الطّبيعة تتحدّى الكورونا| نمر نمر

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في حديقة عبد الله المحمد المتواضعة، وإبّانَ هذا الوباء العالمي الخطير، تتحدّاهُ الطّبيعة ببساطتها وتواضعها صارخة: ليس لديّ أسلحة دمار فتّاك، لا نوويّة ولا ذرّيّة، لا طائرات مُسيّرة ولا مُؤلّلة، لا صواريخ عابرة للقارّات، لا فانتوم ولا ميج...، كلّ ما لديَّ هو أريج وعبق أزهاري وورودي الموسميّة، إلى جانب طيوري ومُجَنَّحاتي السّماويّة التي تبعث الأمل والبهجة في النّفوس البشريّة، بعد الحَجْر القسري في البيوت والمجالات الخاصّة، حتّى تنقشع هذه البلوى الفتّاكة.

نتخطّى كافّة الحواجز والعوائق التي تقف أحياناً بين أبناء البشريّة، لنرفعها صلاةً واحدةً لِأبناء المعمورة الكونيّة كافّةً، دون فرق في: الدّين، المذهب، الانتماء، القوميّة، العِرْق والّلون، عسى أن يُبعد الله تعالى عن جميع مخلوقاته هذا الوباء المُتفشّي، ولتعود حياة الجميع، بِأهْدأ بال وأسعد حال، بعد أن غفل الرّؤساء والملوك والأمراء والعلماء منشغلين بصناعة أسلحة الدّمار الكامل، وجني الأرباح على رقاب العباد.

 هذه هي الطّبيعة تتحدّى وتُغدق علينا بأجمل ما عندها من أزهار، ورود ورياحين عَبِقَةٍ شَذِيّةٍ، لِتُبْعِدَ هذا الشّبح المخيف عنّ جميعاً، كلمات أقَلُّ وصُور أكثر على النّحو التّالي:

1)أنا دلّوعة الجرمق الأبِيّ: ا لزنبقة النّادرة، ويعرّفونني ظلماً باسم كفّ الدّب.

2) أنا أصغر أزهار البرقوق الحمراء حجماً، اسمي عين البقرة، مين بْيِسْتَرْجي يْقول للبقرة: ليش عينِكْ حمرا!

3) أنا شقيقة النّعمان، بِعِدّة ألوان، أسبق كافّة شقيقاتي إزْهاراَ.

4)أنا البرقوقة الحمراء، أكبر حجماً من الشّقيقة، لكنّها تسبقني إزهاراً، لاحظوا الفرق بيننا في داخل الأوراق التُوَيْجيّة.

5) وأنا الخشخاش الإجاصي، أملأ الحقول بدون مِنّة من أحد.

6) أنا الفْريزة، لا عِطْر يُضاهي عِطري، وألواني مُتعدّدة.

7) أنا السّوسنة البيضاء، وإن شِئتُم : بخّور مريم، شذايَ أعْبَقُ من الفريزا الدّخيلة.

8) وأنا السّوسنة الأكبر، رغم أنّني لا أملك عبيراً.

9)وانبرى الزّعتر الفارسي بطعمه وزهره المعهودَيْن، أنا هنا لن يتجاهلني أحد، ويّاكم، جرّبتموني فعرفتموني، إسألوا مْجَرِّب عن وصفاتي ولا تسألوا حكيماً!

10)وصاحَت الزّوفا: إيّاكُم أن تنسَوا فضلي في طعم الشّاي، اسألوا أجدادكم عن قيمتي ونكهتي، كلّما غليتموني، كلّما طابت نكهتي واحمرّ لوني!

 وتتزاحم النّباتات في الحديقة، كلٌّ منها يريد أن يُثبت وجوده وقيمته المُميّزة، يُهدّئ عبدالله من روعها جميعا: لا عليكم! لقد دوّنتكم تدوينا أبْتَثِيّا وفصائلكم، الحديقة الخاصّة تُصبح عامّة في هذه الفترة العصيبة، جاد المولى بما عنده من البقليّات (السْليقَة على السَّليقة)، لا حاجة للاصطفاف بالدّور، بيت الضّيق بيوسع مية صّديقّ، كلّهُ مجّاناً: عِلْت/هندبا، شومر، زعتر، دردار، سْنَبيخة، قُرص العسل، الشُّحّيمة، السّنّيرة، نعنع الوادي، قُرص عنّة، الحُمّيض، الكُرّاث، الكِلْخ و غيره الكثير الكثير من لَدُنِهِ تعالى وتبارك، الحديقة مفتوحة والنّاس طيّبون، يكتفي كلّ منهم بوجبة واحدة، إذا كان صاحبك عسل لا تلحسو كلّو! الْعين بْتِشْبَع مِشّ البَطِن! إفْطَن وْخلّي لغيرك يا خي/أختي! وتنهال الدّعوات بالخير على أم عبد الله وقرينها والأسرة، لا شكر على واجب، يجود علينا الخَيّرون/ الطّبيعة بمالهم، ونحن بما للطبيعة نجود! ما فيه جود إلاّ من الموجود، خير الله حَبطْرَش.

 ينهض عبد الله باكراً، قبل ما ينعرف الكلب من الذّيب، طبقاً لساعته البيولوجيّة، وعلى ألحان وأشجان الحسّاسين والبلابل العنادل، زقزقة الشّحارير الحَذِرَة/النِّكْحَة/، اليمام والورقاوات، مجنّحات اختفت خلال العقود الخالية، وإذا بها تعود من خلف الحدود، لِتُسَلّينا وتُؤنسنا في وحشتنا وعزلتنا القهريّة.

-أنا الحْنيني الوِسْت الوِسْت، الفَخِذ منّي بِتَلّي الدِّسْت!، أرسلني الملاك لإحضار عصا له، مع مواصفات خاصّة، لا هي قصيرة ولا هي طويلة، لا غليظة ولا رفيعة، لا ثقيلة ولا خفيفة، لا عوجة ولا حَدْبا، لا خضرا ولا يابسة... أطوف بين الأشجار متنقّلاً من فَنَنٍ إلى فنن، أبحث عن ضالّتي المنشودة، أتَمايَزُ كُلّ عصا وأخرى، ولا تُناسبني جميعها، وأقول بصوت مسموع : تْسُؤ! تْسُؤْ! يعني: لَأ لَأ هذه غير ملائمة للملاك! أنا وذريّتي ونسلي وأبناء جنسي ما زلنا منشغلين في البحث عن هذه العصا السّحريّة، وهي لِمَن عَصى، وما أكثر العُصاة في زمننا الرّديء هذا.

-أنا العصفور الأسود الرّأس، ويُلقّبني البعض (الخوري).

-أنا الأحمر رأس، ويلقّبني البعض (الخطيبي)، وأتآخى مع زميلي بوئام وانسجام تامّ، وهذا وسام محبّة لنا كرسولَي سلام ووئام بين الجميع.

-أنا صديقكم الدّوري(الدّويري)، وأنا الذّعْرة(جقّارة الحرّاث)، وأنا الزّرعي، وأنا الصّفّير، وأنا الخُضّير، وأنا خدود البنات، وأنا الحُمّرة، وأنا القُبّرة، وأنا الهدهد، وأنا أبو زريق، وأنا صديقكم (أبو نُقّر) الذي ينقر السّوق للبحث عن (أبو هارون)، كي أخلّصكم من عدوانه على أشجاركم .

 حتّى السّلحفاة المعمّرة (القُرقيعة) وجدت طريقها إلى الحديقة التي تحتوي ما لذّ وطاب من الخضروات الورقيّة على مدار السّنة، نْبِشٌ حول العروق والجذور، تُفَعْفل وتنعف لتنويع طعامها، كأنّها خبيرة أغذية ونحافة تالي الزّمن.

 تسابقني المجنّحات على بواكير الثّمار: توت أرضي، وآخر شجري متعدّد الأصناف وعُلّيق وخوخ ودافور التّين والخوخ، أنا لا أنافسها، أكتفي بفضلاتها من نواقيرَ وبواكير، وأضع لها قواريرَ الماء لتشرب على فيّالها، مَيّ وْفَيّ، من كيس غيرك يا مْذَرّي ذّرّي! صاحب الحديقة يأتنس بنا أكثر ممّا نأتنس به! شحّاد وْبِعْمَل شروط! نستغلُ بساطَتَهُ، ولا يستغل ضعفنا.

 يكفيني منها أنّها تعزف لي فجراً، صباحاً وضُحىً وعَشِيّةً أرقى المعزوفات العالميّة من الفصول الأربعة، كارمينا يورنا، هلّلويا، إلى باخ وهاندل، بتهوفن، تشايكوفسكي، موزارت، فيفالدي، وتطول قائمة العازفين والمعزوفات، الغربيّة والشّرقيّة، أوركسترا، تخت، عود، كمان، شُبّابة، يرغول، ربابة، فيفرا، دفّ صنوج، كلّ يسرح ويمرح ويغنّي على ليلاه!، وْكلْ مين براسو موّال يُغنّيه على فيّاله، دون حرج أو مرج، أحِبّ عيشة الحُرّيّة، طيور الجنّة، زرافات وأسراب وأفراد، مُتّسَع للجميع..، أعْطِني حُرّيّتي، أطْلِقْ يَدَيَّ!

رُقْعِة الثّوب مِنّو وْفيه، والّلي بيشلح ثيابو بِعْرى! حكي قرايا وحكي سرايا!تعزف المجنّحات ما يُطابق معزوفات فنّانينا مع فريد الأطرش وبساط ريحه وروائعه: الرّبيع، ليلى، زمرّدة، لحن الخلود، توتة، حبيب العمر، رقصة الجمال، يا زهرة في خيالي، كهرمانة...

وتنتظرنا معزوفات عبد الوهّاب: غَزّل البنات، أنا وحبيبي، لسْتُ أدري، الجُندول، الكرنك، كليوباترة....

 ولن ننسى عطاء الأخوَين رحباني: شطّ اسكندريّة، أجراس العودة، زهرة المدائن، أيّام الصّيفيّة، مرسال المراسيل، باكْتب اسمك يا حبيبي، نسّم علينا الهوى، شَتّي يا دنيا، شدو الطّيور يتجانس مع أرقى الألحان البشريّة، الفرقة الماسيّة لِأحمد فؤاد حسن مع هديل اليمام والحمام، وأنغام فلمون وهبي مع زقزقة الشحارير، لارْكَب حدّك يالموتور، واشوف وضحة تسرح بالغنمات، طَلْ الصِباح لَكْ علّوش، سبقونا الحصّادة، جيب المنجِل والمنكوش والحقني بالزّوّادة! كل سرب يقدّم وصلته، دون مسابقة أو مُدافشة، غنّيلي شْوَيّ شْوَيّ، غنّيلي وْخوذ عينَيّ!

 أمر غريب عجيب، الله ما بِبْلي غير تَيْعين، ومَن اتّكل على مولاه ما خاب رجاه! مع شيء من الحذر والانتباه والقطران، كما قال الفاروق للأعراب مع إبْلهم الجرباء، حيث الصّلاة وحدها لم تنفع، إن لم نُقرنها بالقطران!!

قال له البعض: لعلّك تبالغ أو تسترسل في الوصف يا عبد الله، ثَخَّنْتها كثير!

-معاذ الله يا معشر الإخوان، هذا غيض من فيض، واللهُ خير الشّاهدين!

فترة عبور ما بين الشّتاء والرّبيع، وأخرى مابين الرّبيع والصّيف، والخريف على الأبواب بعد آب اللهّاب، وتقلّبات جوّيّة وسياسيّة، ضربات واجراءات اقتصاديّة، وقيود عشوائيّة، انتهاكات شخصيّة، وعدوى عَرَضيّة، وتمييزات عنصريّة، وجائحات موجيّة، وتجويعات مصيريّة، ووعود عرقوبيّة، اعتداءات منهجيّة، وقتلى وجرحى على الهويّة، وظلم ذوي القُربى بالرّعيّة، والْحاكْمَكْ لاكْمَكْ عالطّالعة والنّازلة، والإبن الشّرعي يصبح ابن الضّرّة، كلّو على عينك يا تاجر، إن شُفْتَكْ شُفْتَكْ، وانْ ما شُفْتَكْ راحت عليك! احترنا يا قرعة من وين نْبوسِك، والقرد بعين إمّو غزال، وْعيش يا كْديش تَيِطْلَع الحشيش!

 الخيّرون في مجتمعنا وبعض مؤسّساتنا، يجودون بما تسمح النّفس به للمُسنّين والعجزة، وهؤلاء نسبيّاً محظوظون، لديهم رواتب تقاعُد وتأمين وطني، وأولاد وأحفاد، يهملون همّهم في السّرّاء والضّرّاء، مستورون والحمد لله، والعثرة على العاطلين والموقوفين عن العمل، إنّهم الأجدر بالرّأفة والشّفقة والمواساة، ومن باب التّكافل الاجتماعي وحفظ الإخوان، هكذا قال عبد الله، ببساطته المعهودة! وَضّلَ صوتٌ صارخ في البرّيّة! ما عند قْريش خبر!

تباهى أحدهم أمام قريبه، أمّي حصلتْ على خمسة طرود غذائيّة مجانيّة!

-وهل أمّك بحاجة إلى هذه الطّرود، ولديها مخصّصات شهريّة دسمة مدى الحياة، ناهيك عن مخصّصات التّأمين الوطني!

-أمّي ليست بحاجة لها!

-إن كانت لديك رأفة، اذهب ووزّعها على المحتاجين، وإن كنتَ لا تعرفهم! فأنا أ بَدِلّكَ على بعضهم!

* بعض الطّيور الجارحة كالقيقان والغربان والبواشق، وما زاد الطّين بَلّة،، هوالطائر الجارح المُستَورَد، طائر المانيا يتأبّطُ شرّاً بالضّعفاء، كما البشر ببني البشر، في هذه الفوضى العارمة كَسيل العَرِم، داشورة، فَلْتة، حلّة حَبِل، تَسَيُّب واستعلاء وانتهاك حرّيّات.

*ينهض عبد الله باكراً، دغشة، ما أحلى الطّلعة بكّير والدّنيا رفوف عْصافير، والدّرب الّلي مشيناها شو إلنا عْليها مْشاوير، يملأ بعض القوارير ماء ويفرّقها في الحديقة للطيور والقطاط الضّالة، رغم أنّ هذه تَتَرَبًّصُ لِتِلْك، واللي سبق شَمّ الحبق! تشرب القطاط وتستحمّ بالأواني أو تُعَكّرها عمداً.

رغم قباحة هذه الجائحة وأضرارها على البشريّة جمعاء، إلاّ أنّها لا تخلو من السّياسة والتّسيس معاً، كان الحُقّ ناقص بُقّ إجا الإقْرع وْملاّه!

*قال له فضوليٌّ مُتسرّع: ليش حضرتك بْتُحْشُر منخارَك في كلّ إشي؟

-أنا أنتمي للأسرة البشريّة، طبقاً لحديث نبويّ عَطِر: خَمْسُ خصالٍ، مَن أتى بِهِنَّ أو بواحدة منهن، وجبتْ له الجنّة: مَن سقى هامة صادية، أو حَمَلَ قدماً حافية، أو أطعم كبداً جائعاً، أوكسا جلدة عارية، أو أعتق رقبة عانية!

 وأضاف عبد الله: سأل اعرابيٌّ الرّسولَ العدنانيّ: علّمني عملا أدخل به الجنّة!

-أطْعِمِ الطّعامَ، وَافْشِ السّلام، وَصَلِّ والنّاسُ نِيام! وقال قبله رسول المحبّة والسلام: طوبا لصانعي السّلام و......، توتة توتة، ما خِلْصِت الحدّوثة!! عليم الله! الله يحمينا من المْخَبّى بالغيم!

في الصورة: عين البقرة، أصغر أنواع البرقوق، مين بِسْتَرْحي يقول للبقرة: ليش عينِكْ حمرة!

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين