الحضارات والديانات ومفهوم الموت والخلود والشهادة| د. فؤاد خطيب

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

الديانات التوحيدية الثلات بنظري هي أعلى مستوى اليه وصلت الديانات بصورة عامة، ونقصد هنا الديانات بصورها الأولية التي رافقت التطور الحضاري للبشرية منذ أن نزل الانسان العاقل المنتصب عن الشجرة وسكن المغاور، واعتاش على جمع النبات والثمار وصيد الحيوانات وأكل لحومها واستعمال جلودها لستر عورته ولغرض التدفئة. الديانات مرتبطة منذ بداية نشأتها مع التطور الحضاري للمجتمعات البشرية ومنذ ان بدأت هذه المجتمعات البدائية في تطورها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. تطورها هذا منوط منذ بدايتة بحركة التاريخ وجدليته وماديتة وبقوانين هذه المادية وبالأساس قانون النفي بالنفي أي أن حركة التاريخ تتطور مع الزمن وتنفي ما سبقها وتخلق حضورا آخر وحالة تطور أخرى هي ذاتها مهددة بالنفي في حالة وجود حالة جديدة اكثر تطورا، وكل هذا منوط قبل كل شيء بالتطور الاجتماعي السياسي الاقتصادي للمجموعات البشرية، الذي بدأ منذ أن زرعت أول سنبلة وخبز أول رغيف وبنيت أول قرية على جنوب شاطئ الفرات في سوريا الى ما وصلنا اليه نحن اليوم وبدأنا نعيش فعلا ثورة مادية وتقنية رهيبة ومتسارعة لا تترك مجالا واسعا للأساطير.

بدأ الذكاء الاصطناعي اليوم يلعب دورا فاعلا وأساسيا في هذه المرحلة لتطورنا من مجموعات بشرية الى شعوب وقوميات ودول ومنها الى مجموعات مختلفة من هذه الدول تربطها وحدتها الاقتصادية والمعيشية والأمنية وطرق الحضارات، وأيضا التحالفات العسكرية في خضم مواجهة دول أخرى أو مجموعات أخرى متنافسة ومتصارعة بينها على الهيمنة وبسط النفوذ على مناطق من هذا العالم أو كله كما نراه اليوم حاصلا بأوضح صوره. هناك اليوم الديانات التوحيدية الثلاث والبوذية التي تدين بها معظم البشرية ومعها عشرات الديانات الصغيرة التي ليس لها أثر يذكر على البشرية واهدافها ومصالحها الأخرى الكبرى. بنظرنا المتواضع، وخصوصا إذا قصدنا الديانات التوحيدية الثلاث، أن جميع هذه الديانات تؤدي الى الطريق نفسه الذي ينتهي الى الله الواحد حسب اعتقادات هذه الديانات، أي أن طرق الوصول الى الغاية وهي الله واحدة ولكن الطرق اختلفت. رغم هذا الاختلاف بقي فيها الكثير من المشترك في الفهم والممارسة والثأثير الايجابي والسلبي على الفكر الانساني بتطوره وحالاته.

قلنا ونؤكد مرة أخرى أن الديانات تطورت هنا ماديا على الارض وقد طورها الفكر البشري وليس عالم الغيب أو المجهول الأكبر الذي حتى الان مازال غامضا مع كل التطور العلمي والفكري والفلكي والتقني الذي وصلته البشرية اليوم. الانسان بسبب جهله في معرفة الكون منذ أن وجد على الارض طور الأفكار وكتب القصص والروايات والأساطير وجسدها بالموجودات المادية حوله من حجر وشجر وحيوانات. تجلى ذلك في خلق المعابد وأماكن العبادة المتنوعة التي تحميه من خوفه من الكون المجهول الغامض حوله الذي مازال فعلا لغزا كبيرا حتى الان برغم التطور الهائل في علم الفلك منذ بداية النصف الثاني للقرن العشرين وحتى الان. هناك اليوم موجودات أثرية كثيرة اكتشفناها في مواقع الحضارات القديمة تدل وبوضوح كيف تطورت الديانات مع تطور الحضارة البشرية. هناك موجودات أثرية كثيرة في مختلف اجزاء العالم تدل أن فهم وفكر هذه الديانات المعاصرة وطرق ايمانها وشعائرها كلها مأخوذة بدون لبس أو خطأ ومنقولة عن الديانات القديمة في العالم القديم، في بلاد وحضارات الشرق القديم وخصوصا في مصر وبلاد الرافدين وبلاد الاغريق القدماء وفي حضارات غرب وجنوب أسيا وخاصة في الهند والصين. فكرة الخلق الاساسية مأخوذة عن الميثولوجيا الاغريقية بحذافيرها مع بعض الاختلافات في التكون والتصور. فلا تغير الصورة الكلية والغاية الاساسية لكل الديانات.

زيوس سيّد الآلهة في الأولمب اليوناني وكبيرها خلق الانسان من الوحل والتراب وأوجد جزيرة في بحر اليونان عاش فيها الانسان الذي خلقه زيوس حياة تشبه الجنة الموعودة في التي نعرفها مع السرد الديني المتنوع في الديانات التوحيدية التي نعرفها. أي أن الانسان هناك عاش عصره الذهبي، خلق ووجد أمامه كل شيء متوفر لحياة سعيدة بدون تعب وعرق وجهد. وجد جنة فيها المأكل والشراب من مياه عذبة رقراقة ونبيذ وفيها طقس ربيعي دائم لايتغير. ذاك الانسان عاش بسعادة فطرية ولكنه اختلف عن الآلهة بكون مصيره الموت في النهاية وليس الخلود. حتى في موته كان سعيدا فلم يمت من حادت أو مرض أو حرب بل مات موتا سعيدا في نومه بعد أن عاش في جنات الرب زيوس مئات السنين وأصبح بعد موته روحا تطوف وتنعم من الوجود الكلي كالملائكة في ديانات التوحيد.

المختلف عن الديانات التوحيدية ان زيوس خلق في البدء الرجل فقط في جنته ولم يخلق الانثى معه وهذا الانسان هو صنع الالهة كما أسلفنا وليس نتيجة لعلاقة جسدية جنسية بين الذكر والانثى. الأمر تغير بعد أن سرق أحد الهة الاولمب النار وأهداها للانسان، النار تعني هنا النور والمعرفة وسر من القدرة الالهية وهذا الاله كان بروميثيوس الذي نعرفه من الأساطير والأدب العالمي بـ "سارق النار" أي النار المقدسة كما أشرنا. الأمرالذي اغضب زيوس كبير الالهة وانتقم من برميثيوس بأن صلبه على صخرة في القوقاز البعيد وجعل النسور تأكل من كبده وكلما اكلت هذه النسور الكبد تجدد واعادت الكرة حتى يومنا هذا. انتقم من ذاك الانسان الرجل الساكن في جنته بأن خلق له أول أنثى سماها "بندورا " وهذه كان انثى في غاية الجمال والفتنة والاغراء وخلق معها صندوق مهرها المعروف بـ "صندوق بندورا" الذي حوى كل شرور العالم التي نعرفها اليوم من حسد وغيرة وكراهية والم وموت وعذاب. ووضع في الوقت ذاته في أرض جنته تلك بذورا نمت سنابل أجبرت الانسان على زرعها وحصدها أي فرض على الرجل العاطل هناك في نزهته الطويلة العمل والعرق والتعب من اجل اعالة ذاته ووجوده وبقائه مع كل ما سببته تلك الانثى من اغراء وحب وعشق وكره وحسد وغيرة ونكد وحب غيرت صورة حياته التي نعرفها نحن اليوم. مع بعض التفاصيل نرى تشابها وتطابقا مع قصة الخلق التوحيدية ادم وحواء وطردهم من جنه الله بسبب أكلهم تفاحة من شجرة المعرفة المحرمة عليهم في الجنة بعد أن أغرت الحية حواء التي أغرت بدورها آدم الى ان بانت عورتهما وطردا نهائيا من الفردوس. الحية هنا تركز الى الموت والهلاك والشر والسم والتي تشابه في فكرتها "صندوق بندورا".

قصة ازيس وازوريس وابنهم حورس في الديانة المصرية تشبه حتى التماهي قصة الأب والابن والروح القدس في المسيحية. اما قصة الحياة والموت والخلود ومعضلة الوجود في الديانات التوحيدية وخاصة اليهودية فتشبه ملحمة جلجامش السومرية من بلاد ما بين النهرين أي العراق اليوم، وقد وجدت مكتوبة على الواح فخارية في بابل وهي اسطورة طويلة تحكي باختصار شديد عن مغامرات جلجامش بطل هذه الاسطورة الذي خربت عليه دنياه بعد أن مات صديقه انكيدو رفيق روحة أمامه، وفشل في ابقائه حيًا فترك مدينته أوروك وجاب كل سهول وجبال وغابات وبحار الأرض حتى وصل بحر الموت باحثا عن عشبة الخلود ليعيد صديقه الى الحياة. بعد جهد جهيد وجدها هناك في قعر بحر الموت ووضعها على الشاطئ وغفا ليرتاح فسرقتها منه الحية وأكلتها وانتهى حلمه بالخلود. الحية هنا تصور المعرفة والحكمة والخلود للالهة وهي ملك للالهة فقط وليست ملك الانسان الهالك في نهايته والذي خلق من صلصال بابل والذي عرف منذ أن خلق أن الموت هو الحقيقة الكبرى الوحيدة الباقية في الوجود؛ التي كانت وما زالت لغز الادراك البشري ووجوده الذي لم يعرف كنهه الى الان.

كتبنا كل هذا لنقول أن مصير الانسان في كل زمان ومكان كان واحدا ومتساويا. يخلق ويعيش حياته كما تفرضه ظروفه وينتهي في بحر الموت المجهول مهما تعددت سبل الوصول اليه. الانسان بعد ان تطور وأسس السلطة الدينية القوية والتي عرفت بالكهنوت التي استغلت الدين لمصالح هذا الكهنوت الدنيوية. الدول والسلطة الدنيوية والمؤسسات الكهنوتية تعاونت منذ بداية الحضارة معا واستغلت الدين لمحاربة الاعداء الدنيويين او لمعاقبة من يخرج عن طاعة هذه المؤسسات الجهنمية التي استغلت البشر في كل زمان ومكان. حياتنا المادية تتطور بسرعة هائلة ولكننا لم نطور فكرنا ولا اعتقادنا الديني الأمر الذي سبب تخلفنا. هناك دول مارقة في الغرب والشرق تستغل الدين أبشع استغلال في سبيل الوصول الى أهداف مادية ودنيوية وسياسية دنيئة حتى أنها افرغت الدين من معناه وروحانيته وجعلته أدوات قاتلة للبشر على مر التاريخ منذ القرون الوسطى وحروب الكنيسة الدينية الى الحملات الصليبية الى الوهابية التكفيرية الداعشية التي أوجدها الغرب لتدمير الدول العربية والشرق عامة وقد نجح نجاحا كبيرا الى الان ليس بسببه غدره ووقاحته وبشاعة فكرة فقط، بل بسبب تخلفنا نحن العرب وتوقف عقولنا عن التطور منذ مئات السنين حتى وصل بنا الامر ان خسرنا من قيمتنا بين الأمم و اصبحت بلادنا كلها ثغور لمن يشاء و جسدا ميتا تأكله الكلاب الضالة المعادية من كل وصوب.

أصبح وجودنا مرهونا بما يصنعه الغرب المعادي لنا منذ أكثر من ألف عام وقد جعلنا بسبب تخلفنا الحضاري ارقاما استهلاكية تستهلك ثقافته الضحلة الشوفينية التي تتحول اليوم الى ثقافة فاشية. مثلا، للنظر الى حرب روسيا واكرانيا وحلف شمال الاطلسي المعادي للروس وكل ثقافة تدعو الى انهاء الهيمنة الغربية الأطلسية على العالم بعد أن سرقت ونهبت هذا العالم منذ قرون طويلة خلت. والاسلام السياسي التكفيري الوهابي الداعشي حقيقة موجود بيننا في كل مكان وهو بطبيعته عميل للغرب معاد لكل تبلور عربي قومي. استغله الغرب المعادي لتدمير حياتنا وثقافتنا باسم الدين وقد تم بالفعل تشويه الدين الاسلامي الحنيف وأسسه الانسانية ودعائمة الجميلة المعتدلة بغية إيجاد اسلام تكفيري وهابي قاتل بدله، يقتل كل ما هو جميل فينا وفي اوطاننا وتاريخنا وثقافتنا. أصبح هذا الإسلام المزعوم الاعوج عقبة حقيقية أمام تطورنا انسانيا وحضاريا. ولن تنتهي معاناتنا الا بزوال هذا التشويه من الحياة اليومية ومن سياسة الدول الاسلامية وخاصة العربية. يجب ان نفصل الدين عن الدول لنحافظ على الدين الحنيف وما تبقى منه وعلى الدولة ونحافظ على فكرنا القومي العربي المشتر ك حتى يتسنى ان نعرف من هم اصدقاؤنا ومن هم اعداؤنا في هذا العالم المتصارع.

ما دعاني لكتابة هذا المقال هو ما يدور في عقول صدئة تدعي الاسلام تعارض حتى الترحم على أيقونة فلسطين والعرب الصحفية المتألقة شيرين ابو عاقلة التي استشهدت في فلسطين من أجل فلسطين، والتي نعرفها منذ عقود صحفية فلسطينية مقدسية عربية قادرة ومقاومة تعرضت لها بالاساءة الوحوش التكفيرية الضارية في وسائل التواصل الاجتماعي. ما يهمنا وسيكون المهم الى الأبد هو قيمة الانسان في حياته وموته هو وعمله وتضحياته من اجل قضية شعبه العادلة. وجود تلك الفزعات الملتحية المعادية للدين وللحضارة والقومية التي نعبت ونعقت وتفعل هذا بي كل مناسبة وطنية وقومية اصبحت خطرا على الوحدة الوطنية ويجب عينا كلنا ان نلفظها وفكرها الهدام من بيننا. الشهادة أي الموت في سبيل هدف سامي موجودة في الحضارات البشرية المختلفة كلها. معنى الشهادة الحقيقي هو الارتقاء والرفعة والخلود لمن قام بعمل صالح لمصلحة شعبه ومجتمعه وانسانيته واهله وبلده. ليس في الحروب أو النزعات السياسية فقط، بل في كل مجالات الحياة. هناك من مات شهيدا في سبيل العلم والمعرفة والبحث والاستكشاف والعمل الصالح بكل صوره. وهناك أمم كثيرة تقيم النصب المختلفة. الحضارات عملت الكثير في هذا المضمار اي في سبيل تخليد الفرد الفذ البطل. هناك آثار من عصور ما قبل التاريخ لتخليد عظماء قاموا بعمل كبير في سبيل اممهم وشعوبهم. على سبيل المثل لا الحصر تمثال رمسيس الثاني في مصر القديمة اقيم لتخليد اسمه لأنه قام بحماية وطنه وطرد قبائل الهكسوس منها. هرم خوفو اقيم لتخليد خوفوا احد عظماء الفراعنة. تمثال جوكوف اقيم أمام الكرملين من اجل ذكرى هذا القائد العسكري الفذ الذي خلص الشعب الروسي من النازيين. تماثيل عبد الناصر في مصر وأفريقيا وحتى في فنزويلا وكوبا اقيمت لتخليد هذا البطل العربي القومي الكبير الذي ساهم فعلا في تخليص مصر والعرب وعشرات الدول العربية والأفريقية وفي أمريكا اللاتينية من الاستعمار الغربي. وهناك عشرات وربما مئات من الخالدين من البشر على طول العالم ووسعه الذين خلدتهم شعوبهم لاعمال بطولية وخارقة فعلوها لمصلح هذه الشعوب قبل ظهور الديانات التوحيدية. استغلال الدين لمعنى الشهادة هو كاستغلال الدين لمصالح فئوية دنيوية حقيرة جدا احيانا. رسوخ العقائد الدينية بمعناها السلبي هو الذي يعطي مقولة ماركس "الدين افيون الشعوب" صلاحيتها اذ يتحول الدين الى اداة لسلب ارادة البشر وتخديرهم الجماعي من أجل القبول بأوضاعهم البائسة وعدم السعي الى تغيرها أو الثورة عليها. وهو الدور الذي لعبته الكنيسة أبان ظهور مقولة ماركس هذه حيث تلاعبت بالعقائد الدينية من أجل مصالح الاقطاعيين وحلفائهم من طبقة الكهنوت حتى انها فعلا باعت صكوك الغفران للغلابى ووعدتهم بأماكن في الجنة بعد موتهم. هذا مشابه جدا لمن يستغلون الاسلام لمنع الشعوب العربية من الثورة الحقيقية وتغيير واقعهم المذل وانهاض الأمة العربية من سبات عميق حتى تصحو لمصالح شعوبها. نعم شيرين أبو عاقلة وصلت مرتبة الشهادة لأنها تفوقت في مهنتها الصحفية واصبحت ايقونة شعبها وامتها لأنها ضحت بحياتها وبموتها من أجل قضية شعبها العربي الفلسطيني، ومن أجل حريته وخلاصه من الاحتلال. شيرين ستبقى شهيدة وخالدة في ضمير شعبنا الى الأبد وقامتها أعلى وأرقى من كل الدجالين.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين