هذا كلام كُتب بعضه من قبل، تغيّرت تواريخه لكن لم يتغيّر تاريخ ظرفه وبالتالي راهنيّته السياسية. موضوعه واضح من عنوانه: إن مَن لا يصوّت أيضًا يعبّر عن موقف سياسي؛ من غير المقبول محاولة تجميل الصورة من خلال تبشيع المصوَّرين واعتبارهم "لامبالين" و "عابثين" و "يائسين"، و "عَمار". لأن معنى الأمر سيكون عدم مواجهة واقع مُعطى ومتفاعل، وهذا لا يفيد ولا يغيّر شيئًا.
هناك من يقاطع الانتخابات بتسويغات ايديولوجية وسياسية مثل حركتي "أبناء البلد" و "الاسلامية الشمالية" وغيرهما. هذه طروحات جديّة ومحترمة تستدعي نقاشها بل تحثّ على نقاش مثرٍ لثقافتنا السياسية عمومًا.
بينما هناك من يقاطع دون طرح برنامج سياسي مفصّل، بل لأنه فقدَ ثقته أو ليس لديه ثقة أصلا بالعملية البرلمانية برمّتها. وهذا موقف. الأسباب قد تكون عديدة ولا تتلخّص بسبب واحد فقط بالضرورة. قد يكون منها: سياسات المؤسسة العنصرية الاسرائيلية التي من شأنها جعل أكبر المتفائلين يأخذون بالتشاؤل وصولا الى التشاؤم فالإحباط التام "منها ومن قرفها". هنا، من الواجب النقاش والحوار والإثبات للإقناع بأن فعل المشاركة الانتخابية من خلال أحزابنا من شأنه التخفيف من وطأة تلك السياسات الرسمية، ولو بالحد الأدنى.
ولكن، في بعض الحالات، قد تكون الثقة مفقودة ليس في مؤسسات اسرائيل، بل في أداء مؤسساتنا نحن، أحزابنا وحركاتنا نفسها (يشمل حركات المقاطعين أنفسهم). علل هذا العلّة ليست قليلة للأسف. منها مثلا: "انسجام" الأحزاب أحيانًا في النظام القبلي المحلي بهذه البلدة أو تلك؛ تبني الأحزاب أحيانًا نفس الثقافة القبلية التي تدعي نفسها بديلا لها؛ انشغال الأحزاب أحيانًا في شؤونها الداخلية بأنانية غير حكيمة وعدم رؤية الناس "عن بُعد متر"، وما شابه. هذه الأسباب طبعًا غير قابلة للتعميم الفجّ ولا تشكل معًا حالة مطلقة للاستنتاج بأن الأحزاب "خلّصت ما عليها". بل هي بمثابة مكامن خلل يجب مواجهتها ومعالجتها جذريًا، وليس بالمهدئات.
باتت إحدى أهم وظائف القائمة المشتركة في كلّ حملة انتخابات العمل لاستعادة ثقة أقسام من مجتمعنا وأهلنا بدور وأهمية وهيبة الحزب السياسي وعمله. وهو ما لن يتفق بالمرة مع أيّ توجّه يتّهم أهلنا مسبقًا بقلة الاكتراث واللامبالاة. يجب تفادي توجهات كهذه، لما فيها من خطأ تشخيص أولا، وثانيًا، وهو الأهم، لما فيها من استعلاء على أهلنا/أنفسنا.
النقاش مع المقاطعين يشكل مساهمة فعلية هامة في زيادة تسييس حياتنا وانشغالنا الجمعي وطروحاتنا، وهذه فائدة خالصة على مستوى الوعي والممارسة معًا. وأتجاهل قصدًا شرائح فردية ضئيلة جدًا تقاطع بضوضاء لوقوعها في مطبّات العبادة الذاتية للأنا ومن بعدها الطوفان، وما كانت لتُقاطع لو "دُعيَت" للقائمة.
مهما كان قرار كل فرد من جماهيرنا، فيجب أن يظلّ التعامل معه يحظى بالاحترام، انطلاقًا من حرية الرأي والحق في الاختلاف. من هنا، بعيدًا عن التنظير والاستخفاف و "الأستذة" المقيتة، من المهم التفكير مليًا في كيفيّة الإقناع بضرورة تقوية صوت جماهيرنا عبر حشد أصواتنا، وفرضه مدويًا، مواجِهًا، معارِضًا ومؤثرًا في كل موقع ومنبر.
يجب الخروج مجددًا والتأكيد للناس بوضوح إن الكنيست يقينًا ليست إكسير حياتنا ولا "شاطئنا البعيد"؛ بل هي حلبة إضافية للنضال، المواجهة والتحدّي، خلافًا لمن يريدها سوق مقايضة رخيصة. عملا بهذا المنطق العمليّ الذي لا يقدّم أية تنازلات مبدئية ولا سياسية ولا وطنية، حجّة التصويت أنه من واجبنا رفع صوتنا شاهقًا لأنه يشمخ من أصلب أرضية؛ من حقوقنا الشرعية، الفردية والجماعية معًا. لا نملك ترف الإنكفاء ولا اختيار العزلة الطوعيّة. وأمام مؤسسة تستبني تقوية سيطرتها على منطق عزل العرب وطردهم من فضاء الشرعية والحقوق، تزداد أهمية ما سلف. فأمام استراتيجية الأبرتهايد السلطوية بالذات يجب إقلاق راحة المؤسسة بحضورنا المواجِه.
إن حملات التهديد والوعيد والتحريض الفاشي ضد جماهيرنا واضحة الهدف، وهو إسقاط الشرعية السياسية عن صوتها وموقفها، بهدف دفعها الى هوامش الإحباط. عام 2009 قال الوزير في حينه مئير شطريت، وهو ليكودي الأصل ومن "كديما" أرئيل شارون لاحقًا: "إذا تنافس العرب في الانتخابات، ولم يصوّت العرب لهم، فهذا سيكون انتصارًا ساحقًا لدولة إسرائيل". هدف القوى الأشدّ تطرّفًا في الجهاز السياسي الاسرائيلي والمتمثّل بتقليص حضور ووزن جماهيرنا السياسي، هو هدف مُعلن. كل تراجع في الدور والوزن والتمثيل السياسي للمليون فلسطيني ونيّف حَمَلة المواطنة، سيُضعف من وزن مطالبهم العادلة على مختلف المستويات. هناك تناسب طرديّ بين انكفاء الجماهير العربية السياسيّ – وهو نتيجة تلقائية في حال تراجع تمثيلها البرلماني - وبين مدى الارتياح الذي سيعمّ السلطة الحاكمة. غياب الحضور العربي مدعاة لفرحهم وليس العكس. واجب المواطنين العرب كسر هذا التناسب بل قلبه رأسًا على عقب. هذا على فكرة لا يقع ضمن ردّة الفعل، بل هو الفعل بعينه.
على القائمة المشتركة مخاطبة شرائح شبابية صادقة بلغة حواريّة أن السعي للتمثيل السياسي البرلماني ليس مزاولة لروائع الديمقراطية الاسرائيلية ولا لتجسيد وطنيّتنا. لا أبدًا. بل إنه حاجة عمليّة حقيقية للدقّ على طاولة السلطة التشريعية الاسرائيلية في كل مرة تتعرّض جماهيرنا للظلم. يجب العمل على زيادة حدّة الصورة: لا نذهب الى الكنيست لأننا ممتلئون ثقة بالمؤسسة الاسرائيلية، بل على العكس تمامًا، نذهب اليها لأننا شديدو التشكّك الواعي بأهداف وغايات السياسة الرسمية، بحكم تجربتنا الطويلة، ومن واجبنا الحفاظ على اليقظة وعلى التّماس المباشر مع المخاطر وفضحها وصدّها.
يجب القول للشباب الصادق بما يعتمل فيه من رفض لواقع قمعه، إننا لم نختر مواطنة اسرائيل، بل إنها جاءت علينا كنتاج لسيرورة تاريخية معينة. لم نقبل بهذا مجّانًا، بل إنه الثمن المُستحقّ لبقائنا في وطننا. نحن الرابحون في هذه المعادلة لأننا ربحنا البقاء في وطننا بدون الانسلاخ عن شعبنا، لا في الدور السياسي ولا في الوجدان الوطني والانساني. هناك مجموعة ظروف تحكمنا بشكل مختلف عن سائر أجزاء شعبنا. وهي ظروف تتطلّب منا إتقان خطواتنا والإمساك بوجهة سيرنا وجِهة مصيرنا. من الخطأ ترك مصيرنا لقدر مجهول كمن يعلّق آماله على الريح. من يريد معاقبة ومواجهة المؤسسة الاسرائيلية يجدر به تأكيد حضوره بأسطع الألوان. حين يواجه ممثلو الأقلية القومية السلطة بحقيقة سياستها المؤلفة من استعلاء وعنصرية وقمع، لا نقوم بأسرلة ذاتنا. لا. حين نُصرّ على هذا فإننا ندقّ جدران الخزّان لإقلاق راحة من يريد سجننا عميقًا خلف أسوار الإقصاء. يجب الدعوة بثقة إلى وجوب التخفيف من العواطف قليلا. وقراءة الصورة بمفاهيم العقل والتخطيط واليقظة.
أخيرًا، لن نتقدّم الى أي مكان إذا ما انقطعنا عن السياق السياسي الأوسع الذي نشكل جزءًا منه. قضيتنا هنا ليست قضية منفصلة عن سائر مركبات الصورة. لا يمكننا ادارة نضال مثمر اذا لم تبقَ عيوننا معلّقة على قضية شعبنا الفلسطيني التي لا تنعكس تفاعلاتها على مستقبلنا فحسب، بل إنها المبلورٌ الأساس لحاضرنا وكذلك لمستقبلنا. ويبقى السؤال العقلاني هو: هل نخدم بانكفائنا السياسي في الانتخابات الاسرائيلية وبعزلتنا الإرادية قضايانا وسائر قضايا شعبنا، أم نجعل السلطة تتنفّس الصعداء براحة أكبر على هذه الهدية؟
.png)


.png)

.png)






.png)

