الصراع الطبقي في البيئة الجغرافية عامل حاسم في تطوّر المجتمع الإنساني | د. خليل اندراوس

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

النظرية الماركسية تؤكد بأنّ عملية الانتاج وعلاقات الانتاج لا تتم إلّا مع توفّر شروط طبيعية محددة، مثل البيئة الجغرافية والسكان، فالمجتمع الانساني جزء منفرد ولكنه متفاعل بشكل جدلي مع الطبيعة.

فالموضوع الأساسي في المادية التاريخية هو إيضاح وشرح الطبيعة الجدلية الديالكتيكية في التشكيلة الاجتماعية- الاقتصادية، والتي تستند إلى أسلوب محدد تاريخيًا لإنتاج الخيرات المادية. وهذا الموضوع الذي اكتشفه ماركس ساعد على صياغة الفهم المادي للتاريخ كنظرية شاملة علمية متكاملة. وكل التطور التاريخي للمجتمع الانساني اللاحق أكد ويؤكد مصداقيتها.

ومنذ أن تم التوصل إلى هذا الاكتشاف العلمي العظيم، من قبل المعلمين العظيمين كارل ماركس وفريدريك انجلز، ألا وهو نظرية المادية التاريخية: الفهم المادي للتاريخ، مرّت فترة زمنية طولها أكثر من قرن ونصف القرن، وهذه الفترة الزمنية كانت طافحة بالأحداث والتطورات التاريخية والأحداث الجسيمة والتي أثرت على مصائر جميع الشعوب وكل الانسانية، وكل التطور التاريخي للمجتمع الانساني هو تأكيد على صحة النظرية الماركسية. فالنظرية الماركسية، لم يفت أوانها، كما يدعي منظرو ومفكرو وفلاسفة رأس المال بل على العكس من خلال التجربة الانسانية والأحداث والتطورات في وقتنا الحاضر تكسبها المزيد من الحيوية والمصداقية وهي الخط الأحمر لا بل الضوء والنور أمام الجماهير الكادحة، لا بل كل الإنسانية التقدمية، في طريقها من أجل التقدم والمساواة والسلام وسعادة الانسان والانسانية.

والفهم المادي للتاريخ كما طرحه ماركس وانجلز يعني بشكل موجز وتلخيصي يقول أوّلًا: بأن سير التاريخ هو عملية طبيعية موضوعية تجري بدون تدخل من قبل أية قوى غيبية خارقة للطبيعة، بل يقوم بها الناس أنفسهم.

ثانيًا: الناس يصنعون التاريخ ليس على هواهم وبالانطلاق من رغباتهم فقط، بل على أساس تلك الظروف المادية التي تنشأ في المجتمع في كل مرحلة معينة من تطوره.

ثالثًا: هذه الظروف المادية بالذات- الإنتاج المادي- هي القاعدة لمجمل بنية المجتمع وتحدد حياته الروحية وسياسته وثقافته وأخلاقه ومفاهيمه الدينية ومجمل البناء الروحي الفوقي للمجتمع. وقد عبر ماركس عن ذلك بكل دقة ووضوح في صيغته الشهيرة: "ليس وعي الناس هو الذي يعين وجودهم، بل على العكس من ذلك، وجودهم الاجتماعي هو الذي يعين وعيهم".

والمقصود بالوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي ليس ظروف الحياة والوعي الفردي لشخص ما، بل المقصود المجتمع ككل، والجماعات الكبيرة من الناس والتي تُكون الطبقات وشتى الفئات الاجتماعية. ولكن لا بد أو نؤكد بأن المجتمع الانساني، مع كونه جزءًا منفردًا من الطبيعة، لا يمكن فصله عن باقي الطبيعة، وهو دائمًا في تفاعل جدلي معها. والجزء من الطبيعة الذي يتفاعل مع المجتمع بأكبر قدر من الثقة، والذي يؤثر على المجتمع، ويتأثر به، يسمى بالبيئة الجغرافية.

وتشمل البيئة الجغرافية المناخ والتربة والأرض والأنهار والبحار والنبات وسهولة المواصلات والحيوانات والتضاريس والمعادن الخ... . وهي شرط ضروري لنشاط الانسان الانتاجي، كما أنها شرط ضروري لحياة المجتمع المادي، وهنا يجب أن نؤكد بأن البيئة الجغرافية تُؤثر تأثيرًا مزدوجًا على نمو المجتمع وتطوره. فالظروف الطبيعية المؤاتية مثلًا، وجود معادن، نفط، غابات، أنهار، مناخ صحي الخ، تسهل وتساعد على عملية تطور المجتمع. مثال على ذلك سهولة استخراج الفحم الحجري في انجلترا ساعد على نمو الصناعة في بداية النهضة الصناعية، ووجود النفط في بعض الدول العربية ساعد على نمو اقتصادها.

أما الظروف الطبيعية البيئية الجغرافية غير المؤاتية أو غير المناسبة، مثل وجود الصحراء، أو المناخ الجاف الذي يعيق تطور الزراعة، أو افتقار المعادن الذي يعيق الصناعة، كل هذه الظروف تعيق وتعرقل نمو منطقة من المناطق أو دول وبلاد معينة.

ولكن من وجهة نظر ماركسية، تأثير البيئة لا يعتبر نهائيًا أو مبرمًا أو محددًا مطلقًا لنمو المجتمع، وذلك لأن التغييرات والتطور في المجتمع يتم بصورة أسرع وبشكل حاسم وأوضح بالمقارنة مع التغييرات في البيئة الجغرافية.

فالبيئة الجغرافية مثلًا في العديد من المناطق لم تتغير بشكل جذري وخاصة في أوروبا، بينما عرفت أوروبا خلال ثلاثة آلاف سنة أربعة أنظمة اجتماعية أو تشكيلات اجتماعية اقتصادية مختلفة وهي نظام المشاعية البدائي، نظام الرق أو العبودية، النظام الاقطاعي والنظام الرأسمالي. فالمجتمع الذي يتعرض لتأثير الطبيعة، يمارس بدوره تأثيرًا فعالًا عليها والمجتمع بتحويله بعض نواحي الطبيعة، واخضاعها لاحتياجاته، انما يعجّل في تطور بعض العمليات الطبيعية ويغيرها أحيانًا سلبًا وأحيانًا ايجابًا.

فمثلا الرأسمالية القائمة على التبادل الحر حولت حقول القمح الانجليزية إلى مراع للقطعان وكذلك قضت الرأسمالية على الغابات في بعض النواحي في أوروبا وهذا ما حصل في غابات الامازون في البرازيل، والتطور التكنولوجي الرأسمالي والذي يسعى فقط إلى الربح، بدون الأخذ بعين الاعتبار التأثيرات السلبية على المناخ والبيئة ادى إلى عملية "الاحتباس الحراري" الذي تعاني منه كل الانسانية والكرة الارضية.

ففي النهاية، درجة تأثير المجتمع الانساني في البيئة الجغرافية رهن في آخر المطاف بطابع النظام الاجتماعي- الاقتصادي وبمستوى تطور عملية الانتاج والتكنيك والعلم.

ولذلك "الاحتباس الحراري" يحدث الآن نتيجة التطور التكنيكي والصناعي ولم يحدث مثلاً خلال فترة النظام، ومثال آخر حيث قضت الصين ليس بالكامل على مصائب الفيضانات بإقامة عشرات السدود ومشاريع الري وتحويل مجاري الأنهار.

كل هذه الأمثلة تنفي رأي ممثلي الاتجاه الجغرافي لعلم الاجتماع الرأسمالي من حيث المبالغة في دور البيئة معتقدين أن التطور الاجتماعي رهن إمّا بالبيئة الجغرافية وإمّا ببعض عناصرها مثل المناخ، وجود الأنهار أو غيرها من العوامل.

فممثلو الطبقة الرجعية وأصحاب رأس المال المالي والعسكري الصناعي يرون بالبيئة الجغرافية كعامل حاسم في تطور المجتمع الانساني، من أجل التخلص من مسؤولياتها عن المصائب العامة التي تواجه الانسانية من فقر وجوع ومرض ونقص مياه الشرب والاحتباس الحراري وغيرها من المشاكل والقضايا والمآسي الانسانية في عصرنا الحاضر.

فأصحاب الاتجاه الجغرافي في الفكر الاجتماعي الرأسمالي لا يدركون لا بل يرفضون الاعتراف بأنّ المجتمع الانساني الذي يتعرض لتأثير البيئة الجغرافية، يمارس بدوره تأثيرًا فعالاً عليها، وأنّ المجتمع بتحويله بعض النواحي الطبيعية- البيئية الجغرافية ويخضعها لاحتياجاته، انما يعجّل في تطور بعض العمليات الطبيعية البيئية ويغيرها.

ولكن يجب أن نؤكد بأنّ تأثير المجتمع في البيئة الجغرافية رهن في آخر المطاف بطابع النظام الاجتماعي وبمستوى تطور الانتاج والتكنيك والعلم ورهن بعلاقات الانتاج ورهن بشكل ملكية وسائل الانتاج.

فالملكية الخاصة لوسائل الانتاج والتي تسعى بالأساس إلى الربح وزيادة الاستهلاك، تؤثر سلبا على العديد من النواحي في الطبيعة والبيئة الجغرافية، ومثال على ذلك إبادة غابات الامازون في البرازيل، والتصحر والاحتباس الحراري وغيرها.

وفقط الملكية العامة لوسائل الانتاج تخلق الظروف المؤاتية للتأثير الايجابي وفقط الايجابي على الطبيعة والبيئة الجغرافية ولأنها تأخذ بعين الاعتبار مصلحة الشعوب والإنسانية جمعاء.

وكل من يسعى إلى إخفاء العامل الحقيقي في التطور الاجتماعي ويفسر التاريخ بواسطة "البيئة الجغرافية" أو "الطبيعة" هدفه الأساسي تبرير همجية عولمة السوق الحرة، العولمة المتوحشة ضد الانسان والانسانية وضد الطبيعة والبيئة الجغرافية، وتجميل عولمة الفقر، وأزلية "الحضارة" أو "المدنية الغربية" الرأسمالية وشكلها الاستعماري غير المباشر الجديد، مقابل أو المتعارضة مع الشرق وتبرير استراتيجية الحرب الشاملة على الارهاب.

"فالبيئة الجغرافية" أو "الطبيعة" ليست العامل الحاسم في تطور المجتمع الانساني، رغم أنها شرط ضروري للحياة الاجتماعية ورغم أنها قادرة على حفز أو تأخير التطور الاجتماعي، وتبقى الحياة المادية للمجتمع من وسائل الانتاج وعلاقات الانتاج والطبيعة الجدلية بين قوى ووسائل الانتاج وعلاقات الانتاج، داخل التشكيلة الاجتماعية – الاقتصادية للمجتمع، والصراع الطبقي داخل هذه التشكيلة هي العامل الحاسم في تطوّر المجتمع الانساني.

 

مراجع:

 

1- أصول الفلسفة الماركسية: جورج بوليتزر، جي ميس، موريس نافين- تعريب شعبان بركات.

2- أسس الفلسفة الماركسية- أفانا سيف.

3- مبادئ الاقتصاد السياسي- ايلين وموتيليف- دار التقدم موسكو 1987

4- ملامح المستقبل- بغاثوريا.

 

 

 

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين