هذا العنوان يليق تلخيصا لفكر كل الحركات التي تستخدم المعاناة الفلسطينية كمجال للتبجح الشخصي، والاستكبار على الآخرين ببالونات عقائدية وصياغات فكرية تبدو رصينة ولكنها في الواقع ليست سوى غوغائية تخدم الشخصيات التي تُلمع ذواتها لاجل نجومية أنانية.
أبرز تلك القيادات والشخصيات هي شخصيات الحركات التي تسعى لكي تُظهر نفسها وكأنها حركات مقاتلة تحريرية، تعيش خارج قوانين اسرائيل، وتتباهي بشعارات عدم التصويت المسمى زورا "المقاطعة"، ولكن هذه الحركات في واقع الأمر، أكثر الحركات ارتباطا بالقوانين الاسرائيلية، بل انها حركات تُحقق على الارض بواسطة التبجح القتالي، استراتيجية التدمير الاسرائيلية المتمركزة دائما في هدف واحد جوهري هو منع الشعب الفلسطيني من تجسيد اي كيان سياسي يعترف به العالم ويكون محورا ثابتا لمجتمع فلسطيني ثابت ومستقل فوق أي جزء من أرض الوطن، فلسطين.
إن مراجعة للخطاب الحالي لِكُتاب وشخصيات تلك الحركات، ومراجعة لخطاباتها عبر السنين، تقدم لنا اولا تأكيدا على أن هذا الخطاب لم يؤثر على النظام الإسرائيلي ويزحزحه ولو خطوة واحدة عن معاداة الشعب الفلسطيني. كما أن خطاب "المقاطعة" والتبجح في يومنا هذا يقدم لنا نمطا من التفكير البعيد كل البعد عن النظر في تاريخ الشعب الفلسطيني وفي تاريخ نضالاته البطولية، وفي واقع الهزائم المتكررة التي دفعتنا إليها قيادات التبجح والبالونات العقائدية التي مصدرها أوهام ومصالح ذاتية وفئوية تخدم مطامع أصحابها.
كيف نفسر مثلا، اندماج إمام، طبيب، محام، محاسب، معلم، تاجر، رياضي، في التطبيق اليومي لمهنته وفق القوانين الاسرائيلية، ومن ثم الانتقال بكل تبجخية الى حالة انفصام يُطلق فيها شعارات تدعو الناس الى الغاء حقوقهم القانونية في الاجتماع والتنظيم والتكتل الهادفة للتأثير على صياغة تفصيلات القوانين الاسرائيلية!! وعلى اي أساس عقلاني او واقعي أو تاريخي يتهمون الناس وحركاتهم المشاركة بالانتخابات بأنهم يقومون بخدمة النظام الإسرائيلي!
هم يحصلون على ترخيصاتهم ومكاتبهم وأموالهم وترخيص حركاتهم ونشاطاتها بواسطة الاعتماد على شرعية وعدالة القوانين الاسرائيلية، أي ان اصحاب العقائد البالونية، يقبلون القوانين كما تقدمها لهم الأحزاب الاسرائيلية الصهيونية الحاكمة، ثم يبدأون بالصريخ "الإسلامي" و "القومي"، و"الأصلاني"، ويتهمون كل فلسطيني يريد تصحيح او اصلاح او تغيير هذه القوانين، بأنه مطيع للاستعمار والصهيونية!
فهل السعي لإصلاح وتغيير واسقاط القوانين وبنود القوانين العنصرية والرأسمالية الظالمة للفلسطينيين وكل المواطنين يصبح خطأ وخضوعا للصهيونية لمجرد أنه يجري في موقع توليد القوانين، ومكان تشكلها، اي في الإطار السياسي والمركز السياسي حيث يتم اقتراح وإصلاح وتشريع القوانين، وهو الكنيست؟
**
إن الزعم بأن استخدام حق الانتخاب وتجميع القوى وإرسال مندوبين الى الكنيست يتناقض مع العمل الجماهيري التحرري الوطني والقومي واليساري، هو كذب وتزوير تاريخ. وعلى اصحاب هذا الكذب والتضليل أن يتوقفوا عن اجترار هذا الافتراء.
**
فالأحداث التاريخية والسجل الحقيقي للعمل النضالي الجماهيري يُبرهن أن القوى التحررية التي تنظمت منذ 1949 للمشاركة في انتخابات الكنيست على اساس تحرري يخدم الفلسطينيين تحت المواطنة العسكرية الاسرائيلية وفي أرض اللجوء وفي باقي أجزاء الوطن، فلسطين، هي القوى التي أسست وقادت ونظمت العمل الجماهيري الفلسطيني الأوسع والأكبر ضد الحكم العسكري الاسرائيلي، وفي مواجهة سياسات اسرائيل العنصرية وأيضا في مواجهات سياسات السلب وسياسة العدوان على حقوق الشعب الفلسطيني وعلى الشعوب العربية وانظمتها التحررية. ومن الايجابيات البارزة لهذه المقاومة الجماهيرية انها كانت بمشاركة الشيوعيين والتحرريين الاسرائيليين اليهود.
وقد كان الدور الأساسي في هذا العمل الجماهيري من فعل قيادات ومؤيدي عصبة التحرر الوطني الذين انضموا نتيجة النكبة للحزب الشيوعي الاسرائيلي، بل اني اضيف الى ذلك، وعلى سبيل التدقيق والتصحيح والصدق العلمي، بأنه يجب ان نعتبر ونصنف نشاط حركة الارض الى انه نشاط مكمل وفي اتجاه نضال الحزب الشيوعي/الجبهة، وليس نشاطا مضادا كما يفعل المتبجحون باسم القومية والليبرالية، وكل المتطفلين على التاريخ الفلسطيني.
فالقيادات التى كانت عناصر مؤسسة لحركة الأرض، كانت بالأصل حليف مع الحزب الشيوعي في تشكيل الجبهة العربية/الجبهة الشعبية في سنوات 1956 وما تلاها. وحتى بعد انفصال تلك الشخصيات وتأسيس حركة الأرض فانها بقيت تعمل في اطار المشاركة في انتخابات الكنيست وليس في مقاطعتها كما يروّج المتبجحون أصحاب البالونات العقائدية.
ثم إن حركة ابناء البلد التاريخية ومنذ تأسيسها في سنة 1969 عملت في خط متوافق مع النشاط التاريخي النضالي الذي اسسته قيادات عصبة التحرر/الحزب الشيوعي، ومع نشاط الجبهة العربية/الجبهة الشعبية، ونشاط حركة الأرض، والفارق الوحيد والجديد هو كون حركة ابناء البلد التاريخية، كانت قد ابتدأت من واقع حركة المقاومة الفلسطينية وحضور منظمة التحرير الفلسطينية وبعد حرب 1967،
وكان هدف حركة ابناء البلد التاريخية الاساسي هو إعادة ظهور النشاط باسم الانتماء الفلسطيني والارتباط بمنظمة التحرير الفلسطينية، والتمسك في إظهار الانتماء الجديد ليس بصورة إعلامية وشعارية او تبجحية، وانما من خلال العمل النضالي الجماهيري لأجل الحقوق، او ما يسمى النضال اليومي. ولم تكن حركة أبناء البلد التاريخية التي جاء اهم مؤسس لها، غسان فوزي، من داخل العمل الفدائي 1967، حركة مقاطعة لانتخابات الكنيست ولا حركة عداء مع الحزب الشيوعي والجبهة العربية/الجبهة الشعبية وحركة الارض، ولا في صدام مع تلك الحركات لكونها مارسبت او سعت لممارسة حق الانتخاب للكنيست وحولت الأمر الى ظاهرة نضال برلماني تحرري مشرف.
أعود إلى توضيح المعنى والانفصام في السلوك السياسي والفكر السياسي لحركات وشخصيات التبجح والبالونات العقائدية الوهمية، انظروا في ما يعمله محامٍ او محاسب من اصحاب التبجح والبالونات العقائدية! يذهب اليه المواطن يشتكي ظُلم دوائر الشرطة، او الضريبة، أو لجنة التنظيم، او حتى اعتداء شخص آخر عليه، فماذا يقول المحاسب والمحامي المتبجح؟
سيقول المتبجح صاحب مهنة المحاسب والمحامي، مثلما يقول اي محاسب او محامي فلسطيني من بلده، او اي محاسب او محامي اسرائيلي يهودي! أي أنه سيقول للمواطن: سأحصّل لك حقك، فإن القانون يمنع هذه الاعتداءات عليك، وعند مكتبي قدرة خاصة في فهم القانون واعادة حقوقك اليك! هذا ما يحصل في الواقع الخاص الذي يجلب الربح الخاص للمحاسب او المحامي، او اي مهني او تاجر، او شركة. لكن ماذا يحصل في المجال العام، في السياسة، حيث الربح والخسارة تكون ربحا للشعب او خسارة للشعب؟
في السياسة يخرج أصحاب البالونات ليقولوا للناس إن الكنيست رجس لا تقربوه، انه الشرعية الاسرائيلية، انه الكولونيالية! فيا للعجب!! لأجل المصلحة الخاصة، بقول المهني التبجحي بأن القوانين كما هي وكما قدمها بن غوريون او نتانياهو او شاكيد او ميري ريغب او يوعز هندل او لبيد أو جانتس هي قوانين تحمل إمكانية تحقيق العدالة،!!
لكن ماذا مع السعي لتعديل وإصلاح وتعديل هذه القوانين، او السعي لإسقاطها كليا بالطريقة القانونية وبقوة الشعب وبقوة ونشاط مندوبي الشعب!! يقول المتبجح ان السعي لإصلاح القوانين بهذه الطريقة هو رجس من عمل الشيطان، او اعتراف بالكولونيالية!!
أي ان القوانين تكون حلالا وحمّالة للعدل والمساواة وتقدر على إلزام الحكومة ومؤسسات الضريبة ولجان التنظيم وادارات السجون بالاعتراف بحقوق الفلسطيني وكل مواطن، اذا بقيت كما وضعها بن غوريون ونتاياهو!! لكن تغيير هذه القوانين الى الافضل من خلال العمل الجماهيري ومندوبيه في الكنيست مرفوض عند اصحاب فكر التبجح والعقائد البالونية سواء كان إمام، شيخ قومي، أو صحفي او كاتب ممول من حكومات اسرائيل، قَطر، تركيا او سوريا او ما شاؤوا من الدول، أي ان المتبجحين يمارسون قبول القوانين الاسرائيلية في نصوصها الصهيونية الصافية، ولكنهم يتهمون الذي يسعى الى تغيير القوانين لكي تخدم الفلسطيني وكل مواطن مظلوم بأنه يقوم بخدمة للكولونيالية والاستعمار والابارتهايد.
صوتوا، صوتوا، واعلموا ان الأحزاب البرلمانية القوية هي الوحيدة القادرة على تحدي الكنيست والانتخابات حين تتطلب الظروف السياسية ذلك، وأنتم اليوم تلاحظون بتجربتكم المباشرة، ان القيادات والاحزاب العنصرية اليمينية واليمينية المتطرفة تتجند في حالة سعار استعماري مستمر ضد الحزب الشيوعي/الجبهة التي أسست العمل البرلماني التحرري وضد القائمة المشتركة الموسعة التي مثلت مواصلة وتجديد وتعاظم قوة العمل البرلماني التحرري لأجل تحصيل حقوق الفلسطيني وكل مواطن مظلوم ولأجل حقوق الشعب الفلسطيني كله.
صوتوا، صوتوا، وشجعوا كل فلسطيني لاستخدام حق الانتخاب، بدل حق الانزواء والانعزال!



.png)

.png)






.png)

