قصة قصيرة
فتحت عيني والبقرات والماعز والخراف، وقن الدجاج في ساحة بيتنا، وعلى خوار البقر وثغاء الماعز وزقزقة العصافير ونهيق الحمير، ونباح كلب الحراسة وهديل الحمام.
كنت أصحو من نومي، فرحة مرحة، وكانت والدتي تقدم لي الحليب الطازج من توه حلبته من الماعز أو البقر، وكانت تضع لنا معه أحيانا فتيت الخبز.
وكلما كبرت كانت تلقي عليَّ مهام مناسبة، في البداية ناوليني الملعقة، أو أي وعاء مناسب لجيلي، وكنت سعيدة جدا بهذه الحياة خاصة وأنا أتعرف على الحيوانات البيتية والطيور الأليفة.
عندما كبرت وبدأت الذهاب للمدرسة كنت متميزة كوني أعرف المحيط القريب:
فعندما حدثتنا المعلمة عن الأرنب الذكي، كنت أعرف الأرنب عن قرب وأفهم جيدا عندما تقول المعلمة: يأكل القرنبيط، فأنا من بين كل الطالبات والطلاب كنت أرى ذلك بأم عيني وأشاهده في بيتي، وكان أحمد جارنا الذي كان يأتي لبيتنا بين الفينة والأخرى لنلعب معا كان هو أيضا يعرف معظم ما أعرفه وكان يجيب عن بعض الأسئلة كما كنت أجيب.
ومع تقدمي في السِّن والصفوف بدأت أنا وأحمد نشعر بالقربى مع أنه من عائلة أخرى، ولكن الجيرة كانت سببا أيضا في تقربنا من بعضنا البعض، وكنا أحيانا نداعب الحيوانات البيتية معا.
نلعب معا بيت بيوت، ونأخذ أدوارا كما كل الأطفال أنا العروس وهو العريس أنا ربة البيت وهو رب البيت، تماما نقلد من حولنا، جاءت جدته مرة ونحن نقف جنبا إلى جنب وقالت له: ولك أحمد دير بالك على بنات الناس والله .... والله إذا عملت شيء عاطل معها.
لم نفهم كل شيء، ولكنني ذَوَّتُ هذه الكلمات: لا تعمل عاطل معها والله والله!!!
وَكُنتُ أسأل نفسي: أحمد جار جيد ما هو العاطل الذي يمكنه أن يعملهُ معي؟ لم أفهم جدته جيدا، ولكنَّ كلماتها بقيت تهدهد في داخلي...
كبرنا وكان من نصيبي أن أبي كان واعيا فرغم معارضة أعمامي سافرتُ للتعليم في الناصرة في الثانوية، من ثانويات المدارس الخاصة، كنّا نبيت في المدرسة، طالبات من كل أنحاء البلاد من المثلث والجليل، لأول مرة أعرف وأتعرف على كلمات "راهبة"، "راهب"، "أبونا".
عوملنا معاملة حسنة، وعرفت بلدانا أخرى فهذه من الرينة وتلكم من أم الفحم وأخرى من طمرة وأخرى من المشهد وخامسة من كفر كنا ... الخ.
مع كل الأجواء الجديدة والغريبة عنّي إلى حد بعيد، ولكنني افتقدت أحمد الجار وابن الصف بالأساس فقد تربينا معا ... لعبنا معا ... وأحيانا تنازعنا على لعبة أو من غلب في إحدى الألعاب، كان يمثل مربع طفولتي البريئة والجميلة.
وسافر هو أيضا للتعليم الثانوي ولكن في بلدة أخرى، بعيدة عن الناصرة.. وعزَّ اللقاء. فاستبدلنا ذلك بالمراسلة بالبريد إذ لم تكن التكنولوجيا الحديثة قائمة، لم يكن بعد النقّال، والواتس أب ولا السلفي.
هل مراسلة أحمد كانت تعني لي التشبث بالبيت والحي الذي عشت فيهِ، أم أنها تشبث بأحمد الذي كنت أنظر إليه حتى تلك اللحظات الصديق والجار والونيس، دون أي اعتبارات أخرى، أم أنه الأنيس في ساعات فراغي أو تفكيري خارج إطار المدرسة، لم أستطع تحديد هذا السلوك وأسبابه جيدا، كل ما كنت أشعر به أنني أرتاح عندما أكتب له، وأكادُ أطيرُ فرحا عندما أتلقى رسالة منه.
كنا أنا وهو نرغب بالنجاح هو يبشرني أنه من أوائل الطلبة وأنا أبشره كذلك أنني من أوائل الطالبات، عندما نعود للبيت لم نستطع اللعب كما كنا ولا حتى أن نلتقي بيننا فأمي بدأت تنهاني حتى أن أنظر إلى بيتهم، أو أحاول الحديث معه، وكانت تقول تعيد وتكرر: لقد كبرت ولم تعودي صغيرة والحديث مع الشباب يضعكِ في دائرة الخطر، ألم تدركي لماذا وضعناك في مدرسة للبنات، ولولا والدك وإصراره على تعليمك لما علمناك، المرأة ربة بيت وكفى ... المرأة تربي عيالها.. ونحن عائلة محترمة، لا نريدك أن تتكلمي مع أحمد.
كانت هذه الكلمات توجعني وتقطع أوصالي فكيف أبتعد مع من عشت معه طفولتي، وها هو في الثانوية مثلي، بدأت نوعا ما أكره كلمات أمي وزجرها لي كلما نظرت لبيتهم وحاولت حتى الحديث مع أهله.
ماذا حدث؟ لماذا كل هذا التزمت؟
أحمد شاب أصيل لم يطلب مني طلبا يغضب أحدا كلما كان بيننا ميل عارم للحديث معا للسؤال عن تقدمنا العلمي، كان من جهة معينة كوالدي يريد أن أنجح أن أتفوق، وانا كنت أبثه ذلك، كنت أرتاح لكل كلمة يكتبها لي وتصلني للناصرة، أصبح البريد هو مكان لقيانا بواسطة الرسائل، أما البيت: فكانت كلمات أمي ... تغيظني لقد كبرت، ابتعدي عن الشباب فيهم أولاد حرام، والبنت لبيتها، في بعيلتنا كثير شباب طيبين وناجحين، عيلتنا كبيرة ومتعلمين كثير، لا تنسي الكل عنده أرض والكل وضعه مليح؟
لم أكن أفكر كثيرا بهذه الكلمات كلما كان يشغلني نجاحي ونجاح جاري أحمد، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أنهيت فيه مدرستي الثانوية في مدرسة البنات في الناصرة، وأنهى أحمد تعليمه بنجاح في مدرسته. واحتفلنا كل في مدرسته، وطموحنا كبير في أن نتعلم الطب، فلم يكن في بلدتنا أطباء حتى ذلك الحين، وكان هذا حلمنا الأسمى.
بعد شهر من إنهائي الصف الثاني عشر وإذا بوالدتي تفاتحني بأن ابن عمي التاجر الناجح وهو من أعيان البلد ويكبرني بعشر سنوات يطلب يدي؟ ماذا تقولين؟ أنا لا أريد الزواج أريد أن أتعلم!!!
- شو تتعلمي أي ما أبوك علمك؟ وشو بعد هذه الشهادة الكبيرة الآن أنا بدي أعلمك الطبيخ والنفيخ وكيف تطبخي في بيتك بكرة، البنت بيتها وبس!!!
يكاد يغمى علي وهي تتحدث هذا الحديث الذي تبدو فيه واثقة من نفسها.
وفي أحد الأيام تأتي الجاهة لوالدي المختار ومجموعة من أبناء العائلة والتاجر الذي يكبرني بعشر سنوات يطلبون يدي.
لم يكن أمامي إلا أن أهمس لأبي ألا يستعجل وآتيه من مفاهيمه.. فهو الذي كان سبب تعليمي في العائلة لأنه يحب التعليم، وقلت له أن الإسلام يطلب موافقة البنت، فلا تعدهم بشيء يخجلك، نظر إلي والدي، وكأنه عرف ما يدور في خلدي.
جاءت الجاهة ورحب بهم والدي أحسن ترحيب وقدمنا لهم ما نستطيع من واجب، وطلبت مني أمي أن أدخل وأقدم لهم الضيافة فأجبتها من مفهومها البنت لا ترى الرجال وعيب أن أقدم لهم الواجب، انت كبيرة قدمي لهم أحسن الواجبات وانا أساعدك في التحضير...!!! تنهدت أمي وكأنها عرفت ما في داخلي.
وقالت بين همس وإرادة أن أسمعها: يختي يلعن اللي بعلم بنته، والله يوم ما طلبوني لأبوها ما حدا شاورني، ولا حكى معي، بعد ما أعطاني أبوي لابن عمي قالوا لي: مبروك أعطوك لابن عمك.. ومنها ما شفته إلا يوم الدخلة، شو بدهن بنات اليوم؟
انتهى اللقاء مع الجاهة.. وغادروا المنزل ... ورأسا بادرت أمي قائلة: إن شاء الله خير إن شاء الله قريتوا (قرأتم) الفاتحة على سنة الله ورسوله؟
فقال أبي بهدوئه المعهود ونظر لي نظرة الفاهم: "إن شاء الله خير ... طلبت منهم.. أن يمهلونا لأستشير البنت والاسرة وذلك بموافقة إمام المسجد الذي توجهت إلية قائلا: يا فضيلة الشيخ حسب الدين لازم نشاور البنت ونأخذ موافقتها بتوكيلي.. فقال: معك حق، ولو أن زعيم العيلة قال: شو بدك تجيب تعليمات جديدة يا أبو مفلح من وينتا احنا بنشاور، الزلمة ما بشاور... الزلمة بقرر والكل لازم يتبعه، وأنا مرة أخرى استشهدت بالإمام الذي وافقني.
-رمت أمي بوزها وقالت: ليش في حدا شاورني لما أخذتك يا أبو مفلح، وشو نقص عليك، ربينا ولاد وبنات وبيت يا ما شاء الله، والله انت بدك تلحق الموضة؟
-اصبري يا أم مفلح إحنا مش أولاد اليوم احنا ولاد مبيرح، ولازم نوخذ هذا بعين الاعتبار ولاّ بدك نخسر الماضي والحاضر.
بعد أيام ناداني أبي لجلسة معه، واستشارني بالأمر فقلت له: لا يربطني بهذا الشاب أي شيء لا حب ولا كراهية ولا أعرفه سوى أنه تاجر ناجح وأنه من عيلتنا، والأهم أن لي برنامجا آخر غير الزواج!!!
نظرت إلى والدي نظرة المتفحص بين الاعجاب بأقوالي القاطعة وبين مفاهيمه ومفاهيم أهل البلد، وسأل: ما هو برنامجك، غير الزواج؟
- قلت: التعليم العالي.
- قال: تعلمتِ، وأنت تعلمين لولا موقفي لما تعلمتِ!!
- قلت: وأريدك أن تستمر في موقفك ... سأتعلم في كلية الطب وسأكون أول طبيبة في البلدة وهذا احترام لك وخدمة لبلدي، ولك تجربة معي وقفت معي في التعليم الثانوي ولم أخذلك وقِف معي هنا وسأرفع رأسك عاليا.
سقطت دمعتان على خد والدي ورأيت تأثره الشديد ولأول مرة في وعيي أراه يضمني ويقول: ولا يهمك أثق بك. سأعتذر لهم ولو أن هذا سيكلفني في البلد وبين الأقارب، نزلت دموعي لتختلط مع دموع والدي فيها من الفرح ومن التقدير لوالدي ومن الشفقة عليه لما سيلقاه من أهل البلد وخاصة أقاربهُ.
في الصباح ذهب والدي إلى الإمام واعتذر له عن إمكانية النسب مع قريبه، وقال له: البنت يا شيخنا ما بدها والدين يمنعني أن أعطيها وهي معارضة، تفهمه الشيخ ووعده بإبلاغ أهل العريس بالصورة الحسنة بحيث لا تغيظهم، ولكنني في نفس الوقت كتبت رسالة لجاري أحمد اختصرت له ما حدث وطلبت منه أن يحضر طلبين للتسجيل في الجامعة لموضوع الطب طلبٌ لهُ وآخر لي.
ولكن أمي – سامحها الله – ومن مفاهيمها كانت تدوي في البيت، والله بنات اليوم ... بكره كيف بدي أقابل نسوان العيلة والحارة ... شاب من أنجح التجار يطلبها وهي لا تريد والله يا العلم احنا ولاد وبنات قرية مش مدينة، والّا بدها تشتغل في مستشفى الدكتور حمزة في حيفا بعرفش شو بسموه اليوم اليهود بعد النكبة ... والله يختي لا احنا بحيفا ولا في عكا.
وجلب أحمد في قادم الايّام نماذج التسجيل للجامعة وتعلمنا هناك، وفي سنواتنا الأخيرة كنا نساعد أهل القرية ببعض المفاهيم الطبية فبدأ تغير ما نحونا، وبعد أن أنهينا تعليمنا بنجاح، طلبني أحمد فجن جنون والدتي وهي تقول: حتى لو أكبر دكتور هذا مش من نسبنا؟ شو صار لك يا زلمة انجنيت هذول الي ما بيجوا لزنارك بدك تناسبهم، والله ما بصير هذا الحكي، وأبي بهدوئه يروع من ذهولها ويحاول إقناعها بأن الدنيا تغيرت وأن ما كان لم يعد صالحا لليوم وأننا يجب أن نعتز بأن لدينا ولدين طبيبين ابنتنا وابننا أحمد.
وهكذا تمت خطوبتي وتزوجت من أحمد ولكننا آلينا على أنفسنا أن نخدم البلد، وافتتحنا عيادة كل في تخصصه، ونشعر ويشعر أهالي بلدنا في الانتماء، ونحن نعتز أن العديد من المفاهيم تغيرت بسبب موقفنا هذا.
(عرعرة – المثلث).
.png)


.png)

.png)






.png)

