ترجم فعل رباعي مجرد – ترجم، يترجم، ترجمة: ترجم الكلام، نقلهُ أو حَوَّلهُ من لغة إلى أخرى. وتحمل الكلمة معنى آخر عندما نقول : ترجم للشخص وتعني كتب معلوماتٍ عن حياتهِ"(1)، ونحن سنتعامل مع المعنى الأول، ولذلك سنبدأ من تاريخ العرب ودورهم في الترجمة وما قدمته الترجمة لهم من تقدم سبقوا بعده أمم العالم فانتشرت دولتهم من المحيط إلى الخليج وإلى حدود الصين وأجزاء مهمة من أوروبا، تراث الأمم الحضاري التي سبقت العرب يتمثل في الفرس الهنود والروم واليونانيون، ففي القرنين السابع والثامن الميلاديين وما بعدهما تُرجم كثير من هذا التراث العلمي والعالمي إلى العربية بواسطة السريان ، عن طريق السريانية أول الأمر ثم عن طريق اليونانية مباشرة بعد ذلك. وبعد استقرار الإسلام في البلدان المفتوحة، أخذ العرب يتعلمون اللغات الأجنبية، فاستطاعوا، هم ومن اعتنق الإسلام أو دخل في حمايته أن ينقلوا الكثير إلى اللغة العربية، فقد بدأت الترجمة في العصر الأموي ونشطت في العصر العباسي، ومما يسر الترجمة أن العراق في العصر العباسي كان مليئا بالأطباء والفلاسفة ورجال العلم من الأمم المختلفة، وممن اشتهروا بالترجمة في ذلك العصر الذهبي للعرب "آل بختيشوع"، وهم أطباء الخلفاء العباسيين الأول، وآل حنين، وآل ماسويهِ وغيرهم، وترجموا عن اليونانية كتب الطب والفلك، وكتب الرياضيات والمنطق والفلسفة ثم مرحلة ترجمة الآداب والعلوم المختلفة، ونستطيع تسمية المئات بل الآلاف من المترجمين في هذه العصور(2)، والترجمات عن الفارسية والهندية وأخذت هذه الترجمات خطة مدروسة حول احتياجات الدولة العربية الكبرى، فترجموا أيضا مواد عسكرية في مختلف المجالات البحرية والبرية وأنواع الأسلحة مما أعطى الدولة قوة على قوة.
إذن للترجمة دور هام في مراحل النهضة والتطور وتبادل الثقافات المختلفة وتوسيع دائرة معارف الشعوب والأمم وتعريفها ببعضها البعض ومن هنا يكون الطموح إلى تطوير العلوم بين الشعوب وإلى تطوير المفاهيم المشتركة.
ولكن بعد اندحار الدولة العربية القوية وسواد النزاعات العرقية والفئوية والظلم وبعد أن أصبح الخليفة " في قفص بين وصيف وبغا يقول ما قالا له كما تقول الببغا" وبعد أن ترجم الغرب مازاده العرب على العلوم السابقة واستفادوا من ترجماته علميا وفلسفيا بدأ الغرب يهبش أراضي العرب وأفريقيا وآسيا ويستعمرها ويترجم كتبه ليس بهدف العلم بل بهدف غسل الأدمغة في البلاد المحتلة ونشر ثقافته كوسيلة لتدعيم استعماره الاقتصادي والثقافي وحماية استغلاله للشعوب المغلوبة. فتغري في نفوس أبناء هذه الشعوب أحاسيس الخضوع للقادم المستعمر وتحملها على الايمان بأن الشمس لا تشرق إلاّ من الغرب الاستعماري.
وهنا كان على العرب بعد غروب الاستعمار واستقلال الدول العربية ، أن تقوم بحملة ثقافية مناهضة لهذا الموضوع وكذلك ترجمة المواد التي تثري أبناء هذه الدول علميا وكذلك بالتفتيش عن الكتاب الأحرار الذين لم يبيعوا ضمائرهم للدولار وكتبوا في سبيل السلام والعدالة والحقيقة عن الحضارة العربية، وهذا الأمر ليس سهلا بل بحاجة إلى مؤسسة ترجمة على مستوى الوطن العربي، وقد كتب الكاتب سليمان موسى في العدد الرابع عشر من مجلة العربي الكويتية ، ينتقد فيها فوضى الترجمة في البلاد العربية، والسرعة الجنونية التي تزعزع الثقة بكفاءة المترجمين، ووجود مؤلفات قيمة عن البلاد العربية ولا تجد من يترجمها ... وتوقف أيضا في مقاله عن إخفاقات الترجمة ونقلها بمهنية بغياب مأسسة هذا الموضوع على مستوى كل دولة وعلى مستوى الوطن العربي خاصة، ولذلك أزعم أن معظم ما يترجم يعتمد على ذائقة بعض الأفراد ودور النشر التي تجري وراء الربح والنشاطات الفردية، ولذلك عدم وجود خطة منهجية للترجمة على كافة المستويات يمنع العرب من الاستفادة الجدية من هذه الترجمات بل أحيانا كثيرة تصب الترجمات في خدمة هذه الدولة الامبريالية أو تلك.
وعندنا أيضا بحاجة لترشيد الترجمة وإقامة إطار لتعاونهم.
هذه الأقلية القومية البطلة التي ترفض حكومات إسرائيل الاعتراف بها كأقلية قومية، أنجبت الشعراء والمترجمين والقادة السياسيين والأدباء والأطباء من خيرة أصحاب هذه المهن عربيا ومحليا، وأقامت الهيئات السياسية مثل لجنة المتابعة القطرية للجماهير العربية ،والقائمة المشتركة ،ولجنة التعليم العربي في النّاصرة، وعدالة، ولجنة الدفاع عن الأرض في حينه ، والاتحاد العام للأدباء الفلسطينيين الكرمل48 ،وسبقت كثيرا بعض أوساط الشعب الفلسطيني نفسه وكذلك الدول العربية ونحن نعتز بذلك ونريد المحافظة عليه، بل يجب دائما البحث في وسائل القوة وتجنب نقاط الضعف.
كذلك نعتز بوجود مترجمين على مستوى لائق ولكنه دائما بحاجة لشحذ، ولا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن جريدة الاتحاد التي أسِّست في سنة 1944م ومازالت باقية في حيفا لها دور أساسي في الترجمة الهادفة من اللغتين العبرية والانجليزية بالأساس ولكن من لغات أخرى أيضا، يقول الباحث د. سيف الدين أبو صالح (سخنين)، " إذا تتبعنا أعداد الاتحاد منذ بداية صدورها، نلاحظ أنَّ عالمية الجريدة بدأت تتحقق عن طريق أعمال الترجمة التي حرص المسؤولون فيها على نقلها لقرائها. واعتبرت الترجمة بالنسبة للجريدة من المشاريع الأكثر مركزية، ولا تقل أهمية عن نشر أي عمل أدبي محلي، وبالتالي زخرت الاتحاد في غالبية أعدادها في السنوات الأولى بأعمال ترجمة لشعراء وأدباء عالميين متعددي القوميّات واللغات، يغلب على جميعهم التوجه الاشتراكي، وفي حالات معينة كان المترجم يتبع العمل المترجم بلمحة عن العمل والمترجم عنه(صاحب العمل).إذن نشر الأعمال المترجمة من على صفحات الاتحاد أدى إلى تلاقٍ أدبي وثقافي وحضاري بين مختلف شعوب العالم، وهذا الأمر أعطى الشعراء والأدباء المترجم لهم منبرا آخر لنشر أعمالهم واتساع رقعة قراءة أعمالهم ، مما دفع الجريدة إلى العالمية من جهة ، وإخراج الشعراء والأدباء العرب من التقنيات اللغوية والشكلية المحلية، التي كانوا محصورين فيها من جهة أخرى. الأمر الذي قوّى وعَزز من الوحدة الحضارية الإنسانية. وساعد بشكل مباشر في توسيع مدارك وآفاق الفكر العربي دون المحلية. لذا هدفت الاتحاد من هذا المنطلق، التفاعل مع الأعمال الأدبية العالمية ذات الفكر المشترك والتي تخدم القضية والظروف الراهنة جمعاء. (3)
ومن بين من ترجموا من العبرية للعربية الشاعر راشد حسين ترجم من قصائد" حاييم نحمانبيالك"، وسميح القاسم ومحمود درويش وسالم جبران وغيرهم، نشروا ترجمات لمواد من اللغة العبرية إلى العربية في الاتحاد والجديد والغد، ونشر البروفسور مصطفى كبها ترجمات من العبرية للعربية وكذلك الأستاذ جميل غنايم ود. يوسف بشارة، ود. نبيل طنوس/ د. منير توما، الطيب محمد حمزة غنايم، فتحي فوراني، د. محمود عبّاسي، ونواف عثامنه وكاتب هذه السطور الذي يترجم من العبرية للعربية لدعم الترجمات في الإصلاح التي تسير على نهج سابقاتها في هذا المجال، بهدف التثقيف والتعريف بأدب الآخر الجار والبعيد وهمومه وثقافته وننقل ترجمات من الآداب الأجنبية ومن لغاتها الأصلية خاصة عندما يكون لدينا بلورة للقوى التي تعمل واللغات التي تتقنها أيضا/ وأعتذر مسبقا لكل مترجم لم يرد اسمه لأن هذه الأسماء وردت في ذهني عفو الخاطر وأنا أعد هذه العروة.
وهنا أتوقف لأشير إلى ضرورة تكوين جمعية أو إطار للمترجمين العرب في البلاد بحيث يحددوا أهدافهم وما يرغبون أن يصلوا إليه، وماهي الترجمات التي تخدم المجتمع العربي في البلاد في الأساس، ومن أي اللغات، والأهم من ذلك عقد اجتماعات دورية لنقل الخبرات، والاثراء المتبادل بينهم ومن غيرهم، ومن الممكن التعاقد بشكل منظم مع دور نشر لنشر ما يوافق عليه من خلال المجموعةعندما يكون المترجمون موحدين في إطار ولهم أهداف وبرامج محددة لا يمكن استغلالهم، ويخدمون شعبهم وقضاياهم.
ففي العالم وفي بلادنا تقوم اتحادات وجمعيات مترجمين وأطر للترجمة، وقد دعيت في سابق الأيام "لقريات طبعون" لتقديم محاضرة لمجموعة مترجمين يلتقون شهريا حول موضوع في الترجمة، وكان موضوعي الترجمة من العبرية للعربية آفاق وإشكاليات، وأذكر أن نقاشا موضوعيا دار بين الحضور.
والسؤال لماذا لا نفعلها نحن كما فعلها غيرنا / فنكون سابقين لا لاحقين ولا ماحقين لأسلافنا
ومعا نستطيع كما استطعنا في غيرها.
إشارات:
- د. فهد أبو خضرة وآخرين (طبعة أولى 2012م)، قاموس المجمع، إصدار مجمع القاسمي للغة العربية، ص270. باقة الغربية.
- للتفاصيل راجع باب الترجمة في الموسوعة العربية الميسرة المجلد الثاني (ب- ز)، س691-692، الطبعة الثانية 2005-2006، القاهرة، جمهورية مصر العربية.
- د. سيف الدين أبو صالح(2020م)، الحركة الأدبية في إسرائيل، ظهورها وتطورها من خلال الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد (1948- 2000م)، ص55، إصدار مجمع اللغة العربية، حيفا.
.png)


.png)

.png)






.png)

