رغم تفكّك الاتّحاد السّوفيتيّ، والشّعور بالنّشوة الّذي ساد في أوساط الطّبقات الحاكمة في الدّول الامبرياليّة بعد الحرب الباردة، الّا أنّ نهاية الحرب الباردة وما ألحقته من ضرر رسمت بداية عصر جديد من "الرّأسماليّة المتهالكة" أو بالمصطلح المحبّب للجميع "العَولمة". بعد الحرب الباردة فقدت الدّول الامبرياليّة ميزتها كدول "غازية" بمعنى أنَّ مراكزها كانت مصدّرة للرّساميل.
في السّابق كان للمراكز دور نشيط في تصدير الرّساميل نحو الأطراف، اذ سمح هذا التّصدير بامتصاص الفائض النّاتج عن استغلال العمل المضاعف في الأطراف بحيث كانت الأرباح المستخرجة تفوق تدفّق الرّساميل المصدّرة. ما زالت الولايات المتحدّة تمتصّ جزءًا محترمًا من الفائض في العالم كلّه. أما الفائض الّذي تضخّه، بعناوينه الشتّى، لم يعد الموازن للتّوظيفات الانتاجيّة الّتي يموّلها وهذه هي السّمة الطّفيليّة لنمط الاشتغال هذا الّذي يشير إلى الشّيخوخة الّتي تمرّ بها الرّأسماليّة المتهالكة.
الاحتكار كمميّز للمرحلة الامبرياليّة، في هذا العصر ينقسم إلى خمسة احتكارات كما يشير سمير أمين، حيث تشكّل الاحتكارات الخمس مجتمعة، الإطار الّذي يعبر من خلاله قانون القيمة المعولمة عن نفسه، وهذه الاحتكارات كالآتي:
1. الاحتكار في ميدان التّكنولوجيا والّذي يتطلّب انفاقًا هائلًا من الدّول الغنيّة.
2. الاحتكارات العاملة في ميدان التدفّقات الماليّة ذات البعد العالميّ.
3. الاحتكارات العاملة في مجال الحصول على الموارد الطبيعيّة للأرض.
4. الاحتكارات في مجال الاتّصالات والاعلام.
5. الاحتكارات العاملة في مجال أسلحة الدّمار الشّامل.
ان أردنا أن نضع تصنيفًا لتقسيم دول العالم، ففي التّحليل الأخير سيكون هذا التّقسيم على هذا النحو: دول متقدّمة تكنولوجيًّا في مقدّمة العالم الامبرياليّ على رأسها كل من الولايات المتحدّة والمانيا واليابان، يليها دول متقدّمة صناعيًّا مثل الصّين وروسيا، ثم دول أقل شأنًا يمكن تسميتها برأسماليّة طرفيّة كتركيّا وكوريا الجنوبيّة، وأخيرًا دول لم تنجز ثورتها الاجتماعيّة في داخلها أنماط انتاج متداخلة وبقيت مرهونة بشكل كبير بالمركز الامبرياليّ وهي الدّول الّتي اعتدنا على تسميتها بدول الأطراف، ولكي نفرّق هنا فأنا أعني الدّول الّتي لم يسدّ فيها النّمط الرّأسماليّ كنمط وحيد للإنتاج.
نقطة أخيرة مهمّة أريد أن أشير إليها قبل الانتقال إلى جمهوريّة الصّين الشّعبيّة، هي أن قوّة الرّأسماليّة "المتهالكة" والنّظام الامبرياليّ الحديث يكمن في انتشاره على نطاق واسع في العالم، وأشير إلى سلسلة معلوماتيّة ممتعة في "الحوار المتمدّن" تعود لعام 2015، للباحث جاسم الزيرجاوي، عنوانها "ثورة الأمم" (ولا يصعب على القارئ هنا أن يعرف أن العنوان استعارة من الاقتصاديّ الأسكتلنديّ المشهور ادم سميث) وهي سلسلة عبارة عن حتلنة للمهتمّين بآخر احداثيّات الاقتصاد العالميّ.
أقتبس منها عدّة معلومات أراها مهمّة في هذا الصّدد:
1) النّاتج المحليّ الاجمالي العالميّ هو 73,48 تريليون دولار في عام 2014. تساهم امريكا بنسبة 22,5% من هذا النّاتج والصّين بنسبة 13,5%.
2) من بين 100 شركة عالميّة تحتكر السّوق العالميّ يوجد 47 شركة امريكيّة و8 شركات صينيّة فقط.
3) بلغت القيمة السّوقيّة الرّأسماليّة، في اسواق الاوراق الماليّة عالميًّا نحو 63,5 تريليون دولار. حصّة بورصات امريكا 30,2 تريليون دولار، ووصلت بورصات آسيا إلى 21 تريليون دولار، وبورصة اليابان أعلى بورصة في آسيا.
4) بلغت الثّروة الوطنيّة للعالم في شهر تشرين الأوّل من عام 2015 حوالي 250 تريليون دولار. حصّة الولايات المتّحدّة تساوي 85 تريليون دولار، بنسبة 34 % من اجماليّ ثروة العالم. تليها الصّين الّتي تساوي 22 تريليون دولار ما نسبته 9 % من اجماليّ ثروة العالم. تليهما اليابان ب-19 تريليون دولار، بنسبة 7% من اجماليّ ثروة العالم.
من الأرقام أعلاه نستطيع أن نرى ان مشاركة الصّين في الاقتصاد العالميّ من حيث النّاتج المحليّ تقترب كل عام من التّساوي مع الولايات المتّحدّة ومن حيث النّاتج القوميّ فقد فاقته بالفعل، ورغم أن الأرقام ان حتلنّاها بما طرأ في الخمس سنوات الاخيرة سنرى تراجعًا في الجانب الامريكيّ الامبرياليّ وتقدّمًا ملحوظًا للصّين ولكنّ المعادلة ستبقى انتشارًا أوسع للطّرف الأمريكيّ في العالم خاصّة بما يتعلّق باحتكار الثّروات العالميّة والانتشار في الأسواق.
وهنا نأتي إلى جمهوريّة الصّين الشّعبيّة، الّتي لا تأخذ حقّها في النقاشات الدّائرة، وغالبًا ما ينتهي الحديث عن جمهوريّة الصّين الشّعبيّة بقولبات جاهزة من مختلف الأطراف غالبًا وبعد واحد، فمن جانب الماويّين العقائديّين لا يرون في الصّين سوى "برجوازيّة تحريفيّة"، واللّيبراليّ يكرّر اسطوانته الببغاويّة عن الجمهوريّة الصّينيّة الـ"استبداديّة، توتاليتاريّة، ديكتاتوريّة" الخ من كلام أجوف فارغ من كل محتوى موضوعيّ.
يشهد الجميع للصّين بالقفزة الكبيرة نحو الأمام، وهذه القفزة لها عاملان أوّلهما الظّرف التّاريخيّ الّذي وجدت فيه الصّين بعد الحرب الباردة من علامات الشّيخوخة (رأسماليّة متهالكة) في المعسكر الامبرياليّ، ما سهّل على الصّين مهمّتها في التّقدم والتّنشّط، استفادة القيادة الصّينيّة من الأخطاء التّاريخيّة للاتّحاد السّوفيتيّ والتّعلّم منها ساعدهم على تجاوز العقبات البيروقراطيّة الّتي أثقلت كاهل الدّولة السّوفيتيّة.
الظّروف الّتي وجدت فيها الصّين أغنتها عن نهب الآخرين، وقامت الصّين بالبناء في حدودها وتمويل البناء الاجتماعيّ والأسواق وصناعات في دول لا تعرف الصّناعة، وموّلت البنى التّحتيّة في داخلها وأحدثت نهضة تنمويّة عظيمة لا ينكرها أحد. وفي السّنوات الاخيرة، تحديدًا بقيادة الرّئيس الحاليّ تشي بينغ، أطلقت حملة اصلاحات واسعة وتنشّطت الصّين أكثر فأكثر. ويلقي تطوّر الصّين بثقله على التوازن العالميّ بشكل ملحوظ.
التّصعيد بين الولايات المتّحدة والصّين عُرف بـ"الحرب التّجاريّة" كان محطّة بارزة في المسيرة الصّينيّة، فنقطة ضعف الصّين هي التّشابك بين اقتصادها واقتصاد الولايات المتّحدة، نجاح خطّة الحزام سيكون بمثابة رصاصة الرّحمة للدّولار واعتلاء الصّين لسّدة العرش العالميّة. حيث تقتضي الخطّة بفتح أسواق جديدة أمام الصّين، ما يعني فضّ التّشابك بين الاقتصادين الامريكيّ والصّينيّ ونفي الدّولار كعملة عالميّة وحيدة. وهنا يأتي دور المعسكر الامبرياليّ والغزو العسكريّ للدّول الّتي من المحتمل أن تتعاون مع الصّين، سواء كان غزوًا عسكريًّا مباشرًا أم حربًا بالوكالة. صراع الصّين على تسيّد العالم لا يأخذ الشقّ الاقتصاديّ فقط، ففي الجانب الأيديولوجيّ تحافظ الصّين على ثقافاتها وتراثها وتقاوم الغزو الثّقافي الاوروبيّ. وحظر الفيسبوك في الصّين على سبيل المثال جاء بسبب اعتبار القيادة الصّينيّة للفيسبوك (وهذا صحيح) ليس بمعزل عن الأيديولوجيّة الامريكيّة السّائدة.
تعرف الصين نفسها كدولة اشتراكيّة، وتحديدًا "اشتراكيّة ذات خصائص صينيّة"، وينصّ دستور الحزب الشّيوعيّ الصّينيّ على: "الحزب الشّيوعيّ الصّينيّ يتّخذ من الماركسيّة اللّينينيّة، وأفكار ماو تسي تونغ، ونظريّة دنغ شياو بينغ حول سياسة الإصلاح والانفتاح، وأفكار «التّمثيلات الثّلاثة» لجيان زيمين، وأخيراً أفكار شي جين بنغ، دليله المرشد في العمل، وهدفه النّهائي تحقيق الشّيوعيّة". فكرة "التّمثيلات الثّلاث" تقسّم المجتمع إلى ثلاث طبقات: العمّال، الفلّاحون والرّأسماليّون؛ ما يَستَتْبِع تمثيل هذه القوى وتمثيل مصالحها (ولو بِصيَغ مختلفة داخل مؤسّسات الدّولة) وكذلك في الحزب. فما هي هوية الصّين هل هي اشتراكيّة أم رأسماليّة؟ وهنا لا اقصد الجانب الاقتصاديّ فقط بل تشكيلة اجتماعيّة-اقتصاديّة كاملة. عندما نعاين الحال التي وصل اليها الحزب الشّيوعي الصّينيّ نجد أن نسبة البرجوازيّين داخل الحزب مرتفعة ولكنّ تركيبة الحزب ما تزال بمعظمها عماليّة، وهذا من شأنه أن يزيد الأمور تعقيدًا بالنّسبة للمهتمّ بإعطاء تحليل علميّ للصّين وحزبها الشّيوعيّ الحاكم.
يلاحظ القارئ أنني لا أعطي الصين صفة الاشتراكيّة ولا الرّأسماليّة، وكحدّ أقصى لا أملك مشكلة بتسميتها بدولة رأسماليّة، ولكنّني أرفض نعتها بالدّولة "الامبرياليّة" لما في هذا القول من ضحالة وسطحيّة وتفاهة. وأميل لتسمية الصّين ب"نمط انتاج صينيّ" يخصّ ظروف الصّين، نمط انتاج اهمّ سِماتِهِ أنّه يقاد مباشرة من طرف سلطة الدّولة، الحزب الشّيوعيّ في هذه الحالة، والّذي يسيطر على القِطاعين العام الخاص مباشرة، قوّة العمل ما زالت سلعة، فائض القيمة يذهب للقطاع العام وتنميته، وليس لمجموعة من الرّأسماليّين فنراه لا يستوفي الشّروط الأساسيّة لنعته بالاشتراكيّة ولا تبدو لي مقولة "رأسماليّ" كذلك مقنعة في ظلّ انتفاء بعض الشّروط الأساسيّة لقيام نمط انتاج رأسماليّ على شاكلة الرّأسماليّات الكلاسيكيّة الغربيّة، وأنصح الجميع بتجنّب مقولات "اقتصاد خليط بين الاثنين" والسّعي لفهم الأمور علميًّا من خلال اكتشاف القوانين الّتي تحكم تطوّر المجتمعات.
.jpeg)


.png)

.png)






.png)

