البيروقراطية قاتلة الثورات (1)| د. خليل اندراوس

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

البيروقراطية الدواوينية (من الفرنسية – مكتب، ديوان. ومن اليونانية – قوة سلطة سيادة)، من الناحية الاجتماعية السياسية تعني البيروقراطية تحقيق السلطة من قبل افراد مميزين تختارهم الطبقة السائدة.

يستخدم هذا المفهوم في علم الاجتماع والعلوم السياسية ويشير الى تطبيق السلطة والقوانين في المجتمعات الطبقية بالقوة وفرض السيطرة من قبل الطبقة السائدة. وهذه الكلمة تعني بمجملها قوة المكتب او سلطة المكتب، كما ان البيروقراطية تعني طريقة لادارة الدولة بواسطة الموظفين او بواسطة جهاز للموظفين مفصول عن الشعب ويقف فوقه، وهذا يعتبر مفهوما مماثلا.

وكبار الموظفين هؤلاء يعملون بحرص ومثابرة على استمرار وبقاء نظام الحكم القائم لارتباطه بمصالحهم الشخصية، حتى يصبحوا جزء منه ويصبح النظام جزء منهم، ويرافق هذا النظام البيروقراطي قواعد من السلوك ونمط معين من التدابير تتصف في الغالب بالتقيد الحرفي بالقانون والتمسك الشكلي بظواهر التشريعات، جاعلة البيروقراطية لب النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في المجتمع الطبقي.

ولذلك تعتبر البيروقراطية نقيضا للثورية، حيث تنتهي معها روح المبادرة والابداع وتتلاشى فاعلية الاجتهاد المنتجة، ويسير كل شيء في عجلة البيروقراطية وفق قوالب جاهزة، تفتقر الى الحيوية.

ان البيروقراطية تنبثق مع انقسام المجتمع الى طبقات ومع ظهور الدولة حين تصور الطبقة الاستثمارية، الطبقة السائدة التي حصلت على السلطة السياسية مصالحها بصورة مصالح المجتمع بأسره. ان الانطواء والانغلاق الفئوي وقمع مبادرة المنفذين والتقيد بالشكليات وجعل الواجبات متماثلة، هي السمات المميزة للجهاز البيروقراطي الموظفي.

البيروقراطية هي الاداة او الوسيلة التي تعتمد عليها الطبقة الحاكمة في ممارسة سيادتها على الطبقات الاخرى. الوظيفة الاساسية للبيروقراطية في المجتمع الرأسمالي هي دعم وتأكيد الانقسام الطبقي، والبيروقراطية تلائم كل مجتمع طبقي. وقد كتب كارل ماركس، ان البيروقراطية "تجعل اهدافها "الشكلية" مضمونا لها... وفي كل مكان تدخل في نزاع مع الاهداف "الفعلية"... تتحول مهمات الدولة الى مهمات دواوينية، او تتحول المهمات الدواوينية الى مهمات للدولة" (ماركس، انجلز المؤلفات المجلد الاول ص 271).

وكانت اشكال البيروقراطية تتغير مع الانتقال من تشكيلة اجتماعية اقتصادية الى تشكيلة اخرى، ووجود البيروقراطية هو خيار استراتيجي للطبقة السائدة في المجتمع الطبقي – في التشكيلة الاجتماعية الطبقية وفي عصرنا المجتمع الرأسمالي بهدف ضمان ادارة المجتمع الطبقي وتطبيق سياسات معينة ومحددة تتوافق مع المصالح الاقتصادية والادارية والثقافية والاجتماعية والسياسية لطبقة رأس المال.

وليس سرا ان نقول بان معظم الاجهزة الحكومية في المجتمع الرأسمالي خاصة الاجهزة الخدماتية تعمل بنهج بيروقراطي وتفشى هذا النهج ليصل الى ثقافة ونمط حياة الافراد لتتوارث هذا السلوك في ادارة شؤون حياتهم، وبذلك يتأثر المجتمع بالصفات السلبية لهذا النهج.

لقد ولدت البيروقراطية مع نشوء الدولة الحديثة، وتوطدت اكثر منذ نهاية عصر النهضة في اوروبا حيث ظهرت تحولات سياسية واجتماعية وطبقية، ومع تحولات القرن التاسع عشر وخصوصا الثورة الصناعية، وهيمنة طبقة رأس المال، ولا غرابة في ان يكون كارل ماركس من اوائل من وجه النقد للبيروقراطية مبينا انها تعبير وتجسيد للدولة البرجوازية.

وعندما ينتقد ماركس البيروقراطية يرفض ولا يقبل بطرح هيغل، بان الدولة تمثل التعبير النهائي عن المصالح العامة. في حين يرى ماركس بان هناك انفصال بين اجهزة الدولة البيروقراطية والتي تخدم طبقة رأس المال وبين المجتمع وبان الدولة البرجوازية بعيدة كل البعد عن ان تكون التعبير النهائي عن المصالح العامة.

ويؤكد ماركس بان البيروقراطية يوصفها تنظيم تحطم كفاءة الفرد وتعوق قدرته على المبادأة والمبادرة والابداع والتخيل وتحمل المسؤولية، والبيروقراطية هي اداة لتدعيم مصالح طبقة رأس المال في المجتمع الرأسمالي. وكانت اشكال البيروقراطية تتغير مع الانتقال من تشكيلة اجتماعية اقتصادية الى تشكيلة اخرى، وفي عهد العبودية كانت توجد سلسلة مراتبية معقدة من الهيئات البيروقراطية والوظائف، وكانت الدول الاقطاعية تملك جهازا بيروقراطيا موظفيا كبيرا، وكانت البيروقراطية الكنسية تشغل مكانا خاصا في هذه الدول.

وتتطور البيروقراطية اقصى ما تتطور في المجتمع الرأسمالي حيث الى جانب الشبكة الواسعة من الهيئات الادارية والهيئات العسكرية البوليسية، تنبثق الاحزاب السياسية وحتى تلك التي تدعي بأنها يسارية وسائر المنظمات البرجوازية التابعة وغير التابعة لأجهزة الدولة والتي تملك جهازا اداريا متشعبا، يخدم طبقة رأس المال، الطبقة السائدة والمسيطرة في المجتمع الرأسمالي.

وفي ظل التشكيلات ما قبل الرأسمالية، كانت البيروقراطية تتجلى على الاغلب في ميدان السياسة، اما في ظل الرأسمالية فتتسرب كذلك الى تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية حتى تسيطر على نمط وحياة ومفاهيم الفرد، مما تجعله اكثر اغترابا في المجتمع الرأسمالي. ولهذا اكد لينين "ان البيروقراطية... سواء من حيث مصدرها المعاصر ام من حيث غايتها، هي مؤسسة برجوازية تماما وبوجه الحصر.." (المؤلفات الكاملة المجلد الاول ص 440).

وتشتد البيروقراطية على الاخص في عهد الامبريالية، عندما يمتزج جهاز الدولة مع الاحتكارات وتتحد بالتالي بيروقراطية الدولة مع علية الاحتكارات التي تركز في ايديها السلطة السياسية والاقتصادية.

البيروقراطية عند كارل ماركس هي اداة ووسيلة تعتمد عليها الطبقة السائدة، طبقة رأس المال في ممارسة سيادتها على الطبقات الاخرى. الوظيفة الاساسية للبيروقراطية في النظام الرأسمالي تتمثل في فرض اكبر قدر من النظام في المجتمع ذلك النظام هو الذي يدعم الانقسام الطبقي ويؤكده، كما انها تغلف سيطرة الطبقة الحاكمة في هذا المجتمع وسيطرتها فتبدو محققة للصالح العام، بينما تخفي ورائها الصراع الجدلي الموضوعي غير المحدود بين طبقة رأس المال وبين الطبقة العاملة وباقي شرائح المجتمع المستغَلة والمضطهَدة. لذلك نؤكد بان البيروقراطية ظاهرة تلائم كل مجتمع منقسم الى طبقات، لان النظام الاقتصادي – السياسي السائد في هذا المجتمع الطبقي يقتضي بصفة دائمة وجود جهاز يخدم الطبقة المسيطرة ويتولى مراقبة الانقسام والصراع بين الجماعات، والمحافظة على عدم التساوي بينها.

لذلك نستطيع ان نقول بان هناك علاقة وثيقة بين موقف ماركس من البيروقراطية وبين معالجته لفكرة الاغتراب، ومفهوم الاغتراب يشير الى كافة الظروف والعمليات والاوضاع واهمها السياسية والاقتصادية التي تجعل الانسان يبتعد عن بيئته الطبيعية والاجتماعية التي يُعد جزءا منها.

ومع ان الانسان مع التطور يستطيع السيطرة على البيئة الطبيعية من خلال تطور قوى الانتاج وتطور القوى التكنولوجية فان ذلك لا يقضي على غربته، لأن ملكية قوى الانتاج بيد طبقة رأس المال، وهذا يؤدي الى اغترابه اكثر فأكثر. والبيروقراطية تخفي هذه الحقيقة عن ذاتها وعن الآخر، لأن اعضاء هذه التنظيمات البيروقراطية يتغاضون عن كونهم يمارسون طابع تسلطي للنظام والعمل الذي يمارسونه، لكونهم يخدمون طبقة رأس المال – الطبقة المسيطرة في المجتمع الرأسمالي، بل يدعون وينشرون افكار بأنهم يخدمون المصلحة العامة للمجتمع، ولذلك نرى البيروقراطي يتبنى هذا الاعتقاد الكاذب ويمارس تقديس هذا النظام والامتثال له، هذا ولا شك مظهر آخر من مظاهر اغتراب الانسان في المجتمع الطبقي البرجوازي.

وتشتد البيروقراطية على الاخص في عهد الامبريالية، عندما يمتزج جهاز الدولة مع الاحتكارات، وتتحد بالتالي بيروقراطية الدولة مع الاحتكارات العابرة للقارات التي تركز في ايديها السلطة السياسية والاقتصادية، وفي ظل الامبريالية تغدو الانظمة الاوتوقراطية للادارة من الطراز العدواني الذي يمارس جميع الاساليب الاقتصادية والسياسية والعسكرية من اجل فرض الهيمنة على مستوى عالمي وهذا ما يمارسه نظام اليمين الامريكي والاسرائيلي عالميا خاصة الآن في فترة حكم ترامب ونتنياهو.

(يتبع)

 

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين