقاء على قيد الحياة على أساس يومي ومن وجهة نظر استراتيجية ايضًا- مع نظام استعماري قوي ومنظم؟ كيف نفتح الطريق لكي نعيش، لنعيش حقًا - بدون امتيازات مع ومساواة وحرية، لجميع الناس، من البحر حتى النهر؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين