المطلب اعتراف تاريخي حقيقي، وليس تصريحات فردية| عايدة توما-سليمان

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في يوم 29 من تشرين الأول عام 1956، أثناء الحكم العسكري في البلاد، عاد مزارعون، فلسطينيون مواطنو إسرائيل، رجال، نساء وأطفال، من الحقول إلى منازلهم في كفر قاسم.

عند بوابة القرية، أوقفهم جنود حرس الحدود، أنزلوهم من الشاحنات والسيارات، أوقفوهم على جانب الطريق، وقتلوهم رميًا بالرصاص.

49 فلسطينيًا، سكان بلدة كفر قاسم، قتلوا في ذلك اليوم لأنهم عرب. كان من بين القتلى 12 امرأة وفتاة، 10 فتيان تتراوح أعمارهم بين 14 و-17 عامًا و-7 أطفال تتراوح أعمارهم بين 8 و-13 عامًا.

تم قتلهم بوحشية بادعاء انتهاكهم لحظر التجوّل الذي تم فرضه حينها، والذي كان قد تم تقديم موعد بدئه دون أن يعلموا، إلى الساعة الخامسة بعد الظهر بدلاً من التاسعة مساءً.

لم تكن هذه المذبحة المروعة حدث محلي للوحشية القاتلة من جانب القادة الإسرائيليين العسكريين، إنما جزءًا من تحرك استراتيجي لدولة إسرائيل، والتي كانت تستعد لبداية الحرب الإمبريالية عام 1956.

كان للمجزرة ثلاثة أهداف: الأول كان خلق انطباع استخباراتي لدى المصريين بأن إسرائيل تشن حملة ضد الأردن وليس ضد مصر. الهدف الثاني كان إثارة الذعر بين الجمهور الفلسطيني في إسرائيل، أملاً أن يفرّوا إلى الأردن، والهدف الثالث كان بثّ الخوف والاستسلام في نفوس الفلسطينيين في إسرائيل. كانت المذبحة بمثابة عملية لردع المدنيين الفلسطينيين، لألّا يثوروا عند اندلاع الحرب.

بعد المذبحة مباشرة، بدأت محاولات التستر والرقابة، فقد تم إخفاء تورط كبار المسؤولين الإسرائيليين، ولذلك، قام قادة من الحزب الشيوعي، مئير فيلنر وتوفيق طوبي، باستخدام حصانتهم البرلمانية لفضح المجزرة من على منصة الكنيست.

نتيجة لذلك، تم إجراء محاكمة، يُذكر أن "شيدمي"، وهو الضابط الأعلى رتبة من بين الضباط الذين تمت إدانتهم بارتكاب الفعل، ادعى في مقابلات أن المحاكمة كانت في الواقع مضللة، فقط تم إجراؤها فقط من أجل التستر على تورط كبار الشخصيات، مثل موشيه ديان، الذي كان رئيس الأركان العامة، ورئيس الوزراء آنذاك، ديفيد بن غوريون. هدف المحاكمة كان إذًا إخفاء الحقيقة ومنع تحقيق العدالة.

مشروع القانون الذي أقترحه والذي اقترحه من قبلي عضو الكنيست محمد بركة، يتضمن أربع قضايا أسعى لتأسيسها في القانون، وذلك لأجل تحويل هذه المذبحة المروعة إلى درس حول التبعيات الكارثية التي يمكن أن تؤدي إليها العنصرية والتفوق اليهودي والسيطرة العسكرية على المدنيين.

ويشترط القانون:

أولًا: اعتراف معنوي وسياسي واجتماعي من قبل الحكومة الإسرائيلية في مجزرة كفر قاسم، لا مقابلات إعلامية ولا تصريحات فردية من السياسيين، وانما اعتراف تاريخي حقيقي.

ثانيًا: إدراج ذكرى مجزرة كفر قاسم في المنهاج الدراسي. ذكر المجزرة كمثال في مادة المدنيات حول "أمر عسكري غير قانوني " هو أمر غير كافي.

الدرس المستفاد من هذه المجزرة المروعة لا يمكن أن يكون في مجالات "نقاوة السلاح" وتربية جيل الشباب (من اليهود الإسرائيليين) على الانخراط في الجيش. يجب أن يكون درسًا إنسانيًا يحذّر من مخاطر الكراهية ويشجع على الاعتراف بظلم الماضي. لذلك، طالبنا ترسيخ قضية مجزرة كقر قاسم في المنهاج الدراسي.

ثالثًا: تخصيص ميزانية من قبل دولة إسرائيل للجمعية التي تعمل على تخليد ذكرى ضحايا مجزرة كفر قاسم، وتحمّل مسؤولية إحياء ذكرى المجزرة التي طال أمدها، وذلك من أجل ألا ننسى ضحاياها.

المطلب الرابع، وربما الأهم، هو الكشف عن جميع الوثائق الأرشيفية المتعلقة بالقضية، حتى نعرف وبشكل نهائي، من المسؤول الحقيقي عن هذه الجريمة، حتى لو كانت الشخصيات المسؤولة تعتبر "بطلاً" في الرواية الإسرائيلية.

المشترك بين كل هذه المطالب، هو المغزى بأن الاعتراف بالظلم الذي تم ارتكابه، هو خطوة ضرورية من أجل تحقيق العدالة. هذا صحيح بالنسبة لمجزرة كفر قاسم، وأيضًا بالنسبة للتاريخ كاملاً
منذ بداية دولة إسرائيل، وصحيح بالنسبة للنكبة، وللطرد الجماعي لمئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم من أجل إقامة دولة إسرائيل.

ولدت دولة إسرائيل على حطام الشعب الفلسطيني، والطريق إلى المصالحة الداخلية مع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وإلى المصالحة مع الشعب الفلسطيني، وإلى المصالحة مع العالم العربي كله، يتحقق من خلال الاعتراف بجرائم الماضي.

لسوء الحظ، أننا لسنا هناك بعد، بل على العكس، يبدو أن الكراهية والعنصرية تزداد قوة، ومعها إنكار الحقوق القومية، وإنكار الإنسانية، للمواطنين الفلسطينيين، فالعنصرية تطغى على الكنيست أكثر مما كانت عليه قبل سنوات.

المواطنون الفلسطينيون، أحفاد ضحايا مجزرة كفر قاسم، ليسوا مواطنين متساويين، بل مواطنين من الدرجة الثانية رسميًا بعد سن قانون القومية، وأكثر من ذلك، فإن فكرة نقل المثلث للسيادة الفلسطينية أصبحت اليوم أكثر من أي وقت مضى، سائدة في اليمين الإسرائيلي، فقد تم إعطاءها قاعدة في "مخطط الضم" لدونالد ترامب، وبهذا، وبعد مرور أربعة وستين عامًا على مجزرة كفر قاسم، لا تزال دولة إسرائيل تتحدث عن سحب الجنسية من سكان كفر قاسم.

وعلى أثر هذا كله، ادعو جميع أعضاء الكنيست للتصويت لصالح هذا القانون، والاعتراف بمظالم الماضي، وكشف الحقيقة. إن هذه المرحلة ضرورية لأي مستقبل مشترك للعرب واليهود. أدعوكم أعضاء الكنيست من الائتلاف والمعارضة، لتغيير الاتجاه والبدء بالتغيير والتصحيح، فإن هذا القانون يمكن أن يشكل خطوة أولى هامة.

* خطاب النائبة عايدة توما-سليمان (الجبهة، القائمة المشتركة) أمام الهيئة العامة للكنيست هذا الأسبوع، خلال تقديمها اقتراح القانون حول الاعتراف بمجزرة كفرقاسم

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين