اللغة، المكان والزمان في الرواية العربية الفلسطينية (1-2)| د. رياض كامل

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

مقدمة

من الطبيعي أن يتأثّر الأدباء الفلسطينيون بالصراعات السياسية والفكرية والاجتماعية التي يخوضها شعبهم وأن ينشغلوا بها، خاصة وأن تاريخ المنطقة العربية حافل بالأحداث الكبرى التي كان لها انعكاسها وتأثيرها على انتشار الأمية وتقليص دور الكتاب والأدباء، حتى حدثت المواجهة المباشرة مع الغرب، وما تلا ذلك من تحولات على جميع المستويات، في عموم العالم العربي. لسنا هنا بصدد استعراض تاريخ هذه المنطقة، لكن الجميع يعلم أن الشعب العربي قد فقد السيطرة على الحكم في بلاده مئات السنين، وأنه خضع لحكم العثمانيين أربعة قرون (1516-1917)، مما سهّل من وقوع البلاد العربية مباشرة تحت الاستعمار الأوروبي، وتقسيمها بين هذه الدول، حال سقوط الدولة العثمانية. وكان من حظّ فلسطين ان تقع، وفق هذه التقسيمات، تحت سيطرة بريطانيا التي دخلتها وهيمنت عليها مدة ثلاثة عقود، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى حلول النكبة (1948)، تحت مسمى "الانتداب".

تصدّى الفلسطينيون، منذ البداية، لهذا الواقع الجديد، خاصة بعد أن تكشّف لهم مشروع سايكس بيكو (1916) وتصريح بلفور (1917) وما يحملانه من مخاطر تهدّد وجودهم فوق أرضهم. وقد تزامن ذلك مع مواجهتهم الحركةَ الصهيونية، التي رأوا فيها حليفا للانتداب البريطاني وامتدادا له.

لا تتغيا هذه المقالة دراسة نشأة الرواية الفلسطينية ولا تتبّع مسيرتها، ولا التوقف عند تأثير كل حدث عليها بشكل مفصّل. إن معظم الإنتاج الأدبي العربي الفلسطيني ارتداد لهذا التاريخ الطويل وبالذات للاستعمار البريطاني والصراع العربي اليهودي الذي أسفر عن النكبة (1948) والنكسة (1967). زعزع هذان الحدثان عالم الفلسطيني الداخلي، فكان اللجوء إلى الفن، عامة، بدافع تعمير الروح، وزرع الأمل رغم الألم وإثبات الوجود الفلسطيني: تاريخه، حضارته، تراثه، أعلامه وفنونه على اختلافها. وكان للشعر دور أكثر فاعلية من دور الرواية في مراحل الصراع الأولى، نتيجة تخلّفها عن الشعر آنذاك.

مرت الرواية الفلسطينية، شأنها شأن الرواية العربية، مرحلة مخاض حتى وصلت مرحلة النضوج، كما بيّنا في دراستنا الموجزة "الرواية الفلسطينية- مرحلة النضوج"، (انظر لاحقا) ممثلة بما أنتجه جبرا إبراهيم جبرا، غسان كنفاني وإميل حبيبي. قام بعض الدارسين بتقصي الرواية العربية الفلسطينية ومعاينة بعض الإنتاجات التي تلت أعمال هؤلاء الثلاثة، لكن معظم هذه الأعمال، على أهميتها، لم تف هذا التطوّر حقه. شغل هذا الأمر، ولا يزال يشغل الكثير من الباحثين والدارسين الذين قدّموا أبحاثا عميقة تعالج التقنيّات الحداثية التي يوظفها الروائيون، ولكنها لم تخرج برؤية شمولية، ربما لكثرة الإنتاجات الروائية في العقدين الأخيرين، مما يتطلب فترة من الزمن لاستيعاب هذه التحوّلات. 

تعدّت الرواية العربية الفلسطينية تلك المرحلة، وظهر عدد من الروائيات والروائيين الذين أخذوا على عاتقهم تطويرها عبر اعتمادهم تقنيّات فنية حداثيّة، إثر اطلاعهم على الرواية العربية والعالمية، وتوسيع رقعة الثقافة في ظروف مغايرة عما سبق، تسهّل عليهم عملية متابعة المُنجزات الكلاسيكية والحديثة في دنيا الرواية. كما بات الروائي الفلسطيني أكثر وعيا بتاريخه القديم والحديث، يسعفه في ذلك وفرة الدراسات التاريخية والفلسفية والفكرية التي تضيء له عتمة الطريق التي رافقت الفلسطيني حقبة طويلة من الزمن.

يلاحظ الدارس أن الرواية العربية الفلسطينية ما زالت تعالج النكبة والنكسة وحيثياتهما، حتى وإن تبدّل المكان والزمان، ويرى أن للانتفاضتين، أيضا، حضورا لافتا في عدد من الأعمال الأدبية الفلسطينية على اختلاف أجناسها. كما يبدو للقارئ جليا، أن الرواية الفلسطينية لم تتوقف يوما عن زرع الأمل ب "حق العودة" حتى بعد مرور سبعة عقود ونيف. لم تصدر هذه الأعمال عن حنين إلى الماضي وحسب، بل هي دراسة لواقع الإنسان العربي الفلسطيني الذي يعيش تبعات التشرّد والتشتّت. ومن اللافت فعلا أن هذه الروايات، وما يتعلق بها من أبحاث، لم تصدر عن الأدباء والباحثين الذين عايشوا تلك الحقبة فقط، بل تعدّتها إلى من ولدوا بعدها، سواء عاشوا داخل الوطن أو خارجه.

إنّ الأيديولوجيا المحفزّة للأديب العربي الفلسطيني نابعة من التهديد الفعلي لكيانه. وهو لا يبني قلقه على فرضيات محتملة، لأن رؤيته تقوم اعتمادا على تجربة عمرها أكثر من قرن، ذاق مرّها ولا يزال، فكان ذلك محرّكا ودافعا للأدباء في مواجهتهم أهمَّ القضايا المؤرّقة. ولو ألقينا نظرة على الأدب الفلسطيني، منذ أكثر من قرن، لوجدنا أنّ معظمه أدب عقائديّ مؤدلج يعمل على ترسيخ الرؤية الفلسطينية.

لتوضيح هذه الأيديولوجيا فقد اخترنا إبراز تجلياتها في الرواية الفلسطينية من خلال اللغة والمكان والزمان. فاللغة هي وعاء للوعي الإنساني، وهي جزء هام من هوية الشعوب، ومرآة فكرية واجتماعية تعكس قيَمهم وحضارَتهم وعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم وتجاربهم. أما المكان، بالنسبة للإنسان، فهو الحيز الجغرافي الحميم الذي يؤثّر فيه ويتأثّر به، فهو البيت والقرية والمدينة والشارع والحقل. أما الزمن فهو ذلك العنصر الذي لا نراه ولا نلمسه، لكننا نتبيّن تأثيره في حياة الإنسان، في كل ما يدور حوله. لم يكن الزمن عاملا داعما للفلسطيني منذ عقود، لأنّ الواقع مؤلم جدا؛ لغة في خطر، مكان تتشوّه صورته، بفعل تهجير أصحابه وتغيير معالمه، وشعب يبحث عن لقمة عيشه، وواقع سياسي واجتماعي وأدبي نتحدث فيه عن "فلسطينيي الداخل"، و"فلسطينيي ال67"، و"فلسطينيي الشتات". ومع ذلك فإن الفلسطيني ما زال يحلم بترويض الزمن وليّ رقبته وتغيير مساره.

إنّ الرواية خطاب سردي رحب، قادر على الاتساع لأكثر من أيديولوجيا واحدة. فقد تحدث ميخائيل باختين في دراساته وأبحاثه عن الرواية المونولوجية، ذات الصوت الواحد التي تحمل أيديولوجيا الكاتب دون غيره، وعن الرواية الديالوجية/الحوارية التي تشمُل صراع الأيديولوجيات، وحياديّة الكاتب. ومن أجل تحقيق ذلك يرى "أن مؤلف الرواية المتعددة الأصوات مطالب لا في أن يتنازل عن نفسه وعن وعيه، وإنما في أن يتوسّع إلى أقصى حد وأن يعمّق إلى أقصى حد أيضا، في إعادة تركيب هذا الوعي، وذلك من أجل أن يصبح قادرا على استيعاب أشكال وعي الآخرين المساوية له في الحقوق". (باختين، شعرية ديستويفسكي، ص97)

ويشير الباحث والمنظر جوزيف شتيرن في مقالة له بعنوان "حول الأدب والأيديولوجيا" إلى أن الزمن الذي كنا فيه لا نقبل القصيدة السياسية قد ولّى وانقضى "فإننا اليوم في عصر إضفاء الصبغة السياسية والأيديولوجية، إذا لم يكن على الأدب فبالتأكيد على تحليل الأدب". (جوزيف شتيرن، ص12) ويضيف "بأن الأعمال الأدبية يمكن - طبقا لطبيعتها - أن تتحدّد زمنيا من الناحية اللغوية، بمعنى أنها لا بدّ أن تبين الوضع اللغوي والبعد الاجتماعي والزمني لمكان منبعها الأصلي. فكل عمل أدبي له "كلامه parole" الذي يتحدث به". (المصدر السابق)  

ويقول الباحث شكري عزيز الماضي إن البعض قد رأى "أن الفن جزء من الأيديولوجيا في التحليل الأخير... لذلك كثيرا ما اتهم هؤلاء الأدباء الذين يتّبعون هذا المنهج بالدعاية والمباشرة، واتخاذهم الفن وسيلة لنشر الأيديولوجيا، وهي أمور تنأى بهم عن ميدان الفن". (الماضي، ص142) ويضيف: "وعلى الرغم من ذلك فإن للفن استقلالية نسبية"، ويرى أيضا "أن الانطلاق من أيديولوجيا محددة للحياة والإنسان، ومفهوم للفن، تجعل رؤية الفنان أكثر عمقا وشمولية وتماسكا، لأن مثل هذه الأيديولوجيا يمكن أن تكون سلاحا بيده، يساعده على تشريح الظاهرة التي يعالجها". (المصدر السابق) فهل ننظر اليوم إلى العمل الأدبي المؤدلج نظرة سلبية؟ وهل نقبل كل ما هو مؤدلج لأنه يحمل رسالة "أخلاقية"؟ وهل كل ما هو مؤدلج يروق لنا، ويتناسب مع خصوصيتنا الفلسطينية؟ فكم من شاعر مدح ظالما، وكم من أديب بجّل قاتلا!

نعلن بداية أننا نحاول طرح قضية محددة هي قضية خصوصيات اللغة والمكان والزمان في الرواية العربية الفلسطينية التي تحمل عقيدة فكرية سياسية تنهل من واقع الإنسان الفلسطيني الذي عانى، ولا يزال، من التشرد والتشرذم والتشتّت، ونعلم أن هناك روايات ودراسات كتبها "الآخر" تروّج لعقيدة مغايرة، بل ومناقضة للعقيدة السياسية الفلسطينية، حتى ليبدو أنّ الصراع العقائدي قد انتقل من قسم السياسة والإعلام إلى قسم الأدب. يقوم الأدب الفلسطيني، في جميع أجناسه، بمحاولة التصدي لرواية الآخر، ونشر الرؤية العربية الفلسطينية، فكان من الطبيعي أن تتميز عن غيرها لأنها تعكس تجربة خاصة.

