كل السياسات الإسرائيلية ضد جماهيرنا العربية، وأصلا ضد شعبنا كلنا، في جوهرها عنصران أساسيان: أولا الأرض، وثانيا شعب ضعيف اقتصاديا واجتماعيا لدفعه على الرحيل، إذا لم يتم تهجيره أصلا. وكل باقي السياسات تصب في هذين البندين. وهذا أساس الفكر الصهيوني الاستعماري الاقتلاعي العنصري. وفي كل تعامل مع الحكومات في اطار الكفاح من أجل حقوقنا بكوننا أصحاب الوطن، فإن كل الحكومات تحيّد قضية الأرض إلا في ما ندر، وفقط لتوسيع الزنزانة قليلا، ولا أكثر.
وما يحكم عقلية المؤسسة الحاكمة، في وضع الاستراتيجيات التي تقود كل الحكومات، مهما اختلفت ألوانها شكليا، المقولتان الصهيونيتان القديمتان: "أكثر من يمكن عرب على أقل ما يمكن من ارض"، بقصد من فلتوا من جرائم التهجير. وثانيا: "شعب حطابين وسقاة ماء"، فحقيقة أن التوصيف المجرد لهذه المقولة لم ينجح، ولكن في المحصلة، فإن الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية، والأوضاع الاجتماعية ككل التي تفرض علينا كنتيجة للسياسات، تعود لتلك المقولة الأساسية في العقلية الصهيونية، كفكر إرهابي شرس.
دلالة على ذلك، نرى أي حصار تعاني منه كل التجمعات السكانية العربية، من أكبر مدينة إلى أصغر قرية من حيث المساحة ومناطق النفوذ، وكل توسيع لمناطق النفوذ، هو عمليا استرجاع جزء هامشي من الأراضي المصادرة لأغراض البناء.
ورفضت كل الحكومات، وستواصل رفضها لتوسيع مناطق نفوذ البلدات العربية لغرض التطوير الطبيعي للبلدات، ليس فقط في مجال البناء والسكن، وإنما أيضا لمساحات لإقامة مناطق صناعية وبناء مؤسسات عمل، ومناطق ترفيه ومتنزهات.
ولربما أن المثل الصارخ نراه في المقارنة بين مدينة الناصرة، ومدينة "نوف هجليل" (نتسيرت عيليت)، الجاثمة على الأراضي المصادرة من الناصرة والقرى المحيطة، الرينة والمشهد وكفركنا، أما عين ماهل، فقد تحولت الى ما أشبه بـ "جيب" داخل منطقة نفوذ نوف هجليل، مع احتمالات توسع ضعيفة جدا.
فالناصرة التي يعد سكانها رسميا 78 ألف نسمة، تمتد على 14700 دونما، ونوف هجليل التي يسكنها حوالي 42 ألف نسمة، تمتد على مساحة 42 ألف دونم. وحينما وضعت بلدية الناصرة بقيادة الجبهة، مطلع العام 2013، مخططا لتوسيع مناطق نفوذها بنحو 13 ألف دونم، فإن إدارة البلدية التالية التي استولت على البلدية في خريف العام 2013، عملت على قبر المخطط بموجب أوامر عليا، كما يمكن التخمين.
وهذا نموذج لكل التجمعات السكانية العربية. كما أن الهجوم على العرب في النقب يصب في هذه الخانة، وهناك تسجل الوقاحة والعربدة الصهيونية ذروة جديدة، بأن يتم اقتلاع العرب من أراضيهم وتوزيعها مجانا على مستوطنين، ليقيموا فيها مزارع خاصة بهم، وجديد المرحلة أن المخطط النقب بات هذه المرّة بختم تسليم من كتلة الحركة الإسلامية الجنوبية، التي تحت غطاء الاعتراف بثلاث قرى من أصل عدد كبير من القرى محرومة الاعتراف تتم سرقة 70% من أراضيها لصالح الاستيطان اليهودي.
وهذا يجري بموازاة فرض الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية على جماهيرنا العربية، فعلى الرغم من التطور العلمي والمهني الحاصل بين جماهيرنا، ويجري رغم أنف الصهيونية وسياساتها، فإن الفجوات الاقتصادية ما تزال متسعة.
فكانوا يقولون إن سبب الفقر بين العرب هو لكثرة الأولاد، ولكن معدّل الولادات هبط في غضون 35 عاما بنسبة 40%، من أكثر من 5 ولادات للمرأة العربية الى 3,4 ولادات حاليا، ولكن الفقر لا يتراجع. وفي المقابل، فإن معدلات الولادات بين الحريديم ترتفع باستمرار، لأكثر من 7 ولادات للمرأة الواحدة، ولديهم الفقر أخف عمقا، رغم أن نصف رجالهم يمتنعون عن الانخراط في سوق العمل.
كما نرى الفجوة في ارتفاع البطالة القسرية بين العرب، والفارق في الرواتب: معدل رواتب العرب حوالي 50% من معدل رواتب اليهود الأشكناز. وهذه مجرد عناوين رئيسية لحالة أوسع، لن نستعرضها كلها الآن.
وهذا يقودنا للحديث عن كل ما تعرضه الحكومات المتعاقبة، بما فيها الحالية، من "خطط للمجتمع العربي"، والخطة الحالية تجري أيضا وسط زفّة حامية، على نسق مقولة "الجنازة حامية...". إذ لم تتطرق أي واحدة من كل المخططات الى مطلب توسيع مناطق النفوذ، ليس من أجل انقاذ بيوت من جرائم الهدم، وإنما من أجل التطوير.
كما أن أيا من الخطط الحكومية لا تعالج جوهر الأوضاع في سوق العمل، وانخراط العرب في قطاعات العمل المتطورة، والأهم هو إقامة مناطق صناعية، وصناعات متقدمة في التجمعات السكانية العربية، من أجل زيادة فرص العمل، وتقليص وحتى سد الفجوات في المداخيل.
وكل هذا: الأرض والعمل، وما يسبق العمل في جهاز التعليم بكافة مستوياته، هو من المحظورات في الخطط الحكومية الإسرائيلية، لأنها تناقض جوهر السياسات الصهيونية في كل الحكومات دون استثناء.
الكارثة الحاصلة أمام هذه السياسات في ساحة جماهيرنا العربية، هو السعي لحرف أنظار الجماهير عن جوهر السياسات الحكومية، وإشغالنا بالفتات، وفي هذه الكارثة- المؤامرة، تتشارك فيها عدة اذرع، في أساسها أذرع الحكم، ولكن أيضا جهات تبدو وكأنها خارج دوائر القرار الإسرائيلي، ومعها وسائل إعلام لاختلاق رأي عام عربي مشوّه.
إذا لم نعد إلى دائرة الكفاح الأساسي في مواجهة جوهر السياسات الإسرائيلية، فإننا لا نعد الأجيال العربي القادمة بمستقبل أفضل، وهذا أيضا هدف للمؤسسة الحاكمة، وهو ما تريده. فإن فلتنا من التهجير، فلنعش في زنازين مفتوحة، وكل ما هو متاح، هو التأقلم مع حياة الزنزانة، ولربما في أحسن الأحوال تحسين ظروفها قليلا.



.png)

.png)






.png)

