القائد لا يموت يبقى جسده في الأرض وروحه في سماء فلسطين وذكراه خالدة أبد الدهر| سليم إبراهيم كناعنة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

مقدّمة:

{هذه المقالة كتبت في شهر تموز من العام ١٩٩٤ حيث كتبها عمي "أبو هشام" سليم إبراهيم كناعنة، وهو عضو الحزب الشيوعي الأول في عرابة البطوف، ووضعها بين أغراضه قبل ٢٦ عامًا إلى أن وجدها والدي الرفيق توفيق كناعنة قبل بضعة أيام وأراني إياها، فرأيت من الواجب علينا ومن حق الرّفاق الاطّلاع على مقالة كتبها الشيوعي الأول في عرابة والذي وإن لم يستمر في تنظيم الحزب حتّى اليوم الا أن الكثير من مواقفه ومبادئه هي مواقف الحزب.

أنشر هذا المقال الذي ينم عن حب عميق لقائد فذ رحل عنّا لنتذكر أن ذكرى توفيق زياد باقية في روح وذاكرة رفاقه وشعبه ومناضلي العالم ككل. وللعم "أبو هشام" الذي تجاوز التسعين ربيعًا نقول أطال لله بعمرك وجعلنا أهلًا لحمل مشعلك}.

                                 عبد كناعنة

 

كان في سنة 52 البعيدة أوّل ما سمعت باسم توفيق زياد من خلال قصائده في صحيفة الاتحاد وكذلك من خلال فرقة الطليعة النصراوية بقيادة مشيل ديرملكنيان التي كانت تنشد بعض قصائده وفيما بعد عرفته عن قرب سنة 1953 عندما أقامت لجنة منطقة الناصرة للحزب الشيوعي دورة تثقيفية لمدة شهرين، يومين في الأسبوع، وكان توفيق زياد أحد المحاضرين فيها إلى جانب كل من المرحومين الرفيق وولف ايرليخ والرفيق فؤاد خوري وغيرهم.

كنت أحضر إلى الناصرة مشيًا على الأقدام صباح كلّ يوم جمعة وأبقى حتّى الرابعة من يوم السّبت لمتابعة المحاضرات، وكنت أبيت ليلتي عند أحد الرفاق، أذكر منهم الرفاق المرحومين فؤاد خوري ومنعم جرجورة وخليل دخيل، ونمت ليلة عند نصر الله كردوش أمد الله في عمره فهو من الأصدقاء الذين أعتز بهم.

أمّا معرفتي بتوفيق زياد القائد البطل فكانت سنة 54 في شهر نيسان، حيث حضر إلى عرابة اثنان من رجال الشرطة مع أحد موظفي الضريبة لتحصيل ضريبة الرأس، هكذا كانت تسميتها في ذلك الوقت لأنها كانت تفرض على كل حامل هوية بدفع عشر ليرات، وفي ذلك الوقت دخلوا بيت المرحوم نمر عبد الرحيم ولم يجدوا شيئًا سوى معاميل القهوة، فبدأ موظف الضريبة بسكب المعاميل على الأرض محاولًا حجزها والخروج بها، وأثناء محاولتهم الخروج بالمعاميل حضر أبناء صاحب البيت المرحومين محمد وخليل فلم يتحملوا ما رأوه فانتزعوا المعاميل من الموظف والشرطة، وطردوهم شرّ طردة ولكن بعد ذلك تم اعتقال الاخوين عن طريق نجدة من الشرطة.

في ذلك الوقت كنّا من أعضاء الحزب نعدّ على الأصابع، قرّرنا أن نقوم بعمل ضد الضريبة المذكورة عن طريق إضراب للمدرسة والقيام بمظاهرة طلابية، وبدأنا بالتحضير. كان عدد أبناء الشبيبة قليل فدعوناهم ونسّقنا معهم طريقة العمل، متى يبدأ الاضراب ومتى الخروج بالمظاهرة وأين تنتهي، وانتدبنا طالبين وهما عمر السعدي وتوفيق كناعنة لإلقاء الكلمات في نهاية المظاهرة، وقد نجح الإضراب وانتهت المظاهرة باجتماع شعبي لأهل البلد في ساحة الجامع وكان الغضب يعم أهالي القرية. وفي اليوم التالي تم اعتقالي اداريًا مع ثلاثة رفاق آخرين هم محمد شاكر خطيب وابراهيم شكري شمشوم وكايد خليل موسى، ثم أطلق سراحنا بعد شهر من الاعتقال وتم إبلاغنا بأن علينا اثبات وجودنا في مركز بوليس مجد الكروم كل يوم الساعة التاسعة صباحًا ولمدة ستة أشهر.

بعد خروجنا من السجن ذهبنا إلى الناصرة واجتمعنا مع المرحوم الرفيق فؤاد خوري وبعد التداول طلبت ان يأتي معنا أحد الرفاق لعقد اجتماع شعبي من أجل رفع المعنويات وتبديد الخوف الذي فرضه البوليس والحكم العسكري في ذلك الوقت، وتم اختيار الرفيق توفيق زياد الذي رافقنا في ذلك الوقت مع سيارة ركب على سلمها ميكروفون وكان يقودها أحد الرفاق من الناصرة. وصلنا أول القرية حوالي الرابعة بعد الظهر وهناك بدأ الرفيق توفيق زياد يزأر كالأسد متحديًا الارهاب ومشجعًا للأهالي، ولكن قلائل من تجرأوا الاقتراب منا في ذلك الاجتماع لشدة الارهاب المفروض.

لم أكن في زماني خطيبًا أو أعرف الخطابة، ومع ذلك لملمت بضع كلمات بعد ان تلعثمت وقلت لن نخاف وسنواصل نضالنا حتى إلغاء ضريبة الراس وإلغاء لجنة المعارف وانتخاب مجلس محلي.

في اليوم الثاني ذهبت مع الرفاق المحكومين مثلي لإثبات وجودنا في مجد الكروم ولكن هناك بلّغت أن عليّ اثبات وجودي مرة ثانية في نفس اليوم ليكون اثبات الوجود في التاسعة صباحًا والثانية بعد الظهر، وعلمت أن توفيق زياد قد اعتقل بسبب الاجتماع الذي عقدناه في القرية واعتقد انه كان في ذلك الوقت عضو بلدية ولا أعرف لماذا نقل إلى طبريا وهناك كان الموقف البطولي لتوفيق زياد مع أنه كان نحيف الجسم في ذلك الوقت ولكنه صلب المعنويات حاد النبرة مؤمن بعدالة نضالنا.

في طبريا اصطدم مع البوليس بسبب جلوسه على الكرسي أمام المحقق، هكذا روى لي شاهد عيان يهودي ويدعى كدمون ليفي من أصل يوغوسلافي، وقال إنهم أدخلوا توفيق زياد إلى الزنزانة بقوة، وشبحوه بيديه وأغمي عليه عدة مرات وكانوا يسكبون عليه الماء ليصحى فيبدأ بالنشيد والضرب برجليه، ولم ينكسر أو يلين أبدًا.

كدمون ليفي هذا روى لي ذلك في سجن الدامون وكان شاهدًا في القضية التي رفعها توفيق زياد بعد ذلك على بوليس طبريا. أنا مع زملائي لم نستطع مواصلة إثبات الوجود في مجد الكروم بسبب المسافة الطويلة التي يجب أن نقطعها مشيًا على الأقدام، وبدأنا نتغيب فقدمونا للمحكمة العسكرية في عكا التي استمرّت ثمانية أيام متتالية حيث تطوع للدفاع عنا عدد من المحامين أذكر منهم المرحومين حنا نقارة ومناحم فاكسمان وابراهام ميلامد، وبعدها حكم علينا لمدة مختلفة بين 3-6 أشهر، ولكن نجحنا في إلغاء ضريبة الرأس. ومنذ ذلك التاريخ لم ندفع تلك الضريبة المجحفة، ثم انتقلنا إلى سجن الدامون وهناك التقينا للمرة الثانية بتوفيق زياد الذي كان رغم اثار الضرب والتعذيب يتمتع بمعنويات عالية وبشكل لا يصدق.

أما في السنوات الأخيرة التقيت أبا الأمين، في مؤتمر المنظمات غير الحكومية في فيينا سنة 88 حيث سلّمته نسخة من كراس كنا قد أعددناه في جمعية البطوف، تضمّن ما قمنا به وما ننوي انجازه في خدمة الزراعة في البطوف وبداية أفكارنا عن مشروع البطوف. وقد شجعنا الرفيق توفيق زياد على مواصلة العمل، وكان من أشد المتحمسين لمشروع البطوف الذي يجري العمل عليه ببطء شديد بعد أن أقيمت لجنة من وزارة الزراعة برئاسة نائب وزير الزراعة السيد وليد الصادق لتنفيذ المشروع، وبعد مطالبة أعضاء الكنيست العرب بإقامة هذه اللجنة والتي كانت أحد شروط الكتلة المانعة المتفق عليها. لقد كان الرفيق توفيق زياد رحمه الله قائدًا صادقًا مؤمنًا بعدالة قضايا شعبه لهذا لم يكن أبو الأمين ملكًا للناصرة ولا لجبهته وحزبه وحسب، بل كان ملكًا لشعبه الفلسطيني ولكلّ الشعوب المضطهدة وهو قائد عالمي.. والقائد لا يموت بل تبقى روحه في السماء وذكراه خالدة أبد الدهر.

 عرابة البطوف (تموز ١٩٩٤).

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين