"الطغيان يعيد انتاج نفسه في الليل"(1)
سيطر نابليون بونابرت بالخداع على اسبانيا في طريقه للسيطرة على العالم. لقد انقلب على ملك اسبانيا الشرعي تشارلز الرابع بعد ان عقد معه تحالفا سهل لجيوشه الدخول الى اسبانيا بادعاء انه يريد احتلال البرتغال. سيطرت الجيوش الفرنسية على اسبانيا عام 1807 وخلع نابليون تشارلز الرابع ملكها وعين أخاه جوزيف بونابرت ملكا على اسبانيا. انتفض الشعب الاسباني على الاحتلال الفرنسي وفي الثاني والثالث من أيار 1808 قام الجيش الفرنسي بذبح المنتفضين في مدريد. رسم غويا هذه اللوحة بعنوان الثالث من أيار ولوحة إضافية بعنوان الثاني من أيار في مدريد، عام 1814-1815 تخليدا للانتفاضة واحتجاجا على المجزرة.
تصطف كتيبة الإعدام التابعة للمحتل الفرنسي. البنادق متأهبة للانقضاض على المنتفضين الاسبان. هم ينتظرون مصيرهم المحتوم. تتحد جمهرة المنتفضين. ظلالهم ملقاة على التلة خلفهم. التلة هي بديل حائط الإعدام. تطل من البعيد بناية محددة. إنها موقع معروف لدى سكان المدينة المنكوبة. تتراكم الجثث والدماء عند اقدام المنتفضين. ينحني راهب مستسلما لمصيره القريب. يغطي معظم المعدمين عيونهم. يلقون ببشاعة المشهد في وجه القتلة. الوقت وقت المغيب. الشمس ترسل من خلف الجنود بقية ضوئها. ينير ضوء الشمس مجموعة المنتفضين الاسبان. يجتمع الضوء في الاسباني الذي يشكل الشخصية المركزية. بقميص أبيض يرفع يداه الى الأعلى. إنه على الصليب.
تصبح التداعيات أكثر وضوحا. نحن هنا امام مشهد أيقوني، يعيدنا الى المشاهد المألوفة في الفنون للموضوعة المحببة؛ " المسيح على الصليب". بسبب هذا بالذات تعتبر هذه اللوحة بداية الحداثة في فن الرسم. ليس الشهيد هنا هو أبن الله الصائر انسانا، بل الانسان نفسه. وقت المغيب والضوء المنبعث من والمتجمع بالرجل الرافع يديه في وضعية الصلب والاشارة الواضحة في كفه اليمنى وكأنها موضع المسمار الذي دق بيد المسيح، جميعها تشير الى جلالة الواقعة، الى قدسيتها.
اننا على مستوى المضمون أمام نقلة جوهرية؛ ينتقل موضوع الفن الى تصوير معاناة الانسان بوصفه بشريا مجردا وعاديا، فردا صغيرا؛ يُقدم على صورة اللا-بطل. لم تعد المعاناة أو تخليدها وَقْفا على الإلهي أو مقصورة على المقدس. فبقدوم الحداثة تحتل الذات الإنسانية مركز الكون وصدارة المشهد. إن ما يجعل هذه المعاناة إنسانية حقا هو الموت الحاضر جثثا ملقاة على الأرض. التراب للتراب. يرتسم الرعب على الوجوه ذوات المحيا الاسباني المعروف. تغيب السماء وتغيب وجوه الجنود الذين تتخذ أجسادهم وضع التأهب لإطلاق النار فيصيرون بأقدامهم الثابتة على الأرض مخلوقا هجينا متعدد الارجل. هم امتداد ميكانيكي للبنادق المشرعة. يصير الانسان أداة؛ أداة قتل.
تلعب ثنائية الغياب\ الحضور دورا بارزا هنا. مع غياب وجوه الجنود تغيب التعابير والعواطف وتغيب تفاصيلهم الشخصية ليتحدوا في جمهرة موحدة تتخذ طابعا لا شخصيا؛ طابعا ميكانيكيا. في المقابل تحضر شخوص الضحايا، بريئة بتفاصيل متميزة، لكل شخص تعابيره، عواطفه وخوفه. كل شخص امام موته الخاص، الفردي.
هذه وثيقة فوتوغرافية قبل أن يولد التصوير الفوتوغرافي. سيعتبرها البعض إدانة للحرب وتوثيقا لويلاتها. لكن وفي كل الأحوال ومن خلال الرعب المرتسم على وجه الرجل الذي يلقي بيديه الى الأعلى وكأنه يلقي بحياته في وجه أعدائه، ومن خلال اليأس الذي يتملك جمهرة المواطنين ومن خلال الموت المتراكم جثثا ملقاة في الضوء لكي تُرى؛ تحضر فيها الإنسانية في أوضح اشكال "الحضور" الفني (2).
سيتناول اسباني آخر هو بابلو بيكاسو هذه الموضوعة ويأخذها الى ابعادها القصوى في لوحته المجزرة في كوريا 1951. رسم بابلو بيكاسو هذه اللوحة في ادانة صريحة للتدخل الأمريكي في كوريا الى جانب القوات المعادية للشيوعية. لكن هذه اللوحة ستحتل موقعا فنيا متميزا بوصفها بيانا فنيا عاما ضد الحرب. ففيما عدى العنوان لا نستطيع من خلال اللوحة التعرف على الوقائع التاريخية أو الجغرافية للمجزرة. وجوه النسوة لا تدل بالضرورة على كونهن كوريات، ولا لباس موحد للجنود نستدل به على انتمائهم.
المجزرة في كوريا، 1951، بابلو بيكاسو

