العنف وتعدّد أسبابه في الحاضر والتاريخ| د. فؤاد خطيب

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

العنف ظاهرة سيكولوجية فردية أو مجتمعية اذ يمكننا أن نصف فردا واحدا بأنه   عنيف ويمكننا أن نوصف مجتمعا بأنّه عنيف كذلك، أي أن العنف تخطى الفعل الفردي وأصبح حالة مجتمعية كما هو حاصل في مجتمعنا اليوم. 

نقصد بالسيكولوجية المرضية، عصابًا مرضيًا ناتجًا عن ظروف بيئية اقتصادية   وسياسية واجتماعية غير صحية لتطور الأفراد ومن ثم المجتمعات ولا نقول أنها حالة باثولوجية فسيولوجية أي نفسية شخصية مرضية ناتجة عن تغيير مرضي في عمل الدماغ الفردي ومن ثم شل نشاطه في الفكر والتصرف العادي في المجتمع، أي شخصية مرضية يمكن علاجها أو يستوجب علاجها في المصحات العقلية وفي عيادات الطب النفسي. المقصود هو الشخصية المرضية المجتمعية التي تعتدي   على المجتمع وأفراده وهي في الغالب نتاج بيئة غير صحية لها تأثيرها المدمر على الأفراد والمجتمعات. سنحاول في هذه العجالة الوقوف على بعض العوامل التي تساهم في إثارة ظاهرة العنف في المجتمعات والأفراد.

  1. حالة الاضطراب الوجودي النفسي الذي يعيشه مجتمعنا، نحن الذين بقينا في فلسطين بعد النكبة منذ العالم 1948، وحالة القمع والتمييز العنصري التي يعيشها هذا المجتمع نتيجة خسارة الأرض بصورة شخصية وخسارة الوطن ما وضع العربي هنا في حالة خوف وجودي، خوف من ماضيه وعلى حاضره ومن مستقبله، أدى ويؤدي إلى عصاب جماعي منتجًا للعنف غير مسلم بالواقع وأحيانا كثيرة تتغير سبل التحول والتعميم بسهولة وتتحول من عنف فردي إلى عائلي أو حمائلي كما يحصل عندنا.
  2. الربيع العربي الأمريكي ضد المجتمعات والشعوب العربية وخلق ماكينات الإجرام، ونشرها على الفضائيات المتاحة والموجهة معظمها بالأساس ضد الشعوب والمجتمعات العربية. تعرض أمام الأطفال رغم قساوتها إلى الصغار والكبار وبالبث المباشر من موقع الحدث. الهدف من هذا البث هو نزع الأخلاق من المجتمعات والأفراد وجعل هذه المجتمعات المسالمة تدمر ذاتها بذاتها. أية مجتمع تنزع منه الأخلاق ينحرف إلى العنف لتحقيق الذات الفردية أو المجتمعية. أصبح قتل الإنسان الفرد بفضل ثقافة الشعوب الغربية العنيفة والعنصرية وخاصة الأمريكية التي تفرضها على الشعوب بعد أن هيمنت على التلفزة الفضائية العالمية في معظمها. ترسل 24/7 على شكل أفلام ومسلسلات ساقطة عنيفة وتمجد القوة والقتل والعنف.

أصبح قتل الانسان في الثقافة الغربية والثقافة التكفيرية العربية التي صنعها الغرب سلاحًا ضد مجتمعاتنا وعنفًا قاسيًا لا يردعه وازع من ضمير بعدما غابت كل الأخلاق عن المجتمعات الشرقية التي أوجدتها بالأساس وانتقلت إلى الإغريق ومنه إلى الغرب، السادية والعنف والبلطجة والتنمر والجريمة أسياد الواقع الذي يعيشه شعبنا هنا.

  1. التدين السياسي التكفيري الذي أفتى للقتل والعنف والتكفير ضد المجتمعات العربية. أفضى الأمر إلى تفشي العنف بعد ان تواجد السلاح الناري بكثرة   وبسهولة الحصول عليه.
  2. كثرة منابر الفتنة في العالم العربي العام وعندنا هنا، وعلى رأسها  مؤسسات دينية تكفيرية كبيرة، حرضت وأصبحت أداة لنشر الاجرام والعنف والتكفير وفتحت الباب على مصراعيه لتعميم العنف. أكبر ارهابيي العصر العرب والمسلمين من ابن لادن إلى الظواهري الطبيب إلى الزرقاوي وابو بكر البغدادي تخرجوا وخرجوا لتخريب دنيا العرب من هذه المؤسسات التكفيرية.
  3. سهولة الحصول على الأسلحة وانتشارها وعدم القدرة أو التقاعس السلطوي عن نزع هذا السلاح غير القانوني ومنع ملكيته في أيدي الافراد والمجموعات الارهابية.

استفحل الأمر وأصبح الراغب من الأفراد الحصول على السلاح من السوق السوداء واستخدامه ضد الافراد والمجتمعات سهلا وعاديا تماما كما في   الغرب المنفلت في امريكا حيث ربة البيت تعلق في مطبخها عدة قطع من الأسلحة الأتوماتيكية التي تملكها عادة الجيوش.  يهدى السلاح أحيانا هناك في المناسبات السعيدة كما في أعياد الميلاد وعيد رأس السنة. هناك أسواق للأسلحة في معظم المدن الأمريكية، تقوم بحرية بيع كل فرد امريكي قادر على شرائها وتخزينها أو اهدائها إلى وقت الحاجة تماما كما نهدي نحن الورد والكعك او الكتب او اللعب إلى احبابنا وصغارنا.

  1. المرأة العربية حتى الآن لا تملك حريتها على روحها وجسدها بل هي حقيقة ليست ملكًا لذاتها بل ملك المجتمع الذكوري المتخلف العنيف الذي يتصرف بعنف تجاهها حتى قتلها باسم الحفاظ على شرف العائلة، مع أن شرف هذه الأمة كلها مهان منذ عقود وبعد موت الزعيم القومي الكبير عبد الناصر. 

يهان شرف الأمة يوميا في اليمن وفي ليبيا وسوريا والعراق وفلسطين كل يوم وكل ساعة ولا نرى حرقة وغضب وفعل العرب بل انبطاحًا أكبر تحت اقدام الغرب والأعداء.

  1. التصحر الثقافي عند شعوبنا بصورة عامة. نحن أمة لا تقرأ الا السفاسف في وسائل الاتصال الاجتماعية مع كل سلبياتها، وكتابا واحدا فيه موجود كل ما تحتاجه الثقافة العربية، فيه كل الثقافة والفنون وكل العلوم وكل مكتسباتها العلوم حتى الثورة التقنية الرقمية التي اكتشفتها البشرية طيلة ألف وخمسمائة عام. نحن بالفعل ما زلنا شعوبًا قبلية حمائلية في وضع غريب عجيب مختلف شعوب العالم الأخرى.

 الشعوب العربية بعزلة وجودية وثقافية، كانت 400 سنة تحت براثن الحكم العثماني البغيض الذي ربض على رقابنا، وخلّف المجتمع القبلي المتخلف إلى المجتمع الرأسمالي الغربي دون أن تمر بالثورة الصناعية والفكرية التي عبرتها الشعوب الأوروبية، بعد معاناة وثورات حقيقية كبيرة وشاملة قلبت ظهر المدن للقديم، وخصوصا للإرث الديني الذي تغذى منذ بداية الحضارات الانسانية إلى الآن على الغيبيات بالأساس. المثير في الامر ان هناك قسمًا كبيرًا يؤيد ما يفعله اللصوص والقتلة السلاجقة ويريد عودة العثمانية الجديد ومعظمهم من الاخوان الذين يدمرون كل مشروع تبلور عربي قومي.

نحن العرب إلى الآن، ان تعمقنا قليلا في الفكر نجد أن مجتمعاتنا ما زالت   فعلا تعيش المرحلة القبلية الذكورية بامتياز وما زالت تضطهد المرأة نصف المجتمع ومربية الأجيال القادمة، وتسرق بوقاحة مجتمعية كل حقوقها. 

مجتمع يضطهد المرأة ولا يعطيها حريتها وكل حقوقها وبالتأكيد هو مجتمع متخلف.  ونحن ما زلنا نرى المرأة عورة فقط وهدف لتحقيق الرغبات الجنسية الذكورية المكبوتة.

الخطاب المتستر بالدين هو خطاب متخلف ضد المرأة وحقوقها وهو يحلل قتلها كما كان الأمر عليه قبل الاسلام في الجاهلية ووأد البنات خوفا من الفقر والعار. لذا لا بد من فصل الدين عن الدولة للمحافظة على الدين الحنيف لا العنيف.

كل ما قيل جعلنا حقيقة مجتمعات متخلفة وضعيفة وأرقاما استهلاكية للبضائع   الغربية التي تعادينا وتعادي وجودنا وقضايانا القومية كلها. أخلاقنا ضاعت وأرضنا مستباحة وكلها ثغور يدخلها الأعداء من كل حدب وصوب، ومتى شاءوا، بعد أن عجزنا عن تحقيق الدولة القومية الناجحة. لا يمكن أن نحقق ذاتنا الوجودية القومية قبل أن نحقق ذاتنا الفردية العنيفة المهزوزة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين