العزيز فاروق، لن أقول وداعا لأنّكَ ستكونُ معنا دائما | نبيه القاسم

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أبدع في حياته في مختلف المواضيع، وترك للمكتبة العربية كنزا ثمينا من الإبداع والمعرفة، فبالإضافة إلى إبداعه الأدبي في الشعر والقصّة والمقالة والنقد والطرفة والتحقيق والبحث شارك في وَضْع المناهج التّدريسيّة للطلاب في المدارس العربية وخاصّة المرحلة الثانوية، فقد ساهم في وضع كتب القواعد مع مجموعة من الزملاء الباحثين.

وداعا.. كلمة صعبة على النُّطق، ومرفوضة من الأذن.. وحارقة للقلب.

وداعا الكلمة التي كانت تُشعرنا بضعفنا، وتتركنا عاجزين عن التفكير والحركة، تاركين دموعنا تنساب غزيرة، وشهَقاتنا تعلو وتهبط، وعيوننا ترى ولا ترى الذي يحدث. شلل تامّ يُكبّلنا في كلّ مرّة نُضطر فيها لوداع عزيز أو رفيق درب أو صديق أثير. ونعود من مراسيم الوداع لنُحصي الذين رحلوا وخلّفونا وراءهم.

وكان أبو السيّد البروفيسور فاروق مواسي الصديق والشاعر والكاتب والنّاقد واللغوي والموسوعي النّموذج الذي نتمثّل به للإنسان الضّاحك المتفائل الواثق أنّ الحياة لن تتخلّى عن المحبّ لها المتفاني في التعلّق بها. لا يلتفت إلّا للجانب الجميل فيها، فالحياة حلوة، لماذا نُفتّش عن النّكد؟

ويضحك أبو السيّد وتجلجل ضحكتُه في المكان، ويسود الفرح وتُشرق الوجوه.

زرته في بيته وزارني في بيتي وشاركتُه في العديد من الندوات الأدبية، والمؤتمرات، ومناسبات الأفراح، والاجتماعات المختلفة. وفي كلّ منها كان أبو السيّد سيّد الحضور بتَنقلّه بين هذا وذاك، وأخْذ الصورة التذكاريّة، وإسماع نكتة أو بيت شعر جميل، وجواب على سؤال، وطبعا البسمة الطافحة على الوجه الباسم والضّحكة المجلجلة.

كان البروفيسور فاروق مواسي مثقفا كبيرا، واسع الاطّلاع ومتشعّب المعارف، يلم بمعظم المواضيع ومتعمّقا في الكثير منها، خاصّة بما له علاقة باللغة العربية وآدابها والحضارة الإسلاميّة.كان حسّاسا لأيّ هفوة لغويّة، لا يسكت على الخطأ ويُعلنه. كان محبّا للحياة ومتعلّقا بكلّ لحظة فرَح، إذا شارك في مناسبة فرح يتجلّى في حضوره وكلامه، وإذا شارك في مناسبة حزن لصديق أو عزيز تراه يتفتّت من الألم ويكبُت الحزن المتمرّد.

كان يريد أن يكون الشاعر والقصصيّ والناقد والمسرحيّ واللغوي والمنظّر والباحث. وقد استطاع أن يكون الرجل المثقف الذي يلمّبمختلف العلوم، وهذه الصّفة للمثقف الموسوعيّ كان بروفيسور فاروق وحدَه يستحقّها وجديرا بها، ولكنّها كانت ضارّة له من حيث لا يدري، فهذا التوسّع والتشعّب الموسوعي منَعَه من التّخصّص والتعمّق في أحد فروع الإبداع ممّا سبّب في صعوبة التّعريف به بصفة بارزة كالشعر مثلا أو النقد أو البحث، وكان هو سعيدا بهذه الشّموليّة الموسوعيّة، غافلا عن مَضارّها، فكنّا كثيرا ما نقارنه بكشاجم فيفرح ولكنه يغضب إذا أغفلنا ذكر صفة يتحلّى بها في عالم الإبداع والخَلْق.

لقد أبدع في حياته في مختلف المواضيع، وترك للمكتبة العربية كنزا ثمينا من الإبداع والمعرفة، فبالإضافة إلى إبداعه الأدبي في الشعر والقصّة والمقالة والنقد والطرفة والتحقيق والبحث شارك في وَضْع المناهج التّدريسيّة للطلاب في المدارس العربية وخاصّة المرحلة الثانوية، فقد ساهم في وضع كتب القواعد مع مجموعة من الزملاء الباحثين. كما وعلى مَدار السّنين كان من واضعي ومُقرّري منهج المواد الأدبيّة للمرحلة الثانويّة. ومن أعماله التي أفادت، ليس الطلاب فقط وإنّما المعلّمين أيضا، كتابه "الجنى في النثر الحديث" وكتابه الثاني"الجنى في الشعر الحديث" للمرحلة الثانوية ، وقد كان كتابه هذا في الشعر والثاني في النثر المساعدين والمعينين الملازمَين لمعظم مُعلّمي الأدب العربي في المرحلة الثانوية رغم مُكابرة البعض منهم ورفضهم الاعتراف بذلك. فقد كان عمله هذا موسوعة في حقول الأدب والبحث والتّحليل وتقريب المصطلحات الأدبية وتقديمها بمنتهى السّلاسة لطالبها إذا كان معلّما أو طالبا.

ويتصل أبو السيّد ليسأل عن الصحّة والمشاغل، ويطلب أنْ أزوّدَه بآخر كتابين صدرا لي لم يحصل عليهما بعد. وأفاجأ بخبر نَقْل أبي السيّد إلى المستشفى وأتمنّى له السّلامة والعودة السّريعة للبيت والعائلة. ولكن يصرعني الخبرُ الأليم أنّ البروفيسور فاروق فارق الحياة!

هكذا سريعا.. وبهدوء يترك الحياةَ لمعذَّبيها ويرحل إلى حيث الرحمن. وأستمع إليه، وقد فارق الحياة، وهو يبتهلُ للخالق أنْ يبُعدَ خطرَ فيروس الكورونا عن الناس رحمة بهم. وأبتهل معه للرّب كي يأخذ بيده ويُسكنَه فسيحَ جنانه، فالعزيزُ أبو السيد من أحقّ الوافدين إلى رحمة الرحمن .

أستمع إلى ابتهاله وتسحّ الدّموع ساكنة مُنسابة، لقد ذهب فاروق وتركنا لمتابعة درب الشّقاء وانتظار السّاعة وهَدْأة الجسَد وانطلاق الرّوح وتحرّرها من قَيْد الجسَد.

العزيز فاروق.. يا أبا السيّد كما كنتَ تستطيبُ أن نُناديك، لن أقول لك وداعا لأنّك ستظلّ معنا، في جلساتنا وذكرياتنا ونكاتنا وندواتنا وأحاديثنا، وستظلّ بسمتُك ووجهُك الضّاحك ماثلا ، وضحكتك المجلجلة لن يخبو صداها.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين