في ظرفٍ لا وقت فيه لأحكّ رأسي وجدتُني متورّطًا في ردّ على ملاحظة غبيّة. كانت الملاحظة في غير محلّها ولا أوانها.. يتداول أساتذة الجامعات في إسرائيل، عبر منصّة بريديّة خاصّة، آراءهم في كلّ القضايا الحارقة والمحروقة والباردة والمبرّدة. يتناقشون ويتناوشون في كلّ مسألة. لا أشارك في المناوشات لأنّ بعضها مضيعة للوقت وبعضها هدر لمخزون الأعصاب الذي أخذ ينشّف أصلا. لكنّ الملاحظة التي كتبها أحد الأساتذة استطاعت أن تستفزّني من مقعدي. فيها يستنكر قولنا "نكبة" ويستكثره علينا. ولماذا تستفزّني ملاحظة غبيّة فاتلة كهذه؟ لأنّ ذاك الأستاذ بدا فيها مثل الأطرش بالزفّة، "بسحج بالغرب والمحوربة بالشرق". بنى موقفًا على خطأ فاضح مفضوح فجاء موقفه مقلوبًا مفتولا عن الحقيقة. فهّموه أنّ لفظة "نكبة" معناها مصيبة. والدولة ذاتها مصيبة وقيامها مصيبة. ومن هنا فهم، بفطنته التي يُحسد عليها، أنّ المصيبة واجبٌ محوها عن الوجود بكلّ ما فيها ومن فيها. وهذا أمر لا يعقله أحد في دولة تحترم نفسها وسيادتها وكرامتها. أمرٌ لا يصلح فيه أو معه أيّ موقف رخو. ولا بدّ من إيقاف هذه المهزلة ومحاسبة الجناة على هذه الكلمة. وكيف لا تكون غبيّة وهي صادرة عن أستاذ جامعيّ لا يليق به الغباء إلى هذا الحدّ. للمقارنة السريعة فقط، لم أنفعل مثلا أو أحتفل بتنمّر يسرائيل كاتس، حين قال ما قال عن النكبة والعَلَم، لأنه بنى موقفًا دمويًا صريحًا على فهم عميق للتاريخ. تهديداته بنكبة جديدة، كتلك التي خبرها أهلونا على جلودهم، تؤكّد معرفته الدقيقة بالتاريخ. أمّا هذا الأستاذ فكان كالببّغاء. وهل الببّغاويّة (أعني التخلّق بأخلاق الببّغاء) أصعب من التنمّر وأقسى وأعنف؟ نعم، إذا كانت من تقاطعات الغباء.
السؤال الأول: ما معنى نكبة إذًا وكيف صارت اللغة مرعبة؟
لفظة "نكبة" في المعجم تنهض على معنيين مركزيّين اثنين مثلما جاء في "مقاييس اللغة" لابن فارس: (1) ميلٌ أو عدولٌ عن الصراط (المستقيم)، (2) وداءٌ يصيب المناكب... هذا بتجريدٍ شديد.
والنكبة في التاريخ الفلسطينيّ قد تحصّلت بثلاث حقائق عند إقامة إسرائيل: تقتيل وتهجير يتبعه استيلاءٌ واحتلال. النكبة إذًا حالتان: نكبة في المعجم والنكبة في التاريخ. الأولى لغة والثانية كلام. اللغة في القواميس والكلام تداولٌ بين الناس يعكس واقعهم. واللغة والكلام قد يكونان على خلاف واختلاف. تمامًا مثلما تختلف "النكبة" المتداولة بمعانيها ومكتسباتها التاريخيّة عن لفظة نكبة بمعانيها القاموسيّة.
ألا ترى أيّها الأستاذ الجامعيّ الجاهل أنّ لفظة "نكبة" إذًا ما زالت قاصرة عن احتواء الحقيقة حتى على مستوى المعاني ناهيك من مستوى المشاعر؟! من المفارقات المرعبة أن تصير لفظة "نكبة" من جوامع الكَلِم باتجاه صاعد من الواقع إلى اللغة. عندما تتّسع اللفظة المعجميّة لتستوعب المزيد من المعاني المكتسبة تصير كلمة جامعة. والغريب في الأمر، أيها الأستاذ العبقريّ، أنك ترتعب من لفظةٍ أنت من وسّعها وأضاف إليها معاني لم يفطن إليها لا ابن فارس ولا ابن منظور. كانت اللفظة راضية بقسمتها ونصيبها، راضية بمعنيين "خفيفين لطيفين" فحمّلتها معاني التقتيل والتهجير والاحتلال. أرضيتَ بالواقع واستثقلتَ اللغة؟! عجيبٌ أمرك غريب!
إذا كانت كلمة "نكبة" مرعبة إلى هذا الحدّ، وهي في المحصّلة الأخيرة علامة معجميّة، فماذا تسمّي ما حدث للشعب الفلسطينيّ مع قيام إسرائيل من تقتيل وتهجير واستيلاء؟ إذا كانت لفظة "نكبة" الخفيفة في معانيها ثقيلةً على مسامعك فاقترح لفظة من عندك تصل إلى عمق المأساة. ولتكن صدقة جارية في ميزان حسناتك، وإنّا لك من الشاكرين. أقول ما أقول بجدّية بدون أيّ منكّهات ساخرة. أذكّرك بلفظتين استطاع الشعب الفلسطينيّ أن ينقلهما من أحشاء المعاجم العربيّة وأن يصدّرهما إلى فضاء الإنسانيّة كلّها: "نكبة" و "انتفاضة". نكبة أنت فاعلها نحن مفعولها، وانتفاضة نحن فاعلها وأنت مفعولها. ولمّا كنّا نحن مفعولين فاعلين صارت اللغة لنا. هكذا تُكتب اللفظتان في كلّ لغات الأرض. لا تُترجم ولا تُستبدل برديفٍ أو مثيل. وهكذا تخرج اللفظتان من كلّ الحناجر في الأرض مثلما نكتبها نحن ونلفظها بالضبط... أيكون هذا بعض ما يثير حفيظتك أصلا؟!
السؤال الثاني: هل يجوز الفصل بين النكبة وإسرائيل؟
ليست النكبات من الشروط القبليّة لإقامة الدول. ودولة إسرائيل ليست استثناء في هذه الجزئيّة. إسرائيل والنكبة أمران متعالقان تعالقًا تاريخيًا، صحيح، لكنّهما مستقلّان على المستوى النظريّ. معنى ذلك أنّهما قد يكونان على انفصال بصفة مبدئيّة. كان من الممكن أن تقوم إسرائيل قيامًا سويّا بدون نكبة. كأن يقيم الفلسطينيّون واليهود دولة بالتوافق، على الأقلّ، إن لم يكن بالتراضي. وهذا أمر وارد على مستوى المبدأ. غير أنّ إسرائيل هي نتاج التفكير الصهيونيّ. ما يعني أنّ النكبة مردودة إلى المنظومة الفكريّة الصهيونيّة التي أقامت إسرائيل. من هنا لم تكن مشكلة الفلسطينيّين مع الدولة ذاتها، بل مع التفكير الذي أقامها على نكبة. وسأوضح هذه المسألة بشيء من التفصيل.
السؤال الثالث: كيف تتفاعل الأحزاب العربيّة مع النكبة والدولة؟
لمّا كانت دولة إسرائيل فعلا سياسيًا، رافقته نكبة، كان لا بدّ من ردّ فعل. وهكذا قامت الأحزاب العربيّة، التي تُفرغ طاقاتها في الفعل البرلمانيّ، تعبيرًا عن ردّ فعل سياسيّ على فعل سياسيّ. وهنا اختلفت الاجتهادات في كيفيّة الردّ ومعانيه وتبعاته. أذكّر بهويّتنا الجمعيّة الثلاثيّة، القوميّة العربيّة والوطنيّة الفلسطينيّة والمدنيّة الإسرائيليّة، التي كنت تحدّثت عنها في سلسلةٍ من مقالات سابقة. الهويّة الثلاثيّة هي الحدّ الأدنى الذي يلتقي عنده كلّ الفلسطينيّين في إسرائيل إذا جرّدناهم من أثر الطوائف والأجناس والعقائد. وهكذا كانت النظرة إلى النكبة وتداعياتها محكومة بهذا التثليث. منه تنسل المواقف والممارسات السياسيّة.
حزب التجمّع مثلا يطمح إلى تحويل الدولة لكلّ مواطنيها. الحزب الشيوعيّ يؤمن بأنّ الخروج من حالة الانتكاب لا يكون إلا بإقامة دولة للمنكوب. الحركة الإسلاميّة الجنوبيّة، أعني منصور عباس، تظنّ أنّ إسرائيل تستطيع محو آثار النكبة بتخليصنا من بعض همومنا المدنيّة (التي تصنعها هي بنفسها).
التجمّع في طرحه القوميّ تصحيحيّ. "دولة لكلّ مواطنيها" تعني نظريًا إقامة دولة مشتركة بالتوافق بدون نكبة. الحزب الشيوعيّ في طرحه الوطنيّ تعويضيّ. هذا هو معنى تقسيم الجغرافيا إلى دولتين. منصور عباس في طرحه المدنيّ تصفويّ. لا يرى صلة بين النكبة وبين الهموم المدنيّة التي تصنعها السياسات الإسرائيليّة لهذا الغرض بالضبط.
التجمّع لا يرى الحلّ في المسار الوطنيّ/الجغرافيّ بل في المستوى البشريّ. ولذلك لا يحلّ المشكلة أيّ تقسيم للوطن. ما يحلّ المشكلة هو إنصاف الإنسان العربيّ الفلسطينيّ، إنصاف القوم. الحزب الشيوعيّ يؤمن أنّ تقسيم الأرض/الوطن يُغلق احتمالات الخلاف مستقبلا. ويخشى أن تُفضي فكرة "دولة لكلّ مواطنيها" إلى سباق عدديّ (ديموجرافيّ)، بين الفلسطينيّين واليهود، ما يُبقي الصراع مفتوحًا ويصيّره دمويًا داميًا. منصور عباس يتشبّث بالمركّب الثالث من الهويّة الثلاثيّة ويرى المشكلة محصورة في التمييز المدني ضدّنا. هذه ثلاثة اجتهادات سياسيّة تتساوق أو هي تتناغم تمامًا مع الهويّة الثلاثيّة. والنقاش مع هذه الاجتهادات الثلاثة كلّها متاح ومباح. ولي نقاش معها فعلا أتركه إلى وقت آخر بعيدًا عن حالة العصبيّة التي أقحمتني فيها يا أستاذ.
السؤال الرابع: وما هي دلالة هذه التفاعلات؟
لا تقلق على الدولة يا أستاذ.. ألا ترى أنّ الدولة في كلّ الاجتهادات الثلاثة، رغم الفرق الكبير بينها، تبقى حاضرة بقوّة؟! وإلا كيف تتأدّى الممارسة السياسيّة البرلمانيّة إن لم تكن في حضن الدولة؟! ألا ترى أيضًا أنّ هذه الاجتهادات الثلاثة كلّها لا تسعى إلى محو الدولة مثلما فهّموك، أو فهمت أنت بفطنتك المتميّزة، بل إلى معالجتها وتصحيح مسارها وتنشيط أدائها؟! بالعودة إلى لفظة "نكبة" التي أثارت حفيظتك، لقد أجمع الفلسطينيّون على التحلّل من آثار النكبة التاريخيّة بمعاني لفظة نكبة المعجميّة المحدودة والمخفّفة التي اقترحها ابن فارس. حسموا أمرهم باستبدال النكبة بلفظة نكبة، أعني استبدال التاريخ باللغة، فلا تستكثرها علينا يا "رجل"! هل سمعت حزبًا عربيًا ينادي بالتقتيل والتهجير أم بمعافاة الدولة من أدوائها وتصحيح مسارها وتعديله؟!
الاختلاف الجوهريّ بين المشتركة وبين منصور عباس، في مسألة النظر إلى الدولة، هو في التفريق بين إسرائيل كفكرة دولة وبين إسرائيل كدولة فكرة. في حين ترى المشتركة أنّ إسرائيل هي فكرة ميدانيّة عمليّة لدولة ينبغي تعديل مسارها وتصويب سياساتها، يرى منصور عباس أنّ إسرائيل هي دولة الفكرة القبْليّة المنجزة، لا تقبل الجدل ولا النقاش، وإن كانت هذه الدولة تقصّر في بعض الجوانب المدنيّة. وهنا موضع الخلاف بالضبط. الفكرة الصهيونيّة ترى في الدولة ترجمة حرفيّة نهائيّة لها. الخلاف مع الفكرة إذًا، مع التفكير الصهيونيّ الذي لا يقبل أيّ نقاش حول الدولة وسياساتها. الدولة فكرة مغلقة عندهم. الدولة عند المشتركة، والجماهير التي تمثّلها، فكرة مفتوحة للشفاء والتصحيح والتعديل. نعم، حسم الفلسطينيّون أمرهم "بالتحلّل" من آثار النكبة بقبول الدولة كفكرة مفتوحة. الدولة فعل والفعل ناتج تفكير. والتفكير صهيونيّ. النقاش حول الدولة إذًا مع التفكير الصهيونيّ الذي يقف وراءها. وهذا من حقّنا وواجبنا بل هو من حقّك وواجبك أنت يا أستاذ.
اقتراح
من باب الزمالة يا أستاذ، أهمسُ في أذنك أنِ اهمسْ في آذان السياسيّين الإسرائيليّين أن يحتضنوا الحلّ الجغرافيّ ويتشبّثوا به ويعضّوا عليه بالنواجذ. حاول إقناعهم بأنّ مصلحة إسرائيل تقتضي التعويل على من يدخل الهويّة المدنيّة من باب الهويّة القوميّة والوطنيّة، ولا ينعكس. لو كنتَ يا أستاذ على قدر أكبر من الذكاء لقلتُ لك إنّ المشتركة، بصرف النظر عن التفاصيل بين مركّباتها، أفضل للدولة وأهلها أجمعين وأنفع للمدى البعيد من منصور عباس، لكنّي تذكّرت أنّ ذكاءك لن يسعفك لنقل الاقتراح أو فهمه أصلا.. فعفوك!



.png)

.png)






.png)

