الحلقة (20) والأخيرة في الجزء الأول من رواية: ذياب| محمد نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

عندما كان ذياب ووالديه وأهل عروسه في الشام، استحلى دار المعزّب الصفدي، ساحة في الوسط وحولها غُرف بعضها بطبقتين، وفيها السَّلامْلِك والحرَمْلِك، للرجال والنساء، وغانم يملك قطعة ارض واسعة على راس الجبل المطل على البلد، وتمنى ذياب ان يبني بيتا هناك مثل البيت الشامي، لكن بلا حوض ماء في الوسط، ومن أين في هذا المكان نهر كنهر برَدَى، هناك كانت حبات من التفاح الشامي الاحمر والمخدد تتمايل وتسبح في الحوض، لكن الأمر لم يتوقف عند الامنية، راح يعمّر غرفة واحدة في لِزق الوعر، حيث يُوحْوِح النسيم، وتهتف الريح في السنديان المشبك مع البطم والقندول، تتعربش عليه وتلتف على عروقه فنود اللجَين الشائك بأوراقه الخشنة بتفصيل القلب، وأجباب العمشق الفوّاح، رائحة الوعر تشد القلب، وعليه أعشاش الطيور القديمة المهترئة الكالحة، والجديدة العامرة، والعصافير تتقافز بحبور.

في الارض المحصودة والمحلوشة، حومات من القوصان بكبوشه الوبرية الوردية، وشوك الفار الذي ينعف زهره الخفيف الشعري، بعضه يطير، وبعضه يبقى في الذروة حول العروق ناعما مدوّرا خفيفا لطيفا، في وسطه بزرة صغيرة بتفصيل حبة القمح الصغيرة.

  • إخوث، حَدا بسْكُن بين الوحوش، الضبع في ليالي الشتا بخَمْخِم بين البيوت، كيف هناك في البرية.
  • العقل في الراس زينِه.
  • الخوَث ما بوجع.
  • إخوث يحكي وعاقل يفهم.

كان يوم العرس نهارا صيفيا طويلا عذبا، والخيول تطارِد في ميدان المرج، هناك كانت زيانة العريس ذياب قبل الطوفه، الغبار يتطاير وينتعف من تحت سنابك الخيل، يُعسقد شِللا ناعمة تتهادى على مهلها، وأصوات الشباب المنغمة الفرحة تعمّر المكان.

 

زيِّن يا مْزَين وبالله عليكْ      زيّنلي ذياب وخِف يديك

وِنْ جرَحْت ذياب بَدعي عليك    زيّن لي ذياب في ريشة الفَضّه

  زيّن لي ذيابِ لأمُه تَتِرضى   يا هلا فمّ الهلا يا في وادي

  والتَوَت عيني عَبيضي الرّقاب    والتوَت عيني على ذياب في لَوّل

   بالوجه لِبيَض ولِحمَر المدوّر     قُلتِلو ذياب ويابْنِ الكِرام

  عِيرني سيفَك ليوم الكيوانِ      قَللي سيفي حالِف ما بَعيرُه

  جاي مْسَقّط من بلاد اليمانِ      وابْعثوا لَولاد عمّو يجولوا

  عالخيول لِمبَرشمِه يطارِدولو    قومِ تمشّى يا قضيبِ الذهبْ

  والسّرج فَضّه والركايبْ ذهب    وَقْفو لأمّه تتحِب ركابو

يا شمس غيبي من السما        عالأرضِ في عِنا عريس

فقط ليلة مْبيرِح عقدو العقد، عن تحليل النكاح على مذهب أبي حنيفة النعمان، وعلى يديّ وكيل العريس ووكيل العروس منديل أبيض مشجّر ومعرّق ومنقّش بصوَر زهور وطيور، طيور السعد.

تحت السّريسِه فارِش ونايم

  طير السعادِه فوق راسُه حايِم

الرجال الحاضرون في العقد، أيديهم على رُكبهم، صامتون خاشعون، ونظرات تُقى وورَع ورحانية.

يوم العِرس ومن دغاميش الله، ذُبحت الذبايح المعلّفِه، ربعان وكراريز وثنيان وحُيّل، كل لحّام ينافس الآخر، يسلخ الجلد عن الذبيحة المعلقه، يشقّها ويلقي اللجن يقع فيه الكرش والمصارين، يطبّ الذبيحة بالقضيب، وينفخ القصَبِه الحمرا الفشاّشِه، يفردون اللحم الأحمر للكبّه والقابولية، ويتشاور المعازيب في انتقاء لحم القوزِه والقَصّ والكراديش، بلاطات الكبّه الواحدة بجانب الأخرى، وكل بلاطة وتفصيلها، بعضها واسع مصفلح، وبعضها مُتقن مع حِفّه على الداير، ودقاقات الكبّه مع دقماقات خشب السنديان تطرق على البلاطات، بأصوات منغّمة، حتى تنعم اللحمة وتصير متل الحرير. الكبة والقصبِه المَحيوسِه للفطور.

على الغدا صَبّوا الرّز المقَفر بالسّمن في ألجان واسعة على السطح، حتى أنهم صبوا القسم الاكبر على باطون السطح المغسول النظيف.

  • تفضلوا على الميسور
  • ميسور الغانم
  • تفضل بارِك يا شيخ على الزّاد.

بسم الله الرحمن الرحيم، سبحان من رفع السماء بلا عُمَد والنجوم بلا عدد، والبحار بلا جمَد، سبحان من قسّم الأرزاق ولا ينسى من فضله أحد.

الرّز مرجوم بالكراديش، وخروف محشي في قلبه ديك محشي.

  • الله يكثّر الخير.
  • الله يكثر خيرك ويرْمي غيرَك.

قال الجار خفيف الدم.

المعازيم من كل البلد، من الحارتين، يتناولون الطعام بأيديهم، والمعازيب يقومون بواجبهم، إن نقص الرز او اللحم، يهيلون عليه، ويرجمونه باللحم.

غانم إنسان مدبّر ونِكِح متل الدويري، هنالك معازيب قلبهم أسود، يحبون سواد وِجه المعزّب، ولذلك شال غانم ذبيحتين ولجنين رُز على جَنب، حتى إذا عنّ على بال واحد سواد الوجه، يكون الخير موجود، أكبر عِرس في البلد، والناس اولاد حلال، من الحارتين، يعزموا على بعضهم بالدور.

  • البلد الحمد لله شيطانها زغير
  • وينك عن سلطان باشا قال عنها: هاي سوْيدا بلاد صفد، نخوه وكرم وشجاعة.
  • والخير الحمدلله موجود. العرس مكلَفُه حاضِر، معزى موجودة، أرض الخيط بتِقْري بلاد، السّمن موجود، ظل مُشترى نتفة الرّز.

السّميدة والزيت عامود البيت.

  • الناس ما بتخَلاّ عن بعضها.
  • قِرش العِرْس والعمار دايما مبارك.

جلبوا العروس راكبِه على فرَس، وشارعة إيدها، مع الصّمادِه والكردان والصنوبرية والمخايَش، وعلى وجهها منديل. والنساء يغنين:

يخلِف عليكو كتَّر الله خيركو

  ما عجَبنا من النسايِب غيركو

كانت العروس وهي مصمودة، تنقّط هيبِه، حاجبها تقيل كما يليق بالصبيّه الآدمية حتى البسمِه ما طرَتها على شْفافها. جلبوها الى البيت في البلد، وليس الى الغرفة على راس الجبل.

وجاء ذياب العريس، ليأخذ كشفِة وجهها، قَبّ المنديل عن وجه العروس باحتشام ووقار وغادر المكان.

  • ياما في عرايس سوّدَت وجه أهلها، هَطْرا خفيفِه، كل الوقت قحقَحة.
  • وِلِك إخجلي على حالِك،
  • بلا رِبا.
  • عينها زايْغه متل البدوقَه
  • لاحقَه على الضِحك، كلها كم سيعة
  • حْصانها سْبوق
  • يتملْعن على صندوق صدرْها.
  • دوِّر على الأم ولمّ
  • لمين طِلعِت الفارة، لأمها حفّاره.

كانت السماء في نصّ الليل مرشومة بالنجوم، بعضها يبص ويلمع بزغلَله وزهُوّ، والكثير منها بنور خافِت باهِت، والثّريا والميازين في كبد السّماء.

طلعت الثريّا والميازين دوّر على شراقي العنب والتين، ميزان الحق بنجومه الثلاث اللامعه المتباعدة، وقربه ميزان الباطل بنجمات كامدة باهته، ودرب التبانات مرشوشه في السماء من الشيط للميط، فيها محلات عُبيّه، واخرى مهلهلة خفيفه، مع كفافي ومرجات ضيقة، البلد هاجعة بعد يوم عمل، في هذا الوقت انتقلت العروس والعريس الى البيت الجديد على راس الجبل، على الخيل والدواب.

  • بعّد الشوط بسلامْتُه.

الأضواء الخافته الصفراء تطل من شبابيك البيوت النائمة.

  • تفضّلي عَشّني عتْبَة الأوضه في إجرِك اليمين.

تطايرت طيور الليل في الوعر، وأفاقت عصافير معشّشة، على اذيال الوعر.

وأصحاب ذياب يمزحون ويضحكون.

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين