افيشاي ايرليخ
ترجمة: طارق ياسين
ليست هذه المرة الأولى التي يقلب فيها مثقفون كانوا مرة "في اليسار" جلدهم تحت الضغط، عندما تنفجر مخاوفهم العميقة، ليكشفوا عندها، فجأة، مواقف يمينية متطرفة وغير إنسانية. أذكر مثلاً، جبريئيل موكد في كانون الثاني 1991، عندما بدأت صواريخ سكاد العراقية بالسقوط في إسرائيل، وخرج بدعوة "أقصفوا بغداد بالنووي".
أما لدى البروفيسور بيني موريس، الذي انشغل بتاريخ النكبة والتهجير عام 1948، فإن "تغيير" الرأي ليس بأمر جديد وسُجّل أيضًا خلال الانتفاضة الثانية. في الرد على النضال الفلسطيني العنيف، غيّر موريس مواقفه السياسية وتوجّه يمينًا. قبل فترة وجيزة نشر موريس مقالًا في "هآرتس" تحت العنوان "الإمكانيتان".
استنتاجات المقال كانت، أنه يجب تنفيذ هجوم على إيران، وأن موعد الهجوم قريب جدًا، وأن على بينيت، الجندي الصغير الجديد، اتخاذ هذا القرار.
ادعى موريس في مقاله أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تنفذ الهجوم خدمة لإسرائيل. حسب ادعائه، الخطوات التي تنفذها إسرائيل الآن (المعركة التي بين المعارك)، لا يمكنها وقف التوجه الإيراني نحو القنبلة، ولذلك أمام إسرائيل إمكانيتان: إما مهاجمة إيران، أو العيش إلى جانب إيران النووية.
فرضيات موريس عبارة عن: إيران ستكون دولة شبه نووية، أو ستتابع نشاطها حتى الحصول على سلاح نووي والقدرة على إطلاقه، ولم يمتلك أي قائد إسرائيلي، حتى الآن، الجرأة لمهاجمة إيران. يعدد موريس تبعات مهاجمة إسرائيل لإيران أو عدم مهاجمتها، حسب رأيه: في حال هاجمت إسرائيل إيران، فإن إيران ستهاجم بدورها، ومن الممكن أن تستمر الحرب لسنوات. أيضًا حزب الله سينضم للمعركة، وممكن أن تندلع انتفاضة ثالثة، ينضم إليها الفلسطينيون مواطنو إسرائيل. وممكن أن يندلع إرهاب معاد لإسرائيل واليهود في العالم. ستتضرر علاقات إسرائيل مع الدول السنيّة وربما تتضرر أيضًا علاقات إسرائيل مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ولا يمكن التنبؤ إذا كانت الدول الكبرى ستتدخل.
ولكن، هذا السيناريو الصعب، يبدو بالنسبة لموريس أقل كارثية من العيش بجانب إيران النووية. حسب رأيه، المتطرفون غير العقلانيين في إيران قد ينفذون هجومًا نوويًا على إسرائيل. والحياة تحت الغيمة النووية الإيرانية ستضر بوضعية إسرائيل في المنطقة والحياة داخلها. النووي الإيراني سيظهر كانتصار على الغرب وإسرائيل، ويكثف من توجهات "الأسلمة"، سيبعد دول سنية والفلسطينيين المعتدلين من عقد اتفاقات وعلاقات مع إسرائيل، وسيزيد من الثقة بالنفس لدى حلفاء إيران ضد إسرائيل وضد السعودية وحلفائها، وسيقود دولا أخرى في المنطقة لحيازة قدرات نووية، الأوضاع الأمنية ستتدهور وسترفع المصروفات العسكرية الإسرائيلية، ستُمنع استثمارات أجنبية في البلاد، وستتسبب بمغادرة إسرائيليين كثر للدولة وعدم قدوم المزيد من اليهود إلى البلاد.
لو كنت مثل موريس، لتركت كل شيء ورائي، وأخذت جواز السفر الأجنبي وهربت من البلاد في أول طائرة. لكن ما العمل، الأغلبية هنا، عربًا ويهودًا، لا يريدون القيام بذلك.
كلي أمل ألا تقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها بمهاجمة إيران. يجب أن نتمنى، ونناضل، حتى لا يهاجم بينيت، أو من يأتي بعده، إيران. ما يتنبأ موريس بحدوثه هنا في حال اندلاع حرب مع إيران هو سبب كاف لكل إسرائيلي عاقل ليعلرض هذه الحرب. خلافا لموريس، أنا آمل تجديد المحادثات حول تقييد تخصيب اليورانيوم والتوصل إلى اتفاق. مع التمني أن يصمد الاتفاق أكثر من الاتفاق السابق. ويجب وضع هدف طويل المدى، بالوصول لشرق أوسط خال من الأسلحة النووية يشمل إسرائيل. لا يمكن اشتراط الاتفاق النووي مع إيران بوقف تطوير صواريخها وباتفاق لتصفية تأثير ايران في الدول المحيطة بها. لا يوجد أي احتمال لتحصيل شروط كهذه من أي دولة إلا عبر اخضاعها وإلغاء سيادتها. بالتأكيد إن مساعي تسليح وسيطرة غير مباشرة على دول أخرى هو أمر غير مرغوب به، لكن هذه أسئلة منفصلة عن سؤال النووي. يجب إزالة العقوبات عن إيران. النضال على طبيعة النظام في إيران سيستمر في الداخل الإيراني.
الأوضاع في المنطقة تتغير فعلاً. الولايات المتحدة لن تكون هنا دائمًا من اجل شركائها كما يبدو. هكذا كان الأمر مع الدول الإمبريالية العظمى في السابق وهذا ما سيكون مع الولايات المتحدة. ايران، تركيا ومصر هم الدول الأكثر كثافة بالسكان في المنطقة- وما العمل، سيبقون دولاً مسلمة وسيكون لهم تأثير في المنطقة الجغرافية التي نتواجد بها نحن. موقع إسرائيل مرتبط بحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. الصراع هو الذي يجبر إسرائيل على الارتباط بقوى خارجية. هو الذي قاد إسرائيل نحو "إخراج الكستناء من النار" من أجل دول كبرى أخرى.
التوجه الذي يعتقد أن إسرائيل تنتمي لعالم غربي يهودي-مسيحي يقف ضد الإسلام هو توجه رجعي (ومعادٍ للسامية)، حصل على تغطية جديدة في سنوات الـ 90 تحت اسم "صراع الحضارات" لصامويل هنتنغتون. حسب هذه النظرية، الصراعات الأساسية في فترتنا ليست اقتصادية وسياسية إنما ثقافية، يقف فيها الغرب ضد باقي العالم، موريس ينشر هذه النظرية الكاذبة رغم معرفته، بسبب أبحاثه، على ماذا اندلع الصراع الصهيوني الفلسطيني: على السيطرة على الأرض، وليس على الثقافة.
توجد لإسرائيل مشكلة أمنية لأنها في صراع. لكن لا مشكلة لها مع إيران على الأراضي. اعترفت إيران في الماضي بإسرائيل، وكانتا حليفتين. الصواريخ التي بحوزتهما، بدأتا بتطويرها سويةً بخطط مشتركة. بالإمكان العودة إلى هذا الوضع، في حال جرى حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني عبر حل مقبول على كلا الطرفين. حل الدولتين مقبول على معظم العالم. بالإمكان العيش دون حرب في إيران ودون غيمة نووية إيرانية ولا إسرائيلية. الحرب مع إيران ستكون مدمرة وغير ضرورية. هناكطريق واحدة إلى إيران- إحلال السلام مع الفلسطينيين.
(عن زو-هديريخ).



.png)

.png)






.png)
