النساء الفلسطينيات: قمع سياسي لترسيخ القمع الاجتماعي| رهام نصرة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أدانت المحكمة العسكرية في "عوفر" قبل أيّام عدة نائب المجلس التشريعي الفلسطيني، والقيادية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين السيدة خالدة جرّار بتهمة الانتساب لمنظمة "ارهابية"، وأصدرت عليها حكمًا بالسجن الفعليّ لمدّة سنتين يشمل أيام اعتقالها منذ تشرين الأوّل/أكتوبر 2019.

وفي تشرين ثاني الأخير اعتقلت قوّات الاحتلال الأسيرة المحررة ورئيسة اتحاد لجان المرأة الفلسطينية السيّدة ختام سعافين في اعتقال عنيف وعدواني من عقر بيتها في بيتونيا. جرّار وسعّافين ينضممن لقافلة من آلاف النساء الفلسطينيات اللواتي لوحِقن على خلفيّة نشاطهنّ السياسي ومقاومتهنّ للاحتلال كفكرة وليس فقط كسياسات وكممارسة، منهنَّ ما يزيد عن 45 أسيرة يقبعن اليوم في الأسر.

طبعًا لا يُمكن قراءة اعتقال ومحاكمة جرّار وغيرها من النساء الفلسطينيات الّا ضمن سياسات الاحتلال القمعية التي ترمي إلى وأد أي شكل من أشكال المقاومة لسياسات الاستعمار والتوسع الاستيطاني الاحتلالي، والتي تطال الرجال والنساء، الأطفال والشبّان والكهول، ولا تستثني أيّ فلسطيني من دائرة الاستهداف للوعي أولًا، وللفعل ثانيًا.

لكن، لا بُدّ من الوقفة أمام تجريم وملاحقة النساء اللواتي أبين الرضوخ للمنظومة الأبوية الاجتماعية التي تهدف لحصر دورهنّ "التقليدي" في الحيّز الخاص كزوجات "صالحات" وأمهات "معدّلات"، وبالتالي لم يتنازلن قيد أنملة عن دورهنّ في تصدُّر نضالات جماعية سياسية واقتصادية واجتماعية أيضًا، عاملات على تصدير مقاومتهن لنظم القمع الأبويّة والتمييز الجندري لتعزيز المقاومة – غير المفصولة أصلًا – عن أشكال التمييز الأخرى على خلفية قومية ودينية واثنية.

هذه الوقفة الجذرية لا بُد لها أن ترفض ضمنًا كل محاولات تصوير ملاحقة النساء الفلسطينيات القياديات وقمعهنّ على أنها أشكال قمع "فادحة" أو "استثنائية" أو "تصعيدية" أكثر من قمع الرجال والشبّان الفلسطينيين، أولًا لأنها تنطلق من مبدأ، أن النساء غير قادرات على تحمّل هذا القمع ولا أثمان النضال لكونهنّ نساء، وثانيًا، لأنها تفترض ضمنًا -لصالح الاحتلال- قيم اجتماعية تقدمية وهي غير موجودة أصلًا خاصة عندما يتعلَّق الأمر بالنساء الفلسطينيات، لكونهنّ فلسطينيات أساسًا.

 

ملاحقة الطالبات والشابات

في السنتين الاخيرتين شنّت قوّات الاحتلال واحدة من أعنف حملات الاعتقال التي طالت عشرات الطلبة الفلسطينيين في المؤسسات الأكاديمية الفلسطينية وعلى رأسهنّ جامعة بير زيت وجامعة القدس في أبو ديس، لقنص أي محاولات حقيقية لنهوض جيل جديد مثقف وواعٍ يجابه الاحتلال بنشاط ومبادرة وبدون مهادنة.

خلافًا لاعتقال الطلاب من الرجال والذي يمكن أن يفسّر كأمر "عادي" في واقع الاحتلال، فإنَّ لاعتقال الطالبات دلالات تكشف الأهداف الحقيقية وراء هذه الملاحقات. من بين عشرات الشبّان الطلبة الذين تم اعتقالهم، اقترنت صرخات الغضب والاستنكار (والقلق) دائمًا مع أسماء النساء، ميس أبو غوش، شذى حسن، لين عوض، سماح جرادات، ياسمين جابر، شذا الطويل، ايلياء ابو ماضي، ليان كايد، تسنيم القاضي، اية الخطيب من عرعرة في الداخل الفلسطيني، وغيرهنّ.

بهذه الاعتقالات يريد الاحتلال أن يستهدف ليس المعتقلات فقط بل وبالأساس أهاليهنّ لكونهم "سُلطة شرعية" عليهن وبقدرتهم التأثير على تحركات بناتهنّ، وثنيهنَّ على المشاركة في النشاط السياسي المقاوم للاحتلال، وبهذا تعزيز "الردع المجتمعي" الذي "قلّما يفيد" في حالة الرجال. فكما أشار والد إحدى الأسيرات إلى كون اعتقال الفتاة في مجتمعنا كأنه "أثقل" ألف مرّة من اعتقال شاب، خوفًا عليها من الضغوطات والاهانات والتحرشات، بحيث وصف ان اعتقال ابنته كان أصعب عليه بكثير من اعتقال نجله.

هذه المخاوف والضغوطات التي يمر بها أهل الأسرى موجودة أيضًا عندما يكون الابن المعتقل شابًا، لكنها تأخذ شكلًا آخر عندما تُعتقل امرأة بحيث تصبح المخاوف مضاعفة ومن نوع مختلف، بدءًا بالتعذيب الجسدي والتفتيش العاري، مرورًا بالتنكيل اليومي والمسّ بالحقوق الطبيعية، ونهاية بالتبعات المجتمعية للأَسرْ على حياة المرأة ومكانتها المجتمعية ما بعد الأسر.

 

قمع بوليسي للمظاهرات ضد العنف والجريمة في الداخل الفلسطيني

في ذات السياق الاستعماري للوعي وليس فقط للإنسان والمكان، شهدت مظاهرة أم الفحم الأخيرة ضد استفحال الجريمة المنظمة وتواطؤ المؤسسة الحاكمة مع مصالح منظمات الاجرام قمعًا وتنكيلًا بوليسيًّا-سياسيًّا طال الرجال والنساء في المظاهرة، بحيثُ تم توثيق اعتداء حرس الحدود على النساء في المظاهرة والتنكيل بإحداهنّ بواسطة دفعها بقوّة لتسقط أرضًا، والقاء قنابل الصوت والغاز باتجاه النساء المتظاهرات، بدون أيّة "حساسية" أو "ردع" كون هذه العنف البوليسي يُمارس ضد النساء. مشاهد مشابهة ضد المتظاهرات رأيناها سابقًا في الناصرة وفي حيفا وفي النقب وعرّابة وغيرها من البلدات في قضايا مختلفة ذات سياق سياسي واحد.

على ضوء هذه الاعتداءات -ولكن ليس فقط - خرجت أصوات هنا وهناك، أمس واليوم، تنادي بعدم مشاركة النساء في المظاهرات أو على الأقل عدم تصدرهنّ الخط الأوّل في المظاهرة، لما في ذلك من خطر عليهنّ جرّاء العنف البوليسي. طبعًا هذه الأصوات تأخذ من العنف البوليسي حجّة لتغليف مواقف رجعية أخرى ترى النساء ضلعًا قاصرًا أن يأخذ دوره الفعّال والنشيط والمتساوي في النضالات المختلفة، خاصة تلك التي تُنظّم في الحيّز العام.

 

 

 

"حياديّة" جندرية لصالح ترسيخ الأبويّة

قد يُخيَّل لنا أن سياسات القمع والتنكيل بحق الفلسطينيين والفلسطينيات في أم الفحم ورام الله هي نتيجة طبيعية لعقلية الاحتلال الذي يتعامل معنا على أساس هويتنا القومية وكأنه لا فضل لرجل على امرأة الا بالخضوع والطواعية لسياساتها، وهو أمر صحيح لا شكَّ فيه، لكن بالإضافة إلى ذلك علينا أن نُميّز كيف توظّف اسرائيل هذه "الحيادية" الجندرية في السياق السياسي لترسيخ موازين القوى الجندرية والقمع ضد النساء في السياق الاجتماعي، بما يخدم مصالحها هي (اسرائيل) للإبقاء علينا أسرى الاستضعاف الداخلي وأسرى الملاحقة الاجتماعية والمجتمعية، وبالتالي شرذمة نضالاتنا.

دليل على ذلك هو اختيار ذات المؤسسة أن تتعامل مع القضايا المجتمعية التي تتعلَّق بحقوق النساء المدنية، كالعنف الجندري، وتشغيل النساء، وقضايا التعليم، وقضايا الأحوال الشخصية كقضايا "داخلية" وبمنطلق "الحساسية الثقافية" وباسم "تعدد الثقافات"، لتأخذ بالتالي دورها في القمع المجتمعي الذي يطال النساء وتجذير مواطن السلطة الأبوية، طالما لا تدوس سلطتها الأبوية هي كسلطة عُليا قامعة للنساء والرجال الفلسطينيين معًا تحت قبضتها الحديدية.

اذًا، هذه "الحياديّة" الجندرية التي تنتهجها اسرائيل وعدم تفريقها بين وقع الاعتقال أو همجية العنف أو قساوة الأسر بين النساء والرجال، ما هي إلا شكل "آخر" لمحاولات "تهذيب" النساء اللواتي قرّرن أن يربطن نضالهنّ المجتمعي بنضالهنّ السياسي ويرين بهما نضالات متقاطعة حتمًا، وبالتالي اقتران هذا الفعل السياسي بثمن اجتماعي "يصعب على المجتمع الأبوي تحمّله"، ليتجنّد الأخير لصدّ العمل السياسي، وبالتالي يجد نفسه يسبح في تيار الاحتلال.

وللحقيقة، لا يُمكن أن نقرأ الانفلات التحريضي والدموي الأخير على النائبة عايدة توما سليمان وعلى الجمعيات النسوية وعملهنّ على رفع قضايا المستضعفات والمستضعفين، اجتماعيًا واقتصاديًا وقوميًا، الا كتقاطع مصالح بين من يريدوننا رهائن الأبوية وإن تعددت أشكالها وتعدد رعاتها.

أمام تقاطع المصالح، من غير الممكن الّا أن يكون نضالنا نحن النساء غير المنفصلات عن هموم شعبهن والمؤمنات بدورنا وبقدرتنا على تصدّر النضالات المختلفة وبالتالي دفع أثمان هذه النضالات، لا يمكن له الا أن يكون نضالًا تقاطعيًا يجابه كل أشكال التمييز.

في يوم المرأة، كما في كلّ يوم: ألف تحيّة للأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الاسرائيلي، وللنساء الصنديدات في أم الفحم والجليل والنقب، وكل النساء اللّواتي ينتقلن من معركة إلى أخرى، ويتحدّينَ كل القامعين، ليعبدنَّ الطريق نحو التحرير من كل أشكال العبودية.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين