شكلّت جائحة الكورونا تحديًا حقيقيًا لكل أجهزة ومؤسسات الدولة بمختلف وظائفها ومهامها، وقد برزت إثر هذا التحدي تلك الفجوات القائمة بين المؤسسات وبين الدول في الجهوزية والقدرة على التعامل مع الأزمات بشكل عام والأزمات الصحية بشكل خاص، وتصدّر قائمة آثار الجائحة الأثر الصحي بالطبع والذي ترافق معه بشكل مباشر الأثر الاقتصادي الظاهر عبر البطالة وانحسار فرص التشغيل في ظل الاغلاقات والقيود، والى جانب ذلك كله فقد واجهت بقية الأجهزة الرسمية ضربة حادة متعددة الآثار وخصوصًا تلك الأجهزة الخدماتية والمهنية التي يتعلّق عملها باللقاء المباشر مع الناس والمواطنين، وفي هذا التقرير سنتطرق الى جهاز التربية والتعليم في إسرائيل والى أهم أزماته الداخلية التي نتجت عن الجائحة وما رافقها وخصوصًا شلل التعليم الوجاهي واستبداله بالتعليم عن بعد.
لن نتطرق في هذا التقرير الى الفشل الواضح في الجهوزية الرسمية لوزارة التعليم أمام الجائحة التي استوجبت حلولا سريعة كانت بحاجة الى أرضية وشبكة جاهزة من قبل لتسهيل تطبيقها، والمقصود بالأرضية الجاهزة لتطبيق التعليم عن بعد مثلاً هي الشبكة الجاهزة التي تتحمل مسؤولية تأمين الأدوات والمهارات اللازمة والمنهجية المهنية القادرة على تفعيل هذا النوع من التعليم بشكل لا يؤدي الى صناعة فجوات واضحة بين شرائح الطلاب أو المعلمين أيضًا، ولكننا سنتطرق في هذا التقرير الى الفجوات التي تكونّت فعلاً بعد مرور أكثر من عام على الجائحة وعلى تفعيل منظومة التعليم عن بعد في المدارس وفي مؤسسات التربية اللامنهجية.
يمكننا الإشارة الى عدة مستويات خاصة بجهاز التربية والتعليم، بالتلميذ والمعلم والصف التدريسي، والتي تضررت بشكل ملحوظ إثر الجائحة وتبعياتها، ومن بين هذه المستويات: المستوى المعرفي المرتبط بالمواد التعليمية الأساسية، المستوى البدني المرتبط بالنشاط الرياضي والحركي، المستوى العاطفي-الاجتماعي المرتبط بالعلاقة الإنسانية مع الأفراد والمجموعة، المستوى التفاعلي المرتبط بالمشاركة الفعلية في عملية التعليم. ونتيجة للأزمة الحاصلة ضمن هذه المستويات فقد نتجت هناك فجوات حقيقية بين شرائح الطلبة نسبة لأعمارهم ولخلفيتهم الاقتصادية-الاجتماعية.
وأشارت بيانات وزارة التعليم المستندة على تقارير 70% من مديري المدارس الابتدائية والاعدادية الى انخفاض بنحو 30% في مستوى معرفة اللغة والقراءة لدى طلاب الصفين الأول والثالث مقارنة بالسنوات السابقة، وانخفاض بنحو 25% في مهارات الرياضيات واللغة بين طلاب الصف الرابع، وقدمت الوزارة بياناتها على خلفية نية الحكومة إعادة الدراسات والتعليم بصيغة كاملة كالمعتاد.
ووفقًا لتقارير من المدارس الإعدادية، تكونت هناك فجوة بحوالي 30% في المواد الأساسية بين طلاب الصفين السابع والعاشر في اللغة والرياضيات والإنجليزية والعلوم مقارنة بوتيرة التقدم ومستوى المعرفة في الماضي ما قبل الجائحة، وبحسب مسؤول كبير في الوزارة، فإن هذه البيانات وما شابهها تشير إلى حاجة ملحة للعودة الكاملة إلى المدرسة في جميع الفئات العمرية.
وبحسب تصريحات المسؤول في الوزارة فقد حدث في الشهر الماضي انخفاض بنسبة 90% في عدد الطلاب المرضى بالكورونا، وأشار الى أنّ انخفاض معدلات الإصابة بالكورونا، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة المدرسين الذين تلقوا التطعيم، يؤدي إلى "معدلات أمان عالية، مما يجعل من الممكن فتح نظام التعليم بشكل كامل".
وقال: "هؤلاء الطلاب لم يروا المدرسة عن كثب منذ أسابيع طويلة"، مشيرًا إلى أنه حتى بعد العودة الجزئية إلى المدرسة، فإن العديد منهم يدرسون فقط ليومين في الأسبوع بالمقارنة مع تلاميذ الصف الأول من المدرسة الابتدائية وصفوف الحادي عشر والثاني عشر، فإنهم في "الطبقة الوسطى أو الإعدادية بشكل نسبي" هم الأقل تعلّمًا.
وتبرز وفقا للوزارة تلك الفجوات التعليمية بين طبقات من خلفيات اجتماعية واقتصادية منخفضة، وهذا يعني زيادة اتساع الفجوات الكبيرة التي كانت قائمة وموجودة من قبل، كما تناولت في تقاريرها تراجع النشاط البدني بين جميع الطلاب مما يشكل أزمة صحية إضافية لهؤلاء الأطفال والشبيبة التي تشكل الرياضة والنشاطات البدنية عاملاً أساسيًا ومساهمًا في تطورهم المعرفي والقيمي.
وبحسب وزارة التعليم، هناك أهمية للعودة الكاملة للتعليم الوجاهي أيضًا بسبب الضيق المنتشر في الجانب العاطفي والاجتماعي، فقد أظهر استطلاع أجري في شهر كانون الثاني مع حوالي 55% من المستشارين التربويين أن كل طالب ثالث يبلغ عن اضطراب عاطفي، وأن هناك زيادة بنسبة 25% في تقييمات مخاطر الانتحار في الخدمات النفسية التربوية، وقال حوالي 60% من المستشارين إن طلابهم أبلغوا عن مشاعر الوحدة، وعلّق الكثيرون على زيادة كبيرة في السلوكيات المحفوفة بالمخاطر والإدمان والعنف. وبحسب معطيات وزارة التعليم، التي كشفت عنها صحيفة "هآرتس" قبل بضعة أشهر، فإن حوالي ثلث الطلاب لا يشاركون في التعلم عن بعد بشكل منتظم.
الى جانب هذا التقرير، يجب الإشارة الى مؤسسات التربية اللامنهجية القائمة عبر المراكز الثقافية وحركات الشبيبة ومجالس الطلاب وغيرها من الأجسام والنشاطات التي تم تهميشها خلال جائحة الكورونا في ظل الاستثمار بمنظومة التعليم عن بعد والأزمة المالية الحكومية، اذ واجه هذا المستوى والمجال التربوي ضربة كبيرة ألحقت به مأزقًا في العمل والتفاعل، وخصوصًا لكونه مجالاً تربويًا يستوجب اللقاء البشري أكثر من مستوى التربية المنهجية القائمة في المدارس، وقد واجهت حركات الشبيبة والطلبة صعوبة كبيرة في ملائمة نشاطها مع ظروف الجائحة اذ لا يمكن تفعيل هذا النوع من التربية عن بعد اذ تتمحور قيمته في العلاقات الاجتماعية المباشرة والنشاط الذهني والبدني المباشر مثل التربية الرياضية التي واجهت أزمة مشابهة توقفت إثرها أعداد كبيرة من الفرق الرياضية الاحترافية أو فرق الناشئين عن النشاط واللعب والتطور.



.png)

.png)






.png)
