التقيت إميل حبيبي أوّل مرّة في الناصرة عام 1968؛ قدمتُ إليها زائرًا من القدس مع اثنين من الأصدقاء، وكنّا نعاني من وطأة هزيمة حزيران 1967 مثلما نعاني منها الآن.
والتقيته آخر مرّة وهو على فراش المرض في مستشفى "العائلة المقدّسة" في الناصرة في 30 نيسان 1996، وبعد يومين من ذلك التاريخ؛ في الثاني من أيّار لفظ أنفاسه الأخيرة إثر مرض عضال، ثم شاهدتُ محمود درويش وهو يؤبّنه بكلمات مؤثّرة في إحدى كنائس الناصرة؛ ليُدفن بعد ذلك في حيفا التي بقي جثمانه فيها وما زال.
بين التاريخين؛ تاريخ اللقاء وتاريخ الوداع كان إميل حبيبي "مالئ الدنيا وشاغل الناس"، وكنت التقيته في مناسبات سياسية وأخرى ثقافية مرّات عديدة في القدس ورام الله وموسكو وبراغ والقاهرة، وكان له في تلك السنوات حضور بارز في السياسة من خلال موقعه عضوًا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الإسرائيلي، وممثلًا للحزب في الكنيست الإسرائيلي ورئيسًا لتحرير صحيفة "الاتحاد"، وممثلًا للحزب في مجلة "قضايا السلم والاشتراكية" الصادرة في براغ، ورئيس التحرير؛ في ما بعد، لمجلة "مشارف" الثقافيّة، كما كانت له إنجازات باهرة في المقالة التي ثابر على توقيعها باسم "جهينة"، وفي الرواية التي جعلت "المتشائل" اسمًا دالًّا على إبداع إميل حبيبي؛ مثلما كان حنظلة اسمًا دالًّا على إبداع ناجي العلي.
حين أصدر إميل "سداسيّة الأيّام الستّة" وهي قصص ذات نسق روائي؛ لفتت مجموعته القصصية هذه، أو روايته ذات الأسلوب الجديد المطعّم بالسخرية العذبة أنظار النقّاد والقرّاء في فلسطين وفي البلدان العربية، وبدا واضحًا أن الثقافة العربيّة ستحتفي بكاتب له أسلوبه الخاصّ ولغته البكر التي تعزّز حضورها في روايته الشهيرة "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" وفي "خرّافيّة سرايا بنت الغول" حيث الاستفادة من بعض أساليب السرد في التراث العربي؛ وتضمين سرده الروائي بطرائف وأقوال مأثورة وأبيات منتقاة من الشعر واستطرادات لافتة لم تألفها الرواية العربيّة من قبل.
وللتدليل على المكانة الرفيعة التي تبوّأها الرفيق أبو سلام في ميدان الإبداع؛ فقد شاركت قبل ثماني سنوات، وعلى وجه التحديد بتاريخ 26 أيار 2013 في حفل تدشين ميدان إميل حبيبي في حيفا؛ وقلت يومها: نلتقي هذا المساء لنحتفي بالباقي في حيفا الذي يتعزّز بقاؤه فيها وفي ضمير شعبه هنا، وهناك في القدس ورام الله وبيت لحم وغزة، وفي بلدان الشتات. وتهفو إلى ذكراه وإلى سداسيّته ومتشائله والسرايا واخطيّه قلوب محبّيه في الوطن الكبير من الماء إلى الماء، وفي مدى العالم الفسيح.
قلت كذلك: نحتفي بإميل حبيبي هنا في حيفا ونحن على مسافة أيّام قليلة من حلول الذكرى السادسة والأربعين لهزيمة حزيران، تلك الهزيمة التي لم تزل تحيا فينا ونحيا فيها بوصفها النتاج المرّ للنكبة الفلسطينية التي عشنا ذكراها الخامسة والستين قبل أيّام معدودات، وهي التي انهار المجتمع الفلسطيني تحت وطأتها، وتعرّضت حيفا مثلما تعرّضت القدس ويافا وغيرهما من المدن الفلسطينيّة إلى انحسار تأثير الحداثة التي كانت تتراكم في فلسطين منذ بدايات القرن العشرين، وظلّت تترعرع وتنمو برغم إجراءات الانتداب البريطاني التعسفيّة، وتحيّزه لمخطّطات الحركة الصهيونيّة التي كانت تسعى إلى الاستيلاء على فلسطين، وتصفية الوجود الفلسطيني فيها بشتّى الوسائل والأشكال.
وقلت: حين وقعت النكبة المأساة ظلَّ إميل حبيبي مقيمًا في حيفا ولم يغادرها، وظلّت معه جريدة "الاتحاد" التي كان له مع آخرين من رفاقه دور مشهود فيها طوال سنوات، وكان لـ "الاتحاد" مع مجلّتيّ "الجديد" و "الغد" دور مشهود في الدفاع عن الوجود المشروع للبقيّة الباقية من الشعب الفلسطيني فوق أرض وطنها، وفي الدفاع كذلك عن الثقافة العربيّة في وجه محاولات الطمس والتذويب والأسرلة والعبث بالهويّة الوطنية لشعب مظلوم. وعلى صفحات هذه المطبوعات التقدميّة تألّق شعراء وقاصّون ونقّاد ورجال سياسة وفكر وصحافيّون، حملوا راية النضال الديمقراطي من أجل الحقّ في المساواة وضدّ التمييز القومي، وتحمّلوا العبء كاملًا جرّاء مواقفهم الشجاعة وما استكانوا لترهيب أو ترغيب، وبدا فعلهم الطليعي واضحًا ملموسًا على صفحات التاريخ القريب، فالشكر كلُّ الشكر لهم، ولهم المحبّة والتقدير.
ولم تكن الأيام والأشهر والسنوات التي مرّت منذ ذلك التاريخ (2013) هيّنة على شعبنا؛ سواء أكان ذلك في حيفا ويافا أم في القدس وفي كلّ قرية ومدينة ومخيّم في هذا الوطن، وبرغم ذلك فإن شعبنا لم يكلّ ولن يكلّ عن مواصلة النضال من أجل حقوقه الثابتة في وطنه؛ فلسطين.
اليوم؛ ونحن نحتفي بالذكرى الخامسة والعشرين لرحيل إميل حبيبي فإن المعاناة ما زالت هي المعاناة بل وأكثر فداحة من ذي قبل، ما يجعلنا نتذكّر بكلّ العرفان إميل الإنسان المنتمي بصدق لقضيّة شعبه؛ إميل الساخر الذكي اللمّاح، المثقّف الواسع المعرفة المحبّ للحياة، وفي هذا الصدد؛ أتذكّر أنّني شاركت معه في ندوة ثقافيّة نظّمها مركز الفن الشعبي في البيرة، وكان لنا حوار متشعّب مع جمهور الندوة حول قضايا الثقافة والسياسة؛ وكان لأبي سلام دور مرموق فيها وفي ذلك الحوار.
وأتذكّر أنّنا كنّا معًا في القاهرة عام 1990 لحضور الأسبوع الثقافي الفلسطيني الذي منح فيه القائد ياسر عرفات أوسمة لمستحقّيها من المبدعين الفلسطينيّين وفي الطليعة منهم إميل حبيبي. أتذكّر؛ وربّما يتذكّر من حضروا تلك المناسبة من المثقّفين الفلسطينيّين والعرب كيف سخر إميل من آلة القمع الإسرائيلية التي قد توجّه له إصبع الاتهام جرّاء لقائه مع ياسر عرفات، فقام وهو على المنصّة قريبًا من عرفات برفع إصبعيه السبّابة والوسطى؛ علامةَ النصر، ثم أخفض السبّابة وأبقى الوسطى مشرعة في وجه آلة القمع والعدوان.
كانت له سخرياته العديدة أينما حلّ وأينما ذهب؛ وظلّ مجلسه بالغ الحيوية مرغوبًا فيه من أصدقائه ورفاقه ومحبّيه، وهو بشهادة نقّاد كثيرين الساخر الأكبر في الأدب العربي الحديث، الذي ترك أثره الأكيد على عدد غير قليل من الكاتبات والكتّاب؛ ممّن عاصروه وممّن جاءوا بعده واطّلعوا على أدبه الرصين.
وحين أوصى أبو سلام بأن يُكتب على شاهدة قبره: "باقٍ في حيفا" فإنّه كان يعي الدلالة العميقة لجملته هذه التي لا تعبّر عنه وحده، وإنما كذلك عن شعبه الباقي في وطنه؛ المصمّم على مواصلة البقاء مهما كانت الصعوبات ومهما كانت التضحيات في سبيل ذلك.
ولقد كان من دواعي امتناني لحزب الشعب الفلسطيني أنّه انتدبني لكي ألقي كلمة الحزب في حفل تأبين أبي سلام الذي عقد في إحدى قاعات حيفا عام 1996، وقد جئت إلى الحفل الحاشد من القدس برفقة عدد من قادة الحزب وكوادره.
اليوم؛ ونحن نحتفي بالذكرى الخامسة والعشرين، فإنّ إميل حبيبي ظلّ باقيًا في حيفا، وسيظلّ باقيًا من خلال أدبه الفذّ ليس في حيفا وحسب؛ بل في القدس وأريحا وفي عكا ويافا، وفي نابلس والخليل، وفي غزّة وخانيونس وفي البلدان العربيّة والعالم.
للأديب الفلسطيني العربي الكبير الباقي إميل حبيبي بقاء الذكرى؛ وله المجد والخلود.



.png)

.png)






.png)
