لا أضيف حرفًا أو كلمةً إذا قلت انّك أديب كبير وقاصّ بارز وروائيّ هامّ، وأنّك الكاتب الشّيوعيّ الماركسيّ اللينينيّ المتمسّك بأسنانه بكتابيّ "رأس المال" و "ما العمل؟" على الرّغم من تهاوي العمارة الّتي كانت ظهرنا وحلمنا وفجرنا.
ولا أضيف مقطعًا أو عبارة إذا قلت انّك عربيّ فلسطينيّ وطنيّ منذ نبت الزغب على لحييك.
ولا أثني عليك إذا قلت انّك كاتب أمميّ إنسانيّ تعشق العربيّة بجناحيها الفصيح والدّارج وتحفظ أغانيها وموواليها منذ وقفت بساقيّ الطّفل على النّورج في بيدر أبيك، ومنذ عدوت وراء عصافير الجرمق وسمعت أغاني الحاطبات.
ولا أنافس شعراء المديح إذا قلت انّ راحتيك بقيتا نظيفتين معطّرتين بعبير أزهار الزّابود لم تلطّخهما أوراق خضراء أو صفراء أو قزحيّة.
جئت الينا من بين النّاس، من الفقراء الجياع الشّرفاء وبقيت ملتصقًا بالنّاس بلباسك وطعامك وشعر رأسك وحقيبة يدك وقلمك.
تعمدّ أبطال قصصك بشذى نبات الجرمق الّذي أبيت أن تترّجل عنه كما قلت لك في قصّتي الّتي أهديتك ايّاها قبل نصف قرن... أجل تعمدّوا بعبير أزهار الجليل هبة الله لفلسطين وبرشّات من عطر البابونج والسّريس والميرميّة والزّعتر.
ما تركت شجرة أو نبتة أو زهرة أو شوكة أو طيرًا على سفح الجرمق الّا صاحبته وخلدّته.
يا أيّها الرّفيق النقيّ الّذي ما خسر صديقًا أو رفيقًا وعرف كنه الرجال وأحبّ الجميع وأحبّوه.
يا أيّها الصّامد الثّابت الرّائي الّذي ما خاصم وما عادى بل حاور وناقش.
بدأنا مسيرتنا معًا ورضعنا من النّبع ايّاه.
أعرف أنّك كنت تحبّ الحياة والطّبيعة والورد وعين الماء والطّيور والموسيقى والمواويل والنّساء الّا أنّك كنت تحوم ولا ترد. ما زلت أذكر أيّام الغابة الحمراء، عندما كانت حمراء، وأنت تداعب وتغازل وتسرح وتمرح بين الصّبايا وأمّ هشام المرأة الصّابرة تراقبك وتبتسم وكأنّها تقول "هذا زوجي وأعرفه ينظر إلى الزّهرة ولا يضعها في مزهريته" وأمّا زوجتي أمّ عليّ فكانت تنظر اليّ وتقول لي "هكذا يتصرّف الأدباء؟" فتسمعها أمّ هشام فتقول لها: يا خيتا يا أم علي ما تخافيش هذول أدباء جماعة حكي بس.
يا خيّا ويا رفيقي ويا صديقي، في الفاتح من هذا الأسبوع من شهر آب عاد أبناء عمومتنا إلى عارهم في كفر قاسم ففضحوا المفضوح وكشفوا المكشوف مرغمين وأكّدت وثائقهم المؤكّد منذ عبر رفيقانا توفيق طوبي وماير فلنر وصديقنا لطيف دوري حقول الشّوك ووصلوا إلى نجيع الضّحايا وخاطبوا العالم.
ما عاد أبناء عمومتنا إلى عارهم في الطّنطورة ودير ياسين والدّوايمة والصّفصاف والقائمة طويلة طويلة مثل ليل السّجناء في كتسيعوت.
هذه الوثائق تؤكّد لي وللآخرين ما أردّده منذ سنوات بأنّنا ما زلنا نخوض معركة البقاء والصّمود في وطننا الجميل وما زال هؤلاء العميّ الصّمّ الاستعلائيّون يحفظون في صدورهم وعقولهم عقليّة التّرانسفير ويحزنني أنّهم يتكاثرون في هذه الأيّام ويقلقني أنّنا نتشرذم.
لو أنّنا نعيش في دولة عاديّة لقامت بعد هذه الوثائق ضجّة واجتماعات ومظاهرات بسبب ما جاء فيها ولكنّنا نعيش في دولة تتدحرج في منزلق العنصريّة.
يا أبا هشام لن يضيع نداؤنا، ولن تجفّ كلماتنا، ولن يغتال حلمنا، ما دام شعبنا حيًّا وما دام أولادنا وأحفادنا يحافظون على حرف الضّاد وعلى العلم.



.png)

.png)






.png)