هنا، المهمة التي تلقيها المعاناة على عاتق الفنان هي التعبير بالرسم عما لا يمكن التعبير عنه بأي شكل آخر. هنا وحيث تتوقف اللغة والصرخة والدمعة عن التعبير، تنادي المعاناة الفن لتجاوز العدم.
تنقسم اللوحة الى قسمين متناقضين منفصلين تماما لا يجمعهما سوى الخراب والرعب تلقيه آلة الحرب في الجهة اليمنى للوحة على جمهرة النسوة في الجهة المقابلة. تجتمع النسوة وأطفالهن عراة، جمعيهم في العراء. تلة ما خلفهم. من بعيد نشاهد آثار دمار وبقية نار، بقية جدول ما لنهر ما بمياهه الضحلة. في منتصف اللوحة يجري طفل عاريا نحو أخته. تتخذ الفتاة العذراء وضعية Venus Pudica(3) تمسك بيد أمها التي لم تنفصل عنها بعد، يدها الأخرى تخبئ صدرها الغض الذي لم يعتاد أن يُشاهد. تغيب التعابير عن وجهها تماما. تبدو وهي في حالة شلل تخشبي (4) تمثالا صُب من الشمع في انفصام تام عما هو خارجها. انا لست هنا، تقول منسحبة الى عالم آخر، أكثر أمنا. عند قدميها لجهة اليسار طفل يلعب بالحصى، لم تستطع الحرب انتزاعه من الطفولة. أُم الفتاة في حالة استسلام تام، يداها ملقيتان جنبها، بعكس الرجل ذو القميص الأبيض في لوحة غويا. هنا يصل التسليم حدوده القصوى. هي منزل الحزن المقيم. انها في سن لا يُمكِّنها من الانكار؛ فإن موتها واحياءها حتمي. انتصارها المعنوي على اعداءها بأن تذهب الى موتها دون مقاومة. تجتمع امرأتان وطفل رضيع في كتلة من الحزن والعذاب، تختلط تعابير وجهيهما معا، تحاول الأم حماية طفلها الخائف من خوفها متشبثا بها، هي تضمه اليها بكلتا يديها لئلا يطير من بين ذراعيها في موعد مع السماء. امرأة حامل ستثكِل من لم يولد بعد. طفلها الآخر يخبئ وجهه في جسدها، يريد أن يعود الى حيث كان مرة آمنا. صراخها الصامت يشوه تعابير وجهها، لقد فقدت الأمل تماما بالخلاص. أربع نسوة وأربعة أطفال يواجهون الموت في العراء.
في المقابل وعلى الطرف الآخر من اللوحة آلة الموت متوثبة. هنالك هوة تفصل بين المجموعتين، لكنها هوة لا تستطيع درء الموت. لكنها تشير الى انقسام عامودي بين كلا الطرفين؛ النساء رمزا للحياة والأطفال لتجددها وانبعاثها الدائم وثلة الجنود العراة ومسلوبي الاعضاء التناسلية رمزا للموت والعدم.
الرجل الأقرب الى المشاهد يرسل قدمه اليسرى متقدما بها الى الامام إشارة الى الغزو. الغزاة اشبه بالفضائيين خوذ معدنية تخفي الوجوه وأقدام همجية. وحده الرجل الواقف في الخلف يحمل دون الآخرين بيد سيفا وبيد أخرى عصاة. إنه بدون خوذة. إنه الآثم الأكبر، فهو من استدعى الغزاة.
يحافظ العمل الفني هنا رغم طابعه التجريدي على واقعيته التعبيرية. وتتحد فيه العناصر الشكلية بالمضمون. انقسام اللوحة الى مربعين منفردين مظللان بظلال مختلفة فيما بينهما، الفراغ القائم بينهما، الخطوط الحادة لأجساد الجنود مقابل التواءات أجساد الضحايا هي بعض هذه العناصر الشكلية التي لا يمكن لنا فصلها عن مضمون اللوحة. ليس هذا فحسب بل أن هذه العناصر الشكلية رغم أنها مضامين قائمة بحد ذاتها الا انها ما يمنح العمل الفني وحدته وانسجامه.
رغم تشابه وتقاطع العملين الفنيين من حيث المضمون والشكل الا ان كلا منهما ينهض بوصفه روعة فنية استثنائية قائمة بحد ذاتها.
(الكرمل)
//مراجع وإشارات
1) The Spectacle of Skill: Selected Writings of Robert Hughes, New York 2015, p 358
2) مصدر سابق، ص 359
3) Venus Pudica، يشير المصطلح الى وضعية تصويرية كلاسيكية في الفن الغربي. تغطي الأنثى العارية بيدٍ واحدة صدرها ويد أخرى عانتها. تنجذب العين تلقائيا إلى البقعة ذاتها التي يراد اخفائها. Esaak, Shelley. "Venus Pudica." ThoughtCo, Aug. 26, 2020, thoughtco.com/venus-pudica-182475.
4) Catatonia - متلازمة نفسية عصبية تنسب للفصام غالبا لكنها قد تصاحب امراضا جسدية ونفسية أخرى، في احدى حالاتها تتوقف القدرة على الحركة الارادية ويتجمد المصاب في حالة شلل كامل منسحبا نحو الداخل تماما.
صورة المقال: الثالث من أيار في مدريد 1808، فرنسيسكو دي غويا 1814-1815، متحف إل-برادو مدريد.



.png)

.png)






.png)
