الحزم، وبروحٍ خفيفة| هشام نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

كلمة العائلة

في رحيلك أيضًا، أو في موتك، فنحن مثلك نسمّي الأشياء والأحداث بمسمّياتها الواقعية والمادية، في موتك أيضًا تخربِط أفكارًا سائدة. مثلاً أن الزمن قادر على تخفيف وهج حضور الغائبين في الذاكرة. فليس فقط أن حضورك لم يخفّ ويخفت لا بل نراه يتسع ويطرُق أبوابنا أكثر كلما كثُر زمن ابتعادك.

نعرف جميعًا ماذا نفتقد فيك ومنك. كُلٌّ من شكل وطابع ووتيرة علاقتِه بك. في البيت الحزبي والسياسي يُكثر الرفاق والرفيقات من الحديث عن فقدان مرجعية. وفي البيت الأسَري العائلي أيضًا فقدناك مرجعيةً. فقدنا تلك الروح الحيّة المرحة المازحة التي ترفض الكرَب والتسليم مهما قسا الواقع. نشتاق لسخريتك في التعامل مع كل شيء تقريبًا، تلك السخرية التي ازعجت بعضًا منا احيانًا في هذا الموقف أو تلك العثرة. لكن النظرة، كالحضور، تكبر كما يبدو مع اتساع زمن الفقدان. هذه الروح الساخرة المرحة كأنها خلاصة التفاؤل بالعقل والإرادة معًا، نقطة العسل البرّاقة على حبة التين فوق شجرة صاعدة من أقسى وأخشن تراب.

والتراب عندك ليس استعارة. مع أن ناسَك وأهلك يعشقون استعاراتِك وكلَّ أدبك الذي يعيد النفس إلى فردوس أرضها ووطنها المفقود والباقي، المهشّم والكامل، والمكلوم والعصيّ على الموت، وكلّ هذا معًا. ثانيةً، ها نحنُ مثلك نجمع هذي النقائض معًا ونقتبس عنك نبرة سخرية القول: "زبّطوها كيف ما بدكو".

التراب يعرفك وتعرفه بالرائحة والمصافحة، والأرض تطمئنّ لك لأنك قاربتها بالعين والقلب واليد، بالقلق عليها حتى الخوف، وبالثقة فيها حتى التسليم. تأمّلتَ وحفِظت وعدّدت وردّدت وثبّتّ نبتها ووحشها وثلجها وقيظها وفجرها وليلَها، بالعقل واللسان والقلم. وزرعتها وسقيتها وفلحتها بدأب المثابر على طقوس صلواته. واعلمْ أن خلاصة فكرتك الشاسعة السحيقة العمق عن الأرض، هناك في قطعة الزابود الحيّة على سفوح الجرمق، جبل فلسطين الأسمق، بكلّ خير وبيدي مروان الأمينة.

نايفة ووليد وعدي وأميرة ولنا وحلا وجنى وأمير ودينا ومجد وأنا نرى صورتك ونسترجعها هناك. "هاي زرعها سيدو محمد ولاّ عمّو مروان"، يسأل الصغار؟ قاصدين شجرة كرز أو خوخ أو عنب او تين أو توت أو سفرجل أو لوز، وأحيانًا سنديان وبطم وخروب. بفطرة الصغار عرفوا أنها أشجار سواسية في القيمة والحب لديك.

كم افتقدناك الشتاء الفائت في يومٍ مثلج غطى الزابود. كلّ واحد تبادل في ذاته كلمتين معك وابتسامة خفيّة خفرةً سريعة، قبل أن يجاهر بخواطره. "يا زلمة ممنوع كان يموت، عنجد بكّير"، علا صوتٌ فينا. صمتنا قليلا، وسارعنا إلى التدفؤ بنكتة ومزحة ونهفة منك، كي نضحك، فنكون قد أخلصنا لك ولإرثك وفعلنا الواجب في لحظة من أرض وثلج. ففي هذا اليوم ولمثله يفرحون.

خسارة، خسارة كبيرة لحفيداتك وأحفادك. خسارة لهم هذا الجدّ الكنز من الحب والحكايات والأغنيات والضحكات واللّعب، هذا النبع الفيّاض من الفضول الطفولي لكل شيء، مَن شاركهم جالسًا على المسطبة والتراب في ألعابهم وتساؤلاتهم وضحكاتهم، قشّر لهم حبة اللوز بحجر على حجر، وفرط كوز الرمان وخصّل عنقود العنب خصلة خصلة لهم. "مغسّل هذا العنب؟" يسأل سائل أو سائلة فتردّ "فكّك من الغسل، لا هو مرشوش ولا اشي. كل اللي عليه غبرة من الأرض"، والصغار يقفون في صفّك طبعا، وتروح تضحك ضَحكة منتصر شقيّ.

 

هي في الحقيقة ليست ضَحكة من أحد، هي الضَحكة التي هي الموقف، التي هي سياق الأشياء، التي هي الفعل الأصل وليس الانفعالَ به. هذه القدرة على أن تكون أنت انت في كل حقل ومنصة وموقع وموقف، بلا زيف ولا مجاملات ولا تنازلات، ولكن أيضًا، بروح خفيفة، بلا إثقال لكاهل الناس بما يفوق طاقتهم وقدرتَهم وضعفَهم المتأصّلَ فيهم، ففي النهاية هم بشر. ربما أن هذا الحزم في قول الشيء بما هو وكلِّ ما يعنيه من جهة، ومعه ذاك الوعي بأن الغاية والهدف، والبداية والنهاية، والقصة بأكملها، هم الناس، كل الناس، وليس الذات من جهة أخرى، ربما أن هذا هو ما يجعل الشخص مَرجِعية.

نفتقدك، نتذكرك ونحبك دائمًا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين