كانت المواجهة الأولى الناجحة في سبعينيات القرن الماضي، عندما هُدمت دار السيد سلمان حسن غانم، من قبل موظفي لجنة التنظيم وبحماية الشرطة، والدار في موقع الديدبة، منعت الدوائر الرسمية رخص البناء، وقسّمت جبل الديدبة إلى قسائم بناء شرط – المبادلة بأرض في الجرمق والزابود، ثماني دونمات في الزابود مقابل أقلّ من نصف دونم للبناء.
هدموا جدران الدار، وهرَبوا قبل أن يحتشد الناس، تطوّع معلمو العَمار وأصحاب السيارات لنقل مواد البناء من الإسمنت والرمل وغيره مجانا، وعُمّرت الدار في نفس اليوم وفي نفس المكان وهي اليوم عامرة بأهلها.
يومها قُدمت شكوى ضِدّي أنني كسرت زجاج سيارات الشرطة، ودعيت إلى التحقيق في مركز شرطة كرمئيل. جاء المحقق من أبو سنان من عائلة جَهْجاه وقال لي: اكتب إفادتك وروّح، وهكذا كان، أما أنا فسارعت إلى كتابة منشور ضد الهدم الإجرامي، وقرأناه في الخلوة بحضور المئات مع ان أحدهم قال: لا يمكن ان تكون دولة داخل دولة، فُهم من كلامه أنه لا يستنكر الهدم، اُسكِت من قبل المئات الذين أيدوا المنشور الموقّع باسم فرع الحزب الشيوعي في القرية وباسمي الكامل.
بعدها بسنوات قال لي أبو عمّار ياسر عرفات: لدينا صور وأنتم تبنون الدار، رجال ونساء وجبّالات صغيرة.
وبدأت الحراسة على الدار طيلة اليوم، في النهار والليل وبالسلاح لمن معه سلاح.
الزابود
الزابود جار الجرمق وهناك في الارض الشرقية كما نسميها مواقع: خلّة القاضي، جبل عين الشعير، ابو حجَر، الرّبّيصة، الطَّبَراني، الرّقيقة، الخِربة، جْباب القصب، خلة البير، عين البيضا، جرانة العصافير، بير السكر، عين الجديدة، البيادر، شقفان الكراريز، القْباوة، جِبّ الريحان، هوتة الجرمق، هوتة بُسَلّوم، نبع الحنّانه، عين الرَّتم، وادي الغميق، عين الحميّمة، وفيها الكثير من صِيَر وأحواش المعزى البلدية. وهي أرض خصبة جدا، كنا نسمع من الأجيال السابقة ان تجار الشام كانوا يشمّون ريحة – النّفلِه – وهو نبات عطر – في سَمْنة الزابود.
من الزابود كانت الطريق إلى أرض الخيط المصادَرة.
شق الأهالي طريقا زراعية إلى الزابود رغم معارضة السلطة، عندما ازداد الضغط على الأهالي ومُنع إصلاح الارض بالآلات الثقيلة، قامت مظاهرة في موقع – السَّهْله، من هناك يتفرع الشارع إلى الرامة والبقيعة وبيت جن، وحضر المظاهرة الرفيق نمر مرقس، وحاول البعض منع النساء من المشاركة، لكن زوجتي نايفة، وشقيقتي نايفة، وكذلك بديعة ونوال رفضن هذا المنع، وجاء شيخ ورع وتقي وشجاع وقال: معلوم اشتركوا!! انتوا أشرف من الرجال القاعدة في بيوتها. بعدها شارك أكثر من خمس مئة امرأة وفتاة.
يومها، يوم المظاهرة – كنت في كوريا الشمالية، في اجتماع اللجنة التحضيرية لمهرجان الشبيبة والطلبة.
في صباح أحد أيام تموز كنت أرش شجرات تفاح بمبيدات الحشرات وقالت لي نايفة: الدّنيا حَمّ، إلبس شُحشيطة مِش بُسطار، وقبلت النصيحة. على رجمة حجارة في كرم خلة العنق هناك مجدول عنب صفدي مِغْمِر، شعرت اني دُست على شيء لدِن طري، كانت باهتة، حية رقطاء كبيرة، قفزت قفزة خائف وأشعلتُ سيجارة نوبْلِس، لم أصدّق اني قفزت إلى هذا البُعد، قرابة الثلاثة أمتار، مما يؤهلني للمشاركة في الألعاب الاولمبية. في نفس الساعة سمعت دبّة الصوت: يا أهل النخوة، على الزابود، هناك قوة أمن وموظفو دائرة حماية الطبيعة!! ذراع من أذرع المصادرة والمقايضة..
ركضتُ حافيا، لأن الشُحشيطة لا تساعد على الركض، ركضت شوطًا واحدًا، لمسافة أربعة كم. والناس يقولون: محمد الشيوعي ناذِرْ نِذر ليقطع الطريق حافيا، لكن الأمر غير ذلك، وحتى قبل أيام، وفي الزابود ظلّ البعض على قناعة اني فعلتُ ذلك كنِذر. نُصب مخيم من قبل لجنة الجنود المسرحين وآخرين رفضوا الخدمة، طيلة أيام اكتظ الزابود بالناس، هناك من كتبَ عرائض استرحام، ووساطات، لم تنفع، السلطة جنّدت قوات كبيرة جدا وقالت للبعض ان "كهانا" سوف يأتي إلى إقرث وبرعم ونحن نحتشد هنا. وهجمت قوة كبيرة على الأرض، وعلى المخيّم، ودَكْربَ الجمهور عددًا من سيارات الشرطة إلى الوادي.
أحد المسؤولين قال لقائد القوة المهاجِمة: أطلق النار!!
إفتح النار وبالرصاص الحي!! فما كان من المسؤول، او أحد المسؤولين المعتدين في الزابود: إذًا حضِّروا التّوابيت للجنود، لأن مع بعض الناس سلاح، كانت الحجارة ترنّ على السيارات العسكرية، يبدو ان بعض الجنود حسبوها قنابل في الفجر المبكر، انْبطحوا على الأرض وتركوا سلاحهم، كنت ضمن مجموعة من الناس، خاصة الشباب، من أول الليل حتى الفجر تحت السنديان، البعض راح في غفوة، أنا لم أنم، هجموا بقنابل الدخان، تصدّينا لهم في "مَضيقونة"، جاء إليّ أحد الهلاميين وقال: يا بو هشام، بِزِتّوا قنابل، قول للناس ترجع!! بقبلوا خاطْرَك!! قلت له: لا أعرف العودة إلى الوراء بل إلى الأمام وردّ بصوت باكٍ: ولَوْ هيك يا بو هشام!! أيوه هيك.
كان هناك كهل فقير بسيط من عاميّة الناس، ضرب أحد الجنود بالعصا على ظهره، والمجنّد مع طاقيّة حديد، بالكاد يبيّن وجهه. صرخ المجنّد وقال: أنا إبْنَك، تضرُبِش.
-
انت ابني!! لكان خُذ كم هواية قوية، بعض المجندين الذين حسبوا ان القضية تتعلق بكهانا، شلحوا بدلات الشرطة وتركوا الخدمة.
بدأت وفود التضامن إلى الزابود من النقب وحتى الجليل، مع عدد من اليهود الشرفاء، وليس فقط من الشيوعيين. ومن جملة الوفود كان ضيوف مؤتمر حزبنا القطري من الأحزاب الشيوعية.
عند المخيم وفي بركة الزابود، ولطيلة أيام أقيمت الولائم، ذبايح من المعزى الجبلية، من كل عائلة أو مجموعة من الناس، والناس بأيديهم المضمّخة بالغبار والتراب والمهشمة بالشوك ينهشون الكَراديش بشهية، مع حلقات الدّبكة على المجوز والأرغول والشبابة، وما أروع الالحان وهي تتغلغل في الوعر المُعتِم.
رئيس المجلس المحلي كان يومها المرحوم شفيق الأسعد الذي دعم الإضراب والموقف الكفاحي وقاده.
في أحد المشاوير سايَرَني أحد عملاء السلطة، المعادي للموقف فما كان من الناس، من الرجال والنساء إلّا ان صرخوا: محمد الشيوعي الآدمي ماشي مع هذاك الواطي، في البداية حاول ان يسكُت وكأنّه لم يسمع، فصرخوا بأصوات أقوى، وراح يشتمهم، وهم يبصقون عليه. كان ذلك على عين ورقة الزابود.
جريدة الاتحاد خصّصت عشرات الصفحات، وطيلة أيام التصدّي، لمراسلها المبدئي النشيط الرفيق سهيل قبلان، وأقيم معرض للاتحاد في بناية المجلس المحلي، وسافر وفد إلى حيفا لتكريم جريد الاتحاد، وقدّموا درعًا بحضور الرفيق القائد إميل حبيبي، وكان من ضمن الوفد نايفة ام هشام وسمير وقاسم وسهيل..
يومها جاء إلى القرية المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، يبدو ان السلطة أخبرتْه بأن الوضع خطير وهناك خطر سفك الدّم فقال: لا أخرج من هنا إلا بعد فكّ المخيّم. قبل الناسُ خاطره، وفُكّ المخيم، وعندما عاتَبْناه وشرحنا له الموقف بكى بسخاء.
لقد كنتُ أولى منك بالدّمع مقلةً
لكن دمعي في الحوادث غالي
لأول مرة أرى هذا الشيخ التّقي يبكي بهذه الحُرقة.
إلى أحد الاجتماعات الشعبية جاء وجيهان ضد الإضراب والمخيّم.
الوجيه الأول ينظر إلى الورقة المكتوبة ويُلتلِت، لأنه رأى الجمهور الواسع مع الموقف الصحيح: جاء أحد أقاربه وقال لي:
-
أنا حضرت على كتابة الخطاب.
فقلتُ له، كان الخطاب بعكس ما يقوله الآن وهو يتلعثم!!
ضحك واعترف وقال: صحيح كأنك كنت معنا.
أما الوجيه الآخر فَدبّها على المكشوف. أسكتَهُ الناس بكلمات تليق بموقفه الوضيع.
كانت هذه الجولة ناجحة في تموز 1987، يومها رفض المجلس المحلي استقبال دافيد ليفي واستقبل باحترام وفدًا من غَزّة.
وبدأ الناس يصلحون الارض ويزرعون العنب والتفاح وبعدها الكَرَز. فالزابود ثاني قطعة أرض من حيث الخصب والمساحة بعد الخيط الذي احتلّ احتلالًا عسكريًا وسقط شهيدان: صالح حديفه، وزهية أبو عاصي قبلان، وجُرح كثيرون، ونحن بصدد إقامة نصب تذكاري لهما في أرض الخيط.
أكثر من عشرين رجلا قالوا: بالطّلاق بدنا نصوّت شيوعيّة. قلت لهم ضمن وحدة الحال: لا تستعجلوا، أنا ضدّ ان تطلقوا نساءكم، اما التصويت فلا أعتقد انكم ستصوتون للحزب. بعد الانتخابات وفي اجتماع شعبي في ساحة دار حمد السمعين ذكّرتهم بما قالوا، ضحكوا ضحكة صفراوية خجولة وبقينا أصدقاء لليوم.



.png)

.png)






.png)