 

اللغة

يقول جونتر كريس وروبرت هودج في دراستهما "اللغة كأيديولوجيا “language as Ideology”: إن الفرد يكتسب لغته من خلال مجتمعه، فتساعده على التأقلم معه والعيش فيه. وهي منغمسة فيه، بوصفها الوعي العملي لهذا المجتمع. (عزالدين إسماعيل، ص42) وبالتالي فإنها وسيلته في التعبير عن أفكاره وعن وعيه ببيئته، وعن الصراعات الفكرية والعقائدية. وبما أن الفلسطيني يواجه خصما ينفي حقّه في المكان والزمان فإن الوعي الفلسطيني مشغول بكينونته ووجوده، فكان من الطبيعي أن يعبّر عن ذلك بلغة مشحونة بهذا الصراع الوجودي.

يعتبر كثير من المفكرين أن اللغة هي وِعاء للأفكار، ويرى آخرون أنها أداة التعبير عن الأفكار. مهما يكن من أمر فإن اللغة هي جزء هام في تكوين هوية الإنسان الفكرية وبلورتها، تعبّر عن آرائه وتعكس مستوى تفكيره ومشاغله، وكأن لكل فرد هناك خصوصيات معينة تعكسها لغته. ولقد شغلت قضيةُ اللغة العربَ قديما فكتبوا فيها دراسات هامة تستأهل العودة إليها وتطويرها، كما بيّنتُ في دراسة بعنوان "اللغة العربية بين التأصيل والحداثة" (انظر: كامل، المتخيل السردي، ص35-59).

يقدّم الغرب منذ فترة طويلة من الزمن الكثير من الأبحاث في شتى المجالات الأدبية واللسانية، ومن هؤلاء الباحثين الذين نلجأ إلى دراساتهم المنظر الروسي ميخائيل باختين الذي تحدث عن تعدّد اللغات وتعدّد الأصوات، وقد أوجزها الباحث المغربي محمد برادة بقوله: "ليست اللغة – النسق ذات البنية الثابتة، وإنما اللغة – الملفوظ – الكلمة – الخطاب، المُحمَّلة بالقصدية والوعي والسائرة من المطلقيّة إلى النسبية، والتي تبتعد عن دلالة المعجم لتحتضن معاني المتكلمين داخل الرواية، فتكشف عن أنماط العلائق القائمة بين الشخوص، وعن القصدية الكامنة وراء كلامهم وأفعالهم". (برادة، مقدمة كتاب الخطاب الروائي لباختين، ص16) هذا التوصيف أعلاه الذي لخّص فيه برادة نظرية باختين حول اللغة تعني لنا الكثير أثناء دراسة دورها في الخطاب الروائي، باعتبارها لغة ذات مواصفات خاصة تحمل هوية المتكلمين بها وتعكس نظرتهم إلى الحياة، بناء على ما مرّوا به من تجارب. وإننا لنعلم أنّ الشعب الفلسطيني، قد مر، ولا يزال، بتجربة فريدة، على الصعيد السياسي والاجتماعي والتاريخي، مما يفرض خلق طرائق تعبير لغوية تعكس هذه التجربة الفريدة القاسية.

يُعتبر المنظر الدانماركي لويس هيلمسلاف من أهم دارسي "نظرية اللغة"، يستهلّ كتابه "حول مبادئ نظرية اللغة" بتعريف لافت يقول فيه: "اللغة لا تفارق الإنسان بل تتبعه في كل أعماله. اللغة أداة يشكل الإنسان بها تفكيره وإحساسه، ومزاجه وتطلعاته، وإرادته وأفعاله؛ هي الأداة التي بواسطتها يؤثّر ويتأثّر". (هيلمسلاف، ص11) نعي تماما أن هذا التعريف قديم، وعمومي يناسب الإنسان حيثما كان وأينما كان. لكننا حين نعيد النظر فيما جاء فيه، وفيما جاء من أقوال المنظرين والباحثين الذين أتينا على ذكر بعض أقوالهم أعلاه، فإننا نرى مدى التحام اللغة بالإنسان عامة وبالفرد خاصة، فهي تعبّر عن "مزاجه وتطلعاته وإرادته وأفعاله"، وبالتالي فإنها تحمل خصوصيات الفرد أو الأفراد، أو الجماعة بناء على التجارب الحياتية. ولما كان الشعب الفلسطيني صاحب تجربة مؤلمة وفريدة وطويلة فقد أخذ اللغةَ إلى مضماره الخاص، وصبغها بتجربته فحملت ختمه وفرادته. 

تقودنا هذه المقدمة إلى خصوصية الشعب الفلسطيني الذي يتعرض، منذ سنوات طويلة إلى عملية إقصاء، ليس عن أرضه فقط، بل عن فكره، وعن المكان والزمان. ولذلك فإن الدارس المتمعّن يجد أن الأديب العربي الفلسطيني قد طوّر لنفسه لغة تحمل هويته دون بقية العرب في شتى الأقطار العربية. لغة تعكس قلق الفلسطيني وهمّه، من ناحية، وحبه للحياة وأمله بقادم أفضل، من ناحية أخرى. فكيف تجلى ذلك في الأعمال الروائية؟

 تجافي اللغة الأدبية معانيها المعجمية المألوفة لتتشظى وتتفتّق عن معانيَ مبتكرة. ولو بحثنا في معاجم اللغة عن معنى "نكبة" أو "نكسة"، أو "انتفاضة"، على سبيل المثال، فسنرى أنها ليست ذاتها كما هي في ذهن الفلسطيني، ولا تحمل هذه المفردات في معاجم اللغة ما تحمله من دلالات وإيحاءات عند الفلسطيني. يرى الكاتب محمود شقير، المولود سنة 1941، أن قاموسه اللغوي بدأ يتسع في طفولته لتدخلَه كلمات جديدة مثل كلمة "لاجئ": "في تلك الأشهر المربكة وما بعدها بسنوات؛ دخلت قاموسي اللغوي كلمات جديدة من بينها كلمة "لاجئ"، وذلك بعد تشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، وقيام دولة الاحتلال الصهيوني". (شقير، تلك الأزمنة، 2022، ص13) لا نقصد باللغة الفلسطينية المفردات التي ترد في النصوص المكتوبة والمحكية وحسب، بل نقصد الخطاب في مفهومه الواسع. ولو عدنا إلى الفقرة القصيرة أعلاه لرأبنا كيف أنها انعكاس لواقع فلسطيني جديد أحدثته النكبة؛ الرعب والإرباك والخوف والتشرد و"دولة الاحتلال الصهيوني".

اللغة لصيقة بالمكان والزمان وقد قيل الكثير عن خشونة اللغة العربية الجاهلية وتأثرها بالصحراء، لكن الدراسات لم تتوقف عند هذه النقطة بالذات لأنها برأيي ليست عادلة، ما يفرض إعادة النظر في بعض تلك المقولات، فقد عكست اللغة حياة العربي عبر عصور التاريخ واستطاعت أن تتأقلم مع المكان والزمان؛ لفظا وإشارات ودلالات وطرائق تعبير. وكان من الطبيعي أن تستجيب لتبدلات العصر وأن تعكس مجموعة القيم والمفاهيم الفكرية والأخلاقية والعقائدية وحتى الجمالية. فقد تحدثت جميع الشعوب عن جمال المرأة، لكنها في أشعار العرب القديمة لها خصوصياتها التي لا تتشابه مع المواصفات الجمالية لدى شعوب أخرى، وبالتالي ليست ذات الجماليات في أشعار نزار قباني، على سبيل المثال، فقد لخّص الأعشى بعض جمالياتها في بيت واحد:

غرّاء فرعاء مصقول عوارضها                    تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل

وقد وجدنا في شعر امرئ القيس وفي شعر طرفة بن العبد معالم جمالية أنثوية أخرى يمكن للباحث أن يعود إليها متى شاء، ولكن المرأة الفلسطينية لم تجد أجمل من "نوار العلت" (الهندباء) تصف فيه سحر عيني صديقة ابنها، كما نبيّن في دراستنا رواية محمد علي طه "نوار العلت" (2021)، "أن تكون عربيا في دولة اليهود". (انظر الدراسة لاحقا) وبالرغم من أن هذه الرواية، بالذات، تدور أحداثها في جامعة حيفا، وفي ظل اتفاقية أوسلو وما يتلوها من أحداث ونقاشات، إلا أن الأديب محمد علي طه لم يتمكن من الإفلات من سلطة الحقل يفتتح به روايته، بلغة لا يمكننا إلا أن نسميها لغة فلسطينية قروية فلاحية يمتزج فيها الحاضر بالماضي بكل إشكالياتهما وتبعاتهما وما يتمخض عنهما؛ الحفاظ على الأرض والعرض، والتشبث بالحقل الموروث عن الآباء والأجداد.

قد يقول قائل إن العرب عامة متساوون في ذلك، فنجيب إن في هذا الاعتراض الكثير من الصدق والكثير من الصحة، وقد يضيف بعضهم إن هذا الأمر تشترك فيه كل الشعوب المقهورة أو المحتلة أرضها. لكن تبقى للفلسطيني خصوصيته لأنه الوحيد، حتى الآن، الذي لم يُقم دولة وكيانا رسميا فوق أرضه، ولم يحصل حتى الآن إلا على "شبه كيان" تنقصه كل مقومات الدولة. وما زال همّه الأول الحفاظ على المكان وعلى الذاكرة وعلى متابعة الصراع من أجل الحفاظ على قيمه وعاداته وتقاليده وأفكاره ومعتقداته: الدينية والسياسية والاجتماعية، يسعفه في ذلك موروث لغوي غني يحمل خصوصيات هذه المرحلة القاسية. فقد فتح الآخر عليه نيران العقيدة الدينية التي تستوحي معتقداتها من "كتب مقدسة" ترى أن هذه البلاد له منذ الأزل، وأنها سلبت منه منذ ألفي سنة وقد عاد إليها منذ سبعة عقود ونيف ليبني "بيته" من جديد.

بناء على ما قيل أعلاه نعاود التساؤل مرة أخرى ما دور الكلمة؟ وهل ذلك يعني أن الفلسطيني قد خلق لذاته لغة أدبية مغايرة عن اللغة العربية الأم التي يتحدث بها ملايين العرب، ويكتبون بها أدبهم؟

لقد رأى المنظر الروسي ميخائيل باختين أن لكل فرد في الرواية لغة متفردة به إذ قال: إن "المتكلم في الرواية" هو دائما صاحب أيديولوجيا. وهو يرى أيضا أن لكل شخصية من شخصيات الرواية صوتَها. وقد أيّده في ذلك بعض المنظّرين والباحثين ممن جاؤوا بعده بفترة قصيرة، بل ومنهم من تابع في تطوير هذه الرؤية مثل المنظر بيير زيما، الذي طوّر هذه الفكرة وذهب أبعد من ذلك حين قال إن للتوقيت الزمني تأثيرا على اللغة، فلغة الصباح ليست نفسها لغة المساء، على سبيل المثال. وبالتالي فإن لغة المهجّر والمسلوبة أرضه والمهدّد بالترحيل والموت في كل لحظة لن تكون لغة المستقرّ الذي ينعم بالسلام والهدوء والسكينة، ولن تكون لغة رومانسية بقدر ما تكون لغة محرّضة تدعو إلى الصمود والثبات والتحدي، لغة تشتق مفرداتها من المعاناة ومن جوف الأرض، ومن ألم الفراق وحلم العودة.

لا يمكننا أن ننسى أو نتناسى ما جاء به المنظر السويسري وعالم اللغة فرديناند دي سوسير الذي يُعتبر واضع أسس النظرية السيميائية الذي ميز بين "اللغة" و"الكلام": فاللغة برأيه نظام له قواعده وأصوله الخاصة وأنه نسق (نظام) مستقل يتخذه أبناء اللسان الواحد للتواصل فيما بينهم، أما "الكلام" فهو من خلق المبدع، يتلاعب به ويحرفه عن أصوله، أي هو إنجاز فردي. نحن من الذين يعتقدون أن لكل فئة من الناس "كلامها" (parole) الذي يحمل هويتها وهمومها وأفراحها، ويعبر عن مستوى أفكارها، كذلك لكل شخصية داخل العمل الأدبي هناك اللغة الخاصة التي تميزها عن غيرها. وبالتالي يصبح لكل شخصية داخل الرواية لغتها وصوتها. وهنا يأتي دور المبدع الذي يخلق الرواية وشخصياتها وفضاءها وزمنها. فإن تمكن الروائي من أن يخلق رواية ديالوجية فإنه بذلك يكون قد أعطى شخصيات روايته حرية التحرّك، وأبعدها عن تخوم الرواية المونولوجية. وهذا ما نادى به ميخائيل باختين ومن أيده من منظرين فيما بعد.

يستطيع قارئ الرواية الفلسطينية أن يرى أنها خلقت لنفسها لغة خاصة بها، تعبّر بواسطتها عن هموم الشعب الفلسطيني وعن أفراحه وصراعاته في مواجهة الآخر. وقد وجد بعضهم، بحسّهم المرهف، أن اللغة الفلسطينية مهددة بالضياع، في ظل لغة أخرى تنافسها في الحياة اليومية، وفي ظل مستجدات مفاجئة وسريعة، فذهبوا إلى اللغة العربية "العتيقة" وعملوا على صيانتها، كما فعل بالذات محمد نفاع في رواية "فاطمة"، فلم يجامل القارئَ الحديث، وسار باتجاه إقامة مشروع كبير؛ الحفاظ على اللغة العربية الفلاحية الفلسطينية، حتى ليبدو لقارئ اليوم أنه يقرأ لغة قد اختفت. يعمل محمد نفاع على إقامة مشروع أيديولوجي عمدته الرئيسة الحفاظ على "هوية اللغة ولغة الهوية"، إيمانا منه بأن ضياع اللغة يعني ضياع الهوية. (انظر: كامل، دراسات في الأدب الفلسطيني، ص71-96). وقد ساهم بعضهم في الحفاظ على الموروث الشعبي الفلسطيني وتراثه، ولنا على ذلك أمثلة عدة في إنتاج كثيرين نذكر منهم في مجال القصة والرواية محمد علي طه، ومحمد نفاع، وطه محمد علي، (شاعر وقاص) ويحيى يخلف، وإبراهيم نصرالله ورجاء بكرية التي تنبهت إلى ذلك فقامت في رواية "عين خفشة" (2014)، بتوظيف النواح الفلسطيني وبعض الأغاني الشعبية المنبثقة من واقع الفلسطيني المعذّب. (انظر: كامل، المتخيل السردي، ص174-187)

تجاوبت اللغة مع خصوصيات الرواية العربية الفلسطينية وعكست صراع الفلسطيني وألمه والحروب التي خاضها؛ رافقت المقاتل في كل مكان، وصوّرت الانتكاسات والمواجهات المتحدية التي تجذّر الانتفاضة الأولى والثانية، على سبيل المثال، وتابعت حزن الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، وجذّرت غناء الفلسطيني ونواحه وأناشيده الشعبية القديمة والحديثة. إنّ كل ما قلناه يبقى في إطار التقديم ينقصه التطبيق من خلال تناول هذه المنجزات الروائية. وقد قمنا بذلك في أكثر من دراسة لنا. لكننا نؤكد أن هناك ما يميّز كل رواية عن غيرها، رغم التشابه في المواضيع.

يمكننا القول بأن معظم الروايات الفلسطينية اهتمت باللغة التي تصور العالم الخارجي وتأثير ذلك على داخل الإنسان الفلسطيني، لكننا اليوم نقف بإزاء إنتاج روائي وقصصي فلسطيني يبدأ من الداخل، من أعماق النفس ليخرج إلى الفضاء بكل مركباته، لأن الوعي بمكنون النفس لدى الروائيين وكتاب القصة، عامة، بات أكثر عمقا، ما يدفعنا إلى متابعة ذلك، ربما في دراسات لاحقة.  

 

المكان

لن ندخل في دراسة جماليات المكان في الرواية الفلسطينية بقدر ما نتناول خصوصياته فيها، مع علمنا التام أن هناك فرقا بين مفهومي "المكان" و"الفضاء"، نتغاضى عن ذلك مدركين أن "الأمكنة جزر في الفضاء، جواهر [أفراد]، أكوان صغرى منفصلة"، داخل الفضاء حسب تعبير جورج بولي. (نجمي، ص44) ونحن إذ نقوم بالتفريق، عنوة، بين عنصري المكان والزمان فإننا نعي أنهما مترابطان جدا، لا يسير أحدهما دون الاخر، لكنها ضرورة يمليها البحث، كما نعي تماما أن اللغة هي حاضنة مجمل عناصر الخطاب الروائي، ونعلم أن "الفضاء الروائي، مثل المكوّنات الأخرى للسرد، لا يوجد إلا من خلال اللغة، فهو فضاء لفظي بامتياز". (بحراوي، ص27) ولقد قمنا بدراسة حول لغة خطاب الروائي يحيى يخلف، ووقفنا عند الفروق بين لغتي الخطاب في روايتيه "نجران تحت الصفر"، و"بحيرة وراء الريح"، فوجدنا أن الأولى تعكس أجواء نجران في ظل الحرب الأهلية اليمنية وحيثياتها، والثانية تصور الفلسطيني وهو يواجه شبح الاقتلاع من الوطن، عشية النكبة وما تلاها بقليل، وبينا كيف أن اللغة تستجيب لتبدلات المكان والزمان وتعكس لغة الناطقين بها ومستوياتهم الفكرية، حتى حين يكون المؤلِّف هو نفسه لأكثر من عمل أدبي. (للتوسع انظر: دراسات في الأدب الفلسطيني، ص29-69)

عمل الروائيون الفلسطينيون على تأصيل المكان وتثبيته وتجذيره في الذاكرة بوسائل عدة وطرائق مختلفة، فقد رأوا بأمّ العين ما يتعرض له من تزييف وتغيير وتبديل في معالمه، وعانى قسم كبير منهم من فقدانه بعد النكبة، فعمدوا إلى توثيق أسماء المواقع، كما كانت عليه من قبل، بدءا من "فلسطين" مرورا بأسماء القرى والمدن، وامتدادا إلى أسماء الحارات والشوارع والأزقة وقسائم الأرض، وأنواع الأشجار والنباتات والطيور، كما تجلى في مجمل أعمال الأديب محمد علي طه القصصية والروائية والمسرحية. (انظر: كامل، الواقع والتخييل) وفي أعمال كل من الأدباء إميل حبيبي، جبرا إبراهيم جبرا، غسان كنفاني، إبراهيم نصرالله، محمد نفاع، يحيى يخلف، عاطف أبو سيف، محمود شقير، طه محمد علي، دعاء زعبي خطيب، رجاء بكرية، سعاد العامري وغيرهم. وفي أعمال كثير من الشعراء وكتّاب القصة القصيرة الفلسطينيين. (يتبع)

 

في الصورة: قيسارية قبل النكبة

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين