قراءة في ديوان "لا بدّ من حيفا" لعبد الناصر صالح
//تمهيد
قبل سنوات كنت قد كتبت دراسة حول شعر عبد الناصر صالح رصدت فيها آثر الواقع العربيّ بخيره وشرّه، أيجابه وسلبه، في مجموعاته الشعرية السبع التي أصدرها قبل ديوانه الأخير، "لا بدّ من حيفا"، الذي نحن بصدد الحديث عنه. وقد سبق لي أن قلت في دراستي المذكورة، حول كشف الواقع العربي وتعريته بلغة مباشرة أو قريبة منها: " قليلة هي الحالات التي انتقد فيها الشاعر عبد الناصر صالح، الواقع العربي وخاصة السياسة العربية الرسمية، بلغة مباشرة في شعره. ولكنّ تلك الحالات موجودة، وكذلك اللغة المباشرة أو القريبة منها. وقد عبّرت بشكل مباشر عن وعي الشاعر بذلك الواقع وتلك السياسة، وعن جرأته في كشفهما، بل فضحهما أيضا. وهو في تعريته للواقع العربي، إنّما يُعبّر بأشكال مختلفة، وخاصة من خلال حزنه العميق ورفضه لتلك الحالة المخزية التي آل إليها الواقع العربي وخاصة سياساته الرسمية تجاه الجرح الفلسطيني الذي ما زال نازفا، لا بسبب النكبة والاحتلال فقط، وإنّما بسبب السياسة المشبوهة التي تنتهجها الأنظمة العربيّة وزعماؤها الذين لم يعودوا عربا على حدّ تعبير عبد الناصر صالح، حين يقول في قصيدة "تل الزعتر أو الزيتون يُعلن البراءة": "ومن كانوا عرباً يا وطني / ما عادوا عرباً / حزنكَ لا يحزنهم / آلامك لا تؤلمهم / بل صاروا أعداءْ / من كانوا عرباً / صاروا أعداءْ!". (عبد الناصر صالح، داخل اللحظة الحاسمة، ص 21-22).
وبناء على ما تقدّم، لم يُفاجئني الأمر حين لمست من القصيدة الأولى المعنونة بـ "آخر الشعراء" في ديوانه الجديد، والتي يُهديها عبد الناصر صالح إلى صديقه، الشاعر المصري الراحل، حلمي سالم، يرثيه فيها ويُدافع عنه. فقد وجدت أنّ هذا الأثر، أو ذلك الهاجس، هاجس الواقع العربيّ بخيره وشرّه إن صحّ التعبير، لا يُفارق عبد الناصر صالح ولا شعره. يقول في القصيدة المذكورة: "يُعلن الجوع كفرًا / ويبكي على زمنٍ / نسجته القناديل من ألفة الليلِ / لم يرتكب خطأً (لا بدّ من حيفا، ص 10).
الإعلان أنّ الجوع كفر، فيه مقاومة، والبكاء على زمنٍ نسجته القناديل من ألفة الليلِ، ليس فيه استذكار للزمن الجميل الذي عاشته مصر والعروبة زمن الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر فحسب، بل فيه إدانة أيضا للزمن القبيح الذي تلا ذلك الزمن الجميل، وما زال الزمن القبيح جاثما على صدورنا جميعا حتى الآن، فهو الزمن الراهن الذي يعتبر تكفير الجوع خطأً أو كفرا، ويُبيح معاقبة الشاعر الذي يُجاهر بذلك الإعلان. لذلك ينتفض عبد الناصر صالح للدفاع عن صديقه ويُقرّر أنّه بتكفيره للجوع "لم يرتكب خطأً". وإذا نظرنا إلى روعة الصورة الشعريّة: "نسجته القناديل من ألفة الليلِ" نرى فيها روعة صورة مصر التي يعشقها عبد الناصر صالح، وقد عبّر عن عشقه لها وللنيل الذي يُمثّلها ويُمثّل العروبة كلّها، في كثير من قصائد مجموعاته السابقة. ولكن في هذا الديوان وهذه القصيدة كما في قصائد مجموعاته السابقة، الصورة الشعرية الجميلة ليست بهيّة دائما. يقول: "وحيدا / يُحاصره الموت من كلّ حدب / ... / يسبقني / باهظ الحزن في حكمة الزاهدين / لكي يرث البحر / يدحرُ كلّ التماثيل غارقة بالفجيعة (لا بدّ من حيفا، ص 11-12). ولكن الذي يُريد أن يرث البحر ويُحوّله إلى طريق يحمل الأمل ويُحقّق الحلم، لا بدّ له من أن "يدحر كلّ التماثيل (الـ)غارقة بالفجيعة" (ص 12). وهذه الصورة، رغم جمالها كصورة شعريّة مبتكرة، إلّا أنّها تحمل صورة قاتمة للواقع العربيّ الذي تحكمه التماثيل والأصنام وتُسبّب كلّ فجائعه. كذلك لأنّ البحر له دلالات أخرى سنأتي على ذكرها لاحقا.
ويستمرّ عبد الناصر صالح في هجومه الكاسح على الواقع العربيّ الرسميّ في قصيدته "خازن النار" (ص 32)، رغم ما في قوله من تعميم حيث يقول: "أنا من سلالة من هُزِموا قبل / أن تبدأ الحرب" (ص 36). في هذا المقطع إحالة إلى ديوانه الأول، "الفارس الذي قُتِل قبل المبارزة" (1980). ويُتابع هجومه الكاسح وإن كان بالتعميم ذاته لأنّ فجائع المستوى العربيّ الرسميّ تنعكس الواقع العربيّ كلّه: "هجرتني الرماح / ويخذلني سيف أهلي / ... ... / وأسأل: أيّ السيوف سيقتلني / سيف أهلي / أم سيف من حاصروا فكرتي في الصراع؟" (ص 36). ولا فرق بين السيفين سواء كان السيف الثاني هو سيف الأهل أو سيف الأعداء، فالأهل صاروا أعداء كما سبق له أن قال.
الكثير يُمكن أن يُقال في هذا المجال، ولكن بما أنّ دراستي السابقة رصدت أثر الواقع العربيّ في مجموعات عبد الناصر صالح السبع التي سبقت هذا الديوان الأخير، سآخذ في قراءته هنا منحى آخر مختلفا، لأنّ عبد الناصر صالح يأخذ فيه أيضا منحى آخر رغم محافظته على ترابط المضامين والدلالات مع إصداراته السابقة. ففلسطين والقدس والحريّة والأمل والمقاومة والصمود لأنّ الغد لا محالة آتٍ، كلّها ثيمات راسخة في شعره. وهذا يُؤكّد أنّ الشاعر ابن بيئته، وكغيره من الشعراء الصادقين، لا يستطيع عبد الناصر صالح أن يعيش بعيدا عن واقعه وقضايا شعبه، بل يلتزم بها ويُساهم برؤيته الشعريّة العميقة التي تُلزمه بالبحث عن حلول لتغيير الواقع. وهذه الرؤية تتمثّل في ديوانه الأخير عامّة، وبشكل خاصّ في قصيدته المميّزة، "لا بدّ من حيفا"، التي حمل الديوان عنوانها.
//لماذا حيفا بالذات؟
البحر وبالرغم من أنّه معادل موضوعيّ للمنفى في كثير من قصائد عبد الناصر صالح، إلّا أنّه يرمز أيضا للحلم والأمل. فكما أخذ البحر الأحبّة من فلسطين إلى المنفى، فهو قادر على رسم طريق عودتهم. ولكن للعودة شروطها. يقول بروفيسور إبراهيم طه ": اللفظة لا تُعرّف إلّا قياسًا بأضدادها المضمرة فيها مثلما يدّعي البنيويّون بحقّ، فنحن نثمّن "العودة" عاليًا لأنّها تذكير لفظيّ بمعاني الغياب والضياع والانقطاع والضلالة. ومن هنا بالضبط، شُحنت "العودة" بمعناها الفلسطينيّ، أعني عودة المهجّرين الفلسطينيّين إلى وطنهم بعد تهجير وتغييب". ولهذا لا بدّ من تحقيق شروط العودة كما يراها الشاعر عبد الناصر صالح. ولذلك أرى ألّا بدّ من التوقّف قليلا عند عنوان الديوان والقصيدة، الذي يُضمر العودة ويشملها دون أن تُذكر فيه.
في مقاله الذي أشرنا إليه سابقا، "الجفراويّة، وجهة الشعر عند مفلح الطبعوني!"، يرى بروفيسور طه أنّ العنوان يحمل في طيّاته: "1) القصديّة. وهي تعني أنّ العنونة، كأداة تنصيص، تُضمر قصد الشاعر وتفكيره. ولمّا كانت العنونة نقدًا ذاتيًّا، يُظهر فيها الشاعر حكمه على نصّه بنفسه، فهي إذًا حالة إحالة محسوبة وليست عفويّة أو تلقائيّة. حتى الصدفة ليست صدفة في الأدب. وحين يعنون الشاعر مجموعته فإنّه يجعل الجزء دليلا على الكلّ. 2) التكثيف. العنونة اختزال لكلّ ما يراه الشاعر مركزيًّا حاسمًا. العنوان من جوامع الكلم. وجوامع الكلم تعني حشدَ المعنى الكثير في اللفظ اليسير. 3) التصدير. العنونة مسألة تقديم وتأخير. حين يقدّم الشاعر معطًى على معطى ويمنحه حقّ الصدارة فإنه يتّخذ موقفًا واضحًا ممّا قدّم وأخّر".
"لا بدّ من حيفا"، عنوان لم يأتِ من فراغ، فكلماته القليلة شديدة الكثافة حاشدة بالدلالات التي تحمل قصد الشاعر ورؤيته الشعريّة العميقة لإنهاء الحالة التي يعيشها شعبه الفلسطينيّ. وعبارة "لا بدّ" تحمل في طيّاتها ضرورة تحقيق شيء ما للانتقال من حالة إلى حالة، وفي حالتنا، "حيفا" هي شرط هذا الانتقال. والحالتان المضمرتان خلف مفردات العنوان، هما حالة المنفى والغياب التي تقابلها حالة العودة والحضور. وهنا تُصبح "حيفا" ليست مجرّد اسم لمدينة، بل هي ناس وبرّ وبحر. هي ناس شُرِّدوا من برّها عبر بحرها، وبرٌّ كان وطنا لناسها، وبحر حمل ناسها قسرا إلى المنفى. ولهذا أصبحت للبحر دلالة قبيحة هي المنفى والغياب. والغياب شمل "حيفا" نفسها، ولكن لم تنته الحكاية، و"حيفا" ما زالت حاضرة في النفس والذاكرة، وأبواب برّها وبحرها التي أوصدت أمام ناسها، لا بدّ أن تجد اليد التي تفتحها وتُعيدها سابق عهدها. وهكذا تُصبح عودة "حيفا" شرطا لعودة ناسها. إذًا لحلّ القضية التي تُؤرّق الشاعر، "لا بدّ من حيفا". وهنا، يُمكننا أن نرى في العنوان نصًّا نقديًّا، فالشاعر ينتقد نفسه وكلّ الذين تقاعسوا عن إعادة "حيفا" لناسها أو ناسها إليها، وأكثر من ذلك فقد شكّلوا بخنوعهم، حاجزا بينه ورفاقه من جهة، وبين "حيفا" من جهة أخرى.
كذلك يُمكننا أن نرى بعودة "حيفا" التي لا بدّ منها، انتقالا من حالة إلى حالة كما يُفيد العنوان. وهنا تصبح عودة "حيفا" كعودة "جفرا" التي رأى طه أنّها: "انتقالٌ من حالة ألم إلى حالة أمل. العودة مدعاة التفاؤل في كلّ مستوياتها اللغويّة والسيميائيّة". والشاعر عبد الناصر صالح ليس بعيدا عن النسق الجفراوي، لكون هذا النسق ليس حكرا على شاعر فلسطينيّ بعينه، ولا حتى على رائده، الشاعر الفلسطينيّ، عزّ الدين المناصرة، دون أن نغفل طبعا أصل الحكاية، الشاعر الفلسطيني، أحمد عزيز علي حسن، ابن قرية كويكات المهجّرة.
//السجن والمقاومة والحرية عبر الطريق إلى حيفا.
عبد الناصر صالح شاعر وطني معروف. وهو سليل المقاومة والأسر والصمود. فقد ورث الشعر عن والده، محمد علي الصالح، الشاعر الوطني المقاوم الذي سبق لي أن كتبت مقالا حول ديوانه الذي نشره ابنه الشاعر عبد الناصر صالح عام 2016، بعنوان "مرافئ العمر".
يُصرُّ عبد الناصر صالح أن يبقى وفيّا لقضيّته وعهد والده، ووفيّا كذلك لعهد إخوته الأسرى الذين قاسمهم وقاسموه هموم السجن، لذلك في "إهداء" ديوانه الجديد، "لا بدّ من حيفا"، يقول:
"إلى الأشجار التي نبتت بين حديد السجون، قاومت وأينعت حرِّية من داخل كلّ غصن، وأثمرت فلسطينها المزهرة. إنّها أشجار مقاومتنا، أصلها ثابت وفرعها في سماء المستقبل يُرفرف. يسقط السجن والسجّان ويرتفع الأسير نجمة كبرياء، إذ لا بدّ من حيفا وإن طال المدى أسرى" (ص 7).
من هنا نلمس أنّ "لا بدّ من حيفا" هو ليس مجرّد ديوان شعر. إنّه كتاب المقاومة، كتاب السجن والأسر والحريّة، كتاب الأسرى الذين يكتبون حريّتهم بخيوط وقتهم الضائع في السجن ليبقوا صامدين كالأشجار رغم حديد القضبان، لأنّ هناك مهامّ جسيمة تنتظرهم. والشاعر عبد الناصر صالح لا يقطع خيوط الزمان والمكان التي ربطته وما زالت تربطه مع إخوته وزملائه، سجناء الحريّة الذين عاش معهم في الزنزانة. صحيح أنّه قاوم وصمد إلى أن لفظته جدران السجن، إلّا أنّه يشتاق لإخوته الذين ظلّوا خلف الجدران ولم يُحالفهم الحظّ بعد، فيعود إليهم عبر القصيدة ليحملهم معه على جناحيها خارج الجدران، هناك خارج القضبان لا وراءها، حيث مكانهم الطبيعي للحياة والمقاومة.
عوّدنا الشاعر عبد الناصر صالح، واقعا وشعرا، أن يكون وفيّا لفلسطين ولكلّ ما يمتّ لها بصلة، وخاصّة لكلّ مَن له علاقة بالسجن والمقاومة والصمود. فمقاومة الاحتلال حتى داخل السجون، هي الطريق الوحيد إلى الحرّية. وعبد الناصر صالح كما في كلّ أعماله السابقة، لا يُغادر فلسطين لا في الواقع ولا في الشعر، فهل يتخلّى عنها ويُغادرها الآن؟ ديوانه الأخير يُؤكّد أن ذلك غير وارد في حساباته وكتاباته.
يعي عبد الناصر صالح أنّ الواقع إنسان وزمان ومكان، وكذلك هو الشعر، أنسان وزمان ومكان، لذلك نجد أنّ هذا الثلاثيّ المقدّس، هو عصب قصائده ومحورها. والرابط بين هذه العناصر الأساسيّة الثلاثة، إمّا أن يكون الضياع الذي بدأ بضياع المكان وألقى بظلاله على الأنسان والزمان، وإمّا أن يكون المقاومة والصمود فيها إلى أن يُستردّ المكان وينعم الشاعر وإخوته الأسرى بفلسطين والحرّية اللتين من أجلهما صمدوا خارج السجن وداخل جدرانه. وعودة فلسطين ليست مجرّد أمل لا ينقطع، بل هي في عرف عبد الناصر صالح وشعره، حتميّة تاريخية لا ريب فيها. وقد يكون هذا هو السبب الذي من أجله يحشر الشاعر أمّه بين السجناء ويُخصّها بقصيدة كما خصّ كل واحد منهم بقصيدة، لا لسبب إلّا لأنّ أمّه في القصيدة هي ليست أمّه البيولوجيّة، بل هي رمز يُحيل إلى فلسطين وأرضها المغتصبة، والتي سترجع حتما كما قال عن أمّه: "وأمّي سوف ترجع / ذات يوم مقمرٍ / لا / ريْبَ / فيه ... (ص 23). إذًا فرجوع أمّ الشاعر لا ريب فيه، وكذلك هو رجوع فلسطين، لأنّ الشاعر وغيره من سجناء الحريّة يُقاومون الاحتلال وقلوبهم مفعمة بالأمل وحتميّة العودة.
فلسطين كلّ لا يتجزّأ.
الإنسان الفلسطيني موجود في أماكن متعدّدة وجغرافيات مشتّتة. وقد يكون أكثر تلك الأماكن أهمّية وحساسيّة، بعد القدس طبعا، الداخل الفلسطيني والأرض المغتصبة منذ عام 1948. ودليل ذلك أن عبد الناصر صالح أولى أهميّة كبرى للأسير وليد دقّة ابن باقة الغربيّة القريبة من حيفا التي خرج منها محمد علي الصالح، والد الشاعر. وهم جميعا، وليد دقّة وباقة وحيفا، يُشكّلون في الديوان، كتاب الأسرى والحرّية والمقاومة الذي بين أيدينا، يُشكّلون إحالة واضحة للداخل الفلسطيني الذي لا بدّ منه ليكتمل الكلّ الفلسطيني وتكتمل الصورة أو لوحة الفسيفساء الفلسطينية التي يُريد الشاعر ترتيبها من جديد في الواقع وفي الشعر.
من هنا جاء عنوان الديوان، "لا بدّ من حيفا"، ليختزل القضيّة كلّها وليطرح الحلّ الذي لا حلّ غيره، المقاومة والصمود حتى "يسقط السجن والسجّان ويرتفع الأسير نجمة كبرياء، إذ لا بدّ من حيفا وإن طال المدى أسرى" (ص 7). ثم أتت القصيدة التي تحمل العنوان نفسه، لتكون هي نفسها حيفا التي لا بدّ منها. ولذلك كان الشاعر عبد الناصر صالح يعي بالضبط لماذا أهدى تلك القصيدة للأسير وليد دقّة ومن خلاله إلى عرب الداخل الفلسطيني الذين من جهة تعمل السلطة الصهيونية على سلخهم عن شعبهم، ومن جهة أخرى يتّهمهم بعض إخوتهم بالتطبيع والخيانة. ولكن ينبت بينهم وليد دقّة وأمثاله، كالأشجار بين حديد السجون ليمنعوا سلخ الإنسان الفلسطيني في الداخل عن إخوته وقضيّته. وعبد الناصر صالح يعي خطورة اتّهام إخوته بالتطبيع والعمالة، لذلك يُحّذره من ذلك: "ترضعك السجون حليبها / في الليل تُمالئُ ورقةَ المصباح / فاحذر فتنة التطبيع / يأتي أحدبَ النظراتِ / لا ملحٌ تكدّس في إنائك / نكهة الموت المؤطّر دودة ملساء سوداويّة / ترتدُّ نهج الخيانة / كي نعودَ إلى المتاهة مرّة أخرى / وتكبر محنة التغريب في دمنا / كأنّ الأرضَ غيرُ الأرضِ (ص 89-90). ولكنّ وليد دقّة وباقة وحيفا وكلّ ما تُمثّله هذه الرموز، كلّهم باقون على العهد صامدين رغم أنّ كل الأبواب أقفلت أمامهم: "أغلقوا كلّ المنافذِ / لا تخف / ها أنت تمتهنُ البقاء على الحياةِ / تصونُ "باقةَ" في ضمائرنا... (ص 93). وكما وليد دقّة وباقة وحيفا يُمثّلون فلسطينيّي الداخل وضرورة الحفاظ على انتمائهم لأرضهم وقضيّتهم، وكما يُمثّل الشاعر المصري، حلمي سالم، وجه العروبة الناصع الذي لا يتخلّى عن فلسطين، هناك أيضا إخوة آخرون من سجناء الأرض المحتلّة الذين قاسمهم الشاعر وقاسموه ظلام السجن.
كما لكلّ أسير زنزانته لدى السجّان، كذلك لكلّ أسير قصيدته لدى الشاعر عبد الناصر صالح. ويتوالى الأسرى وتتوالى القصائد لتصنع من الديوان كتابا للأسر والأسرى، يليق بقوافل الأحرار الذين لم يردعهم السجن، وصكّا للحرّية يحمله عبد الناصر صالح ويعود به إلى السجن ليهدي كتاب الحرّية لأصحابه الشرعيّين، سجناء فلسطين، ومخرزا يفقأ به عين السجّان السجين هو أيضا بحكم أنّ زمن السجين وزمن السجّان، يتساويان داخل السجن.
في قصيدته "بيانك ساطع لا لبس فيه" التي يهديها للأسير محمود العارضة ورفاقه، يفضح الشاعرُ السجّانَ ويُثني على الأسير ورفاقه الذين أوقفوا دولة الاحتلال على رجليها لبضعة أيام حينما بقروا بطن السجن وجعلوا ترابه يتناثر ساخرا من قضبانه.
الحالة النفسيّة التي يعيشها الشاعر عبد الناصر صالح بعيدا عن إخوته الأسرى، تجعله لا يرى أيّ فرق بينه وبين الأسير محمود العارضة أو غيره منهم، فهم واحد يجمعهم الدّم الذي يسري في شرايينهم، والعهد الذي كُتِب به (بيّناتُ القدس)، إذ يقول: "كنتَ أنا وكانت بيّناتُ القدس / في دمنا تُجدّل وقتها (ص 27). وكان الشاعر قد مهّد لذلك العهد مسبقا حين قال: "نُطلّ على طفولتنا / ونفتح شيفرة البحر الخفيّة / ليس إلّا أن نعود / وليس إلّا أن نبدّد خوفنا / حيفا تُنادي / والبيوت تردُّ من شغفٍ على قرميدها / فاه القصيدة مفعم بحروفك الأشهى / ونبرة صوتك الجبليّ في الأسحار / فاصبر في الغياب / فقد تراءت قُبّراتُ الوجد / تشدو خلف ظلّك / هل أجدتَ الرسم في أحداقها؟ (ص 26). فالشاعر وباقي الأسرى تجمعهم طفولة واحدة تربّت على فجائع النكبة والاحتلال والمنفى الذي حملهم إليه البحر، نعم البحر الذي لا بدّ لهم من حلّ شيفرته الخفيّة، ليكون هو نفسه طريق العودة والأمل الذي يُعينهم على المقاومة والصبر. وهكذا تُصبح المقاومة هي المصير الواحد الذي يجمع الأسرى، لأنّ حيفا تنادي ولا سبيل إليها بغير المقاومة، ولا سبيل إلى فلسطين بغيرها. وقد سبق لي أن أشرت إلامَ تُحيل حيفا ورمزية وجودها في القصيدة وفي الديوان كلّه.
ويعود الشاعر إلى الداخل الفلسطيني مرّة أخرى ليؤكّد ذلك التداخل والتلاحم بين مربّعات لوحة الفسيفساء الفلسطينيّة، وليُثبت أنّ قلوب الأسرى موحّدة كخطاهم لا شيء يستطيع أن يُبعثرها. فها هو الأسير محمد خلف، ابن قرية "جتّ"، يسير مع إخوته في طريق المقاومة: "هل تبعثرت الخطى؟ / أبدًا مضيت مقاتلا / في زحمة الأشواك / خزّاف النّزاهة أنت / ما أدمت محاجرَك الكلومُ / ولا جنون السوط" (ص 44).
وقرية "جتّ" في المثلّث لا تختلف عن "باقة" وحيفا. فهي عرق نابض من عروق فلسطين، ترفد المقاومة بأولادها، ما يجعلها تستحق أن تُصبح أيقونة في شعر عبد الناصر صالح، وتحديدا في قصيدة "خزّاف الأمل" التي أهداها لابنها، الأسير محمد خلف، حيث يرسم لها صورة بهيّة تُساهم في تأثيث القصيدة. فهي كما ظهرت فيها: "جتُّ" الأخْيَليَّة تنفث الرؤيا على جسر الحروف (ص 47). "جتُّ" تنسج للمدى خيط القصيدة / "جتُّ" فتيّة القسمات / "جتُّ" إن غَفَتِ القرى تبقى صهيل الخيل في الآجام / "جتُّ" شاهقة الندى (ص 50).
ويُتابع عبد الناصر صالح طريقه مع إخوته الأسرى الذين لا يُفرّق بينهم حتى يصل إلى الأسير المميّز، عبّاس السيّد، الذي يتقاسم معه رطوبة غياهب السجن، "في ذروة الإبحار نقتسم الرطوبة" (ص 69)، ليُؤكّد تميّزه: "كم أنت مختلف الرؤى / ما شئت شاءته المدينة (69).
وليس عبثا هذا التميّز، فعبّاس السيّد محكوم في السجون الإسرائيلية بمئات السنين. وقد رفضت سلطات الاحتلال أي صفقة تبادل أسرى يَرِد فيها اسمه. ورغم كلّ ذلك يُؤكّد عبد الناصر صالح في قصيدة "سنرصف دربنا بسلالة البشرى" التي يُهديها إليه: "واحصد نصيبك في اللظى من فائض الدعوات / واعلمْ: / بنادقنا سترصف دربنا بسلالة البشرى / على لحن المتاهة / سوف تفتح السماءُ على براح الأرضِ / نعبر صوب رغبتنا / كأنّ قيامة في الأرض تدنو (ص 75).
لا يقطع عبد الناصر خيط الأمل ولا يكفّ عن المقاومة مع إخوته الأسرى داخل السجن وخارجه مهما ضاقت الدنيا عليه وعليهم. وبين دفّتي الكتاب مزيد من القصائد والأسرى، ولكن لا يُمكننا في هذه العجالة أن نذكرهم جميعا رغم تميّز كلّ واحد منهم، وكذلك تميّز القصائد التي يُهديها إليهم.
خاتمة
قلنا إنّه كما لكلّ أسير زنزانته لدى السجّان، كذلك لكلّ أسير قصيدته لدى الشاعر عبد الناصر صالح. فهو سليل المقاومة الذي تعمّد في سجون الاحتلال. وفي ديوانه الأخير، "لا بدّ من حيفا"، يعي الشاعر أن الكتابة عامّة، وكتابة القصيدة بشكل خاصّ، هي طريق للتّحرّر وملاذ للخلاص، لذلك لم يجعل القصيدة سجنا لرفاقه، ولهذا لم يجمعهم في قصيدة واحدة، بل خصّ كلّ واحد منهم بقصيدة، لا لتُصبح القصيدة زنزانة انفراديّة له، فهو يعي خطورة تلك الدلالة، بل لتُصبح القصيدة رمزا للانعتاق من قيود الاحتلال وقضبان سجونه، وفي الوقت نفسه شعلة للأمل والانطلاق معا نحو حيفا التي لا بدّ منها لكي تكتمل لوحة الفسيفساء الفلسطينية، أو فلسطين المزهرة كما جاء في الإهداء.
-----
. محمد هيبي، الواقع العربي وأثره في الشعر الفلسطينيّ، الشاعر عبد الناصر صالح نموذجا، رام الله: منشورات وزارة الثقافة الفلسطينيّة، 2021.
. عبد الناصر صالح، داخل اللحظة الحاسمة، باقة الغربية: منشورات اليسار، 1981.
. إبراهيم طه، الجفراويّة، وجهة الشعر عند مفلح الطبعوني!"، حيفا: "الاتّحاد"، ملحق الجمعة، 30/9/2022. ص 8-9 و13.
. المصدر السابق.
. المصدر السابق.



.png)

.png)






.png)

