النّساء في 2020 كنّ المحاربات المقدامات على موائد اللئام| مريم أبو الهيجاء

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

لم يترك هذا العام حدًّا صوريًّا أدنى من الأمَل، بل خلّف الصورة الحقيقية لما وصفه الأديب إبراهيم نصر الله مختتمًا هذه السّنة الّتي لوّحتنا ما بين البلل الوسميّ والغرق الرسميّ بـ"بروفة كونيّة لنهاية العالم". أحدثت هذه السّنة الثّقب الأسود الّذي لطالما كان ظاهرةً علمية ينجو منها واقعنا بعيدًا عن الفيزياء والتجاذبات في درب التبانة ومنطق الزمكانية، لم يفلت أحدٌ بالفعل من سنيمائية مرسومة بدّقة، تغوص في الجبّ الذّي يسمّى 2020 أينما ابتلعنا فيها ثقب حقيقيّ، بدءًا من عدوان واغتيال وتآمر وصفقات، وأزمات مناخية وبيئية وصحيّة واقتصادية واجتماعية ونفسيّة، استعمار، احتلال، استيطان مرفق بتتبيع وتطبيع وهرولة قاصمة لظهر القضية الفلسطينية، وفقدانات مُرعبة في ميادين عدّة، الرياضة، الفنّ، السياسة، آثرت شخصياتها المركزية أن تعبث بأرواحنا وعقولنا وأن تجسّد لنا المعنى الحسيّ الدقيق للوجود الذي انبثقنا نحنُ منه، لهذه السجيّة التي أوجدنا عليها، وعملنا سنوات طويلة بمساعدة أحداث وشخوص وتركيبات أن نبني شيئًا بواسطتها، أو نحفر ذكرى ما تكون هي طوق النجاة الوحيد في حقل الألغام الذي ينتظر قدمًا جريئة ليفجّر هذا التيه بجنازة واحدة.

في ظلّ هذا الإنزال الكارثي على رؤوسنا من كلّ حدبٍ وصوب، لم نرَ أو نلمس تغييرًا يجدر مدحه في السياسات نفسها، فمن يسوّل له جشعه أن يستمر باحتلال شعبٍ آخر، لن يأبه للفئات المهمّشة الّتي فتّتها فعليًا هذا العام، وكأنّه كان تدريبًا قاسيًا في معتقلات حقيقية، الأطفال، المسنون، الأكاديميون، العمّال، الأقليّات، النساء، العاملات منهنّ والعربيّات بالذات، كلّ فئة كبّلت بأصفاد لم تعهدها من قبل، هم الأكثر ضعفًا وتعرضًا للخطر الداهم والعبء الجسيم، ولكن ملحميّة هذا العام تحتّم أن نشهّر للنساء أكفّنا تحيّةً لكونهنّ تحملنّ كلّ هذه الحُلكة ونجا قسم منهن بأعجوبة من ظلامية انقشعت قشرتها بسهولة عبر هذه الأزمة، لذا فإن هذا التقرير معدٌّ لتسليط الضوء على عامٍ كدّس النساء في متاهات وتساؤلات ودوامات كبيرة.

تؤدي الفجوات القائمة بين الجنسين إلى زيادة الآثار السلبية لأزمة كورونا على النساء، في واقع لم تسد فيه أي فجوة تُذكر بين الرجل والمرأة وفي عالم يُدار بالبطريركية ويكتظ بالشوفينية الذكورية ان كان على مستوى اجتماعي أو سياسي مدروس، كانت هذه الأزمة نفسها هي العبرة الوحيدة المستقاة، هي الستار الّذي أُزيح عن جريمة متواترة، وقد حدث ذلك خلال الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، والأزمات الصحيّة والاوبئة الأخرى التي اجتاحت العالم، ولكن الانتكاسة الكبرى قد تطال حتّى المكاسب اليوميّة التي حققتها النساء بشق الأنفس على مدار سنوات طويلة وبنضال متواصل ومكثف، لذلك من المهم أن نعي كيف أثرت هذه الأزمة عليهن وما تبعاتها اللاحقة.

والحقيقة، ان التركيز الضيق على المستوى الاقتصادي الصحي الذي رُمينا عنوة فيه، دون الحاجة إلى النطاق الكامل للتأثيرات والفوارق المصاحبة للأزمة هو أمر سيّئ وغير عادل بالمنظور الأشمل الذي تتغاضى الأطراف المعنية عن مناقشته، مثل نقص تمثيل المرأة في مراكز صنع القرار ما يعني عدم سماع صوتها وتلبية احتياجاتها، وارتفاع معدلات البطالة للنساء ما قد يؤدي إلى فقدان وظائفهن وبشكل أو بآخر إلى الاعتماد والتبعية الأكبر للرجال أو للمؤسسات الرسمية، اخراجهن لعطلة غير مدفوعة الأجر باعتبارهن الحلقة الأضعف فضلًا عن الأجور المتدنية بالأساس وانعدام شبكات الأمان، العبء الثقيل الملقى على كاهل المرأة بسبب إغلاق المؤسسات التعليمية، والحول دونها وأطفالها، والذي يؤثر بدوره على فرص عمل المرأة وسبل عيشها، وتزايد العنف الجنسي والجسدي والاقتصادي، وضعف ووهن الدولة وأذرعها بالتعامل مع نصف سكانها وتركهن عرضةً للسقوط المدوي.

أوضحت بيانات مؤسسة التأمين الوطني ان 58% من النساء مقارنة بـ 42% من الرجال كنّ من بين العمال الجدد المعطلين قسرًا عن العمل خلال آذار2020. وفي الواقع قد يظنّ البعض أن الأزمة المباغتة قد أفضت إلى نتيجة كهذه وأنها قد تكون أزمة عابرة، ولكن في أواخر أيلول، أصدرت "كالكليست" تقريرًا بعنوان "66% من المعطلين عن العمل في الموجة الثانية هم من النساء - ولا توجد حتى الآن مساعدات"، يوضح أن المهن الّتي داهمها خطر البطالة كانت تعود بمعظمها للنساء، فمثلًا 26% من المعطلات كنّ من قطاع التعليم والتدريب والمساعدات في الصفوف والمواصلات الخاصة بالأطفال، 22% من قطاع المبيعات، و13% من قطاع المطاعم. كما تبين أنه خلال شهر أيار كان هناك انخفاض بنسبة 7% في معدل مشاركة الأمهات (من سن 25 إلى 44) في سوق العمل مقارنة بشهر أيار 2019. وهذا يعني، على ما يبدو، أن بعض النساء اللائي تسربن من العمل قد يئسن حرفيًا من العثور على وظيفة في ظلّ الظروف الراهنة التي صعّبت أحوالهن. كما منحت الأزمة شرعية تمييز مخزية وقاسية لفصل النساء الحوامل ومن يتواجدن بفترة ما بعد الولادة. ففي أيار العام الجاري، تم تقديم 370 طلبًا لفصلهنّ إلى وزارة العمل والرفاه، أي أكثر بـ 3 مرات مما كان عليه في أيار 2019.

ولإنصاف جزئي، أشير إلى أن توظيف النساء عمومًا ارتفع بنسبة طفيفة من عام 2009 إلى 2019، 71% حتّى 78,5%، ولكن الارتفاع جرى خلال عشر أعوام كاملة، وقفز معدل توظيف المرأة العربيّة من 25,5% إلى 37,5% خلال نفس الفترة، وهي نسبة صغير جدًا مقابل تشغيل النساء اليهوديات، ولكنّ الأزمة لم تترك مجالًا للشكّ أن هذه المعدلات المطروحة تُدمّر فعليًا بشهور قليلة. ومن يحاول التفاؤل في هذا الجانب قد يكون متسرعًا، ففي الخامس والعشرين من تشرين الأوّل من العام الجاري قال تقرير لدائرة التشغيل، إن عدد النساء اللواتي تم فصلهن او اخراجهن لعطلة بدون راتب، خلال شهر أيلول لوحده، يقارب ضعف عدد الرجال، إذ بلغ عدد النساء المعطلات عن العمل حوالي 128500 مقابل 75850 رجلاً، في ظلّ تهديد ووعيد أن جزءًا من الذين افتتحوا العام بأملِ إيجاد فرصة عمل جديدة قد يفقدونها بسهولة، ولأنّ لا ضمان يكفل النساء عمومًا، وفي حالة وباء سياسي اقتصادي وصحي، تفغر هذه الفوهة فمها أكثر، لا سيما وأن الفتيات اللواتي لجأن للعمل في قطاع المطاعم أو الاتصالات لتوفير قسط تعليمهن على سبيل المثال، وجدنَ أنفسهن خارج الدائرتين، العمل نفسه، لأنّ الحكومة لم توفر فرصًا اعتبارية لهنّ وأيضًا التعليم الذي تهدّد بفعل الفقر وعدم القدرة على سداد الأقساط الباهظة، التي فُرضت بغير حقّ كما لو أن الطلاب يتعلمون في الحرم الجامعي مع كل الامتيازات الوهمية التي تظن الجامعات أنها تمنحها لطلابها.

ولا بدّ بمكان ما من الإشارة بشكل خاص الى شريحة النساء في النقب، اذ تعتبر والأطفال من أكثر الشرائح تضررًا في أزمة الكورونا في منطقة تعج أصلًا بقرى مسلوبة الاعتراف، في حين تشكل السياسات الصهيونية بعدًا آخر في التهميش والاقصاء نظرًا لانعدام البنى التحتیة، والأطر الصحية والتعليمية والرفاه الاجتماعي وغيرها، ما حال دون قدرة النساء على العمل وتهميش مطالبهن أو تلقي خدمات صحية كما ينبغي.

وحسب تقدیرات مكاتب التشغیل هنالك حوالي 15 %من النساء العربیات یعملن بالعمل الأسود أي دون علم الجهات الرسمية، ويتواجدن في دائرة الخطر التي تفاقمت أكثر مع بدایة الأزمة وتوقفهن عن العمل فيما لا یستطعن تلقي مخصصات بطالة أو أي تعویض من الدولة. وأظهرت ورقة موقف مفصلّة للأزمة، التأثير الشديد على توظيف النساء العربيّات، هناك خوف مدقع من عدم قدرتهن على الاندماج بسوق العمل مجددًا، وأنهن يواجهن معركة كبيرة في فك الاستغلال من قبل أرباب العمل. كما ينظر على الخطط الحكومية على أنها شكل من أشكال الخيال العلمي، تخصيص المبالغ التي تم الحديث عنها لم يتم بالفعل، أو تأجل بسبب رغبات فردانية لوزير المالية يسرائيل كاتس ورأس الهرم الأعلى الذي يديره بإصبعه.

 

// نضالات نساء في عدة قطاعات

ولا بدّ هاهنا من ذكر نضالات نقابية هامّة تم خوضها هذا العام، رغم أنها تفجرت بعد ضيقٍ كبير بفعل الأزمة ذاتها وكانت تحتاج لذلك منذ زمن، خاصّة نضال العاملات الاجتماعيّات والممرضات وعاملات المختبرات والحاضنات والمعلمات، وهي قطاعات تستحوذ النساء على العمل بها وعانت من تمييز خلال هذه الفترة وكنّ النساء أنفسهن رائدات في إيصال صوتهنّ ضد الحكومة وسياساتها، وأظهرن بقوّة تأثیر الخصخصة على جميع المستويات، وحقّقن مطالب مرحليّة لا علم لنا متى وكيف سيتم تنفيذها مع دخولنا لحرب انتخابات إضافية.

أما في السّجن الذي ينبغي عليه أن يكون أكثر أمنًا، تعرّضت المرأة لإجحاف حقيقي، يعكس ما قاله لينين بـ"العبودية المنزلية"، وهذا لا يقتصر فقط على الدور الوظيفي المجتمعي الّذي ألصق بالمرأة وتوّج دعائيًا، بل أماطت هذه الأزمة اللثام عن مشروع افقار وتعنيف وتهميش النساء عمدًا، في ظل أزمة سياسيّة حادة احتكمت بالنيوليبرالية والخطاب العسكري عبر أزمة تحدق بالجميع بشكل متساوٍ، وأدّت إلى تدهور وضع النساء بالمفهوم الضيق والشمولي أيضًا، خاصة المرأة الفلسطينية، وهي أقلة تعاني التمييز والعنصرية داخل أقليّة لا تنصفها مطلقًا. وفي حين كان المفترض كما ذكرت في تقارير سابقة، أن يكون الاغلاق على عبثيته وبمفهومه غير الواضح والمشوش ملجئًا للأطفال والنساء، أصبح المدفعية التّي توضع الضحية على رأسها.

كلّنا يعلم بأنّ التقارير كشفت ما لا يُمكن تحمّله والسكوت عنه بعد، فمقارنة بالعام 2019، ازداد عدد التوجهات لمراكز المساعدة والدعم خلال موجتي انتشار الوباء بأكثر من 40% مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضیة، والحديث يدور عن آلاف التوجهات التي لم تجد في بعض الأحيان أي ردّ بسبب التضييقات التي فرضتها الحكومة بلا رؤية ولا دراسة ولا تخطيط، وشكلت التوجهات والشكاوى في شهر نيسان زيادة بنسبة 34%، كما بلغ الارتفاع في شهر أيار نسبة 33%، لترتفع أكثر في شهر حزيران بزيادة تقدر بأكثر من 43%. الحديث لا يدور عن تحرّش وعنف جنسي وجسدي، الابتزاز، التهديد والاغتصاب وحسب، انما عن أوراق مفصلة عن مرتكبي هذه الجرائم نفسها ومدى القرابة بينهم والضحيّة، وعدم ثقة النساء أصلًا بالسكّين الأكبر، أي بجهاز القضاء والشرطة الذي يتجاهل هذه الفئة (لعلّ قضيّة الضحيّة وفاء عباهرة كانت أبرز الأمثلة التي فضحت هذه الأجهزة في الوقت الذي تغزّل فيه بعض السياسيين بأفراد الشرطة وطالب مجتمعًا بأكمله أن يعطي فرصةً لمتآمرين علينا بأن يكونوا بيننا)، كما لا تُعالج الملفات الموكلة إليها بل وتغلقها، ولا تعمل الشرطة على تقديم الحماية للنساء، أو إعادة تأهيل الجناة هذا اذا ما تم القاء القبض عليهم.

وطغت للأسف، في هذا العام القاتم مشاهد وجرائم قتل النساء، واجهنا هذا الوباء لنساء لا يمكن عدّهن رقمًا، إنّما بالاسم والهويّة والزمان والمكان لو أمكنتنا من ذلك كل السطور، والحقيقة وجدتُ قناعةً ما تفي بأنّنا لا يمكن أن نُقارن هذا القتل بسنوات أخرى، رغم أن الأرقام ذاتها تشير إلى اخفاق اجتماعي وحكومي سياسي مكثف في تقديم بيئة آمنة معدّة لترقية النساء ونزعهن من دوائر الخطر، ولكن لكل اسم هناك رواية كبيرة كشفت بالقتل عن أنياب شرسة تقتل المرأة لأنّها امرأة ببساطة ولا سبب آخر لذلك. يفزع المجتمع أن تتفوّق امرأة أن تكون حرّة بمساحتها وكيانها وأن تنسلخ عن مفاهيم وقوالب معلّبة وجاهزة. لذا سيظلّ اسم أكثر من 13 ضحية في مجتمعنا العربيّ تخفق بذاكرة معبقة بالسواد، هنالك أسماء كشفت لنا تلكؤ الشرطة وتعاون المجتمع مع المجرم ومنحه الأذونات والتصديقات لهذا القتل. فحتّى القتل الّذي يعدّ "عشوائيًا" لم يكن بالنسبة لي، إلا علوية ذكورية تخوّل حمل السلاح ضمن سياسة أكبر موجهة لضرب أعناقنا في ظل تسجيل أكثر من 100 ضحية بالمجمل في عام كارثي، ألهانا عن خطوطنا العريضة الأساس إلى الاقتتال الداخلي، الذي لم تزل خباياه مطمورة أيضًا في أفئدة نساءٍ لم يفصحهن عمّا عايشناه.

ولسوء الحظّ ولضعف الاعلام العربي وخضوع الأصفر منه للروايات المزيفة والمفتعلة، كان من الصعب دفع جرائم القتل ضد النساء بصيغتها وروايتها الحقيقية إلى الأجندة اليومية، وقد أشارت ورقة الموقف التي أعدتها الجمعيات النسوية في البلاد إلى هذه الصعوبة خاصة أن العالم مشغول بوباء يجتاحه، فما كان منهنّ إلّا أن يضغطن لتحضير مواد جاهزة لنشرها والمطالبة عبر مسارات عدة بأن يكن النساء المهنيات جزءًا من النقاشات التي تدار في المكاتب واللجان الحكومية وأيضًا في لجنة المتابعة ولجنة رؤساء السلطات. في حين أن الرّد الإعلامي كان أداة للمداولات الاقصائية قطعًا، وفُهم على الفور أن لا وقت لمناقشة "الخطاب النسوي" بينما ضاعت هذه الأخبار في زخم الكورونا.

وأشارت نفس ورقة الموقف إلى نقطة هامّة أخرى قد تضيع في سراب المعضلات التي عانت منها النساء خاصّة خلال الأزمة في كل ما يتعلق بالأحوال الشخصيّة، وهنا أقتبس منها: "على الرغم من التسهیلات التي فرضت لإبقاء امكانیة التوجه للمحاكم ساریة المفعول الا انه وحسب امر الطوارئ تم ایقاف نظام عمل كل المحاكم بكافة درجاتها في المحاكم النظامیة (ما عدا محكمة العدل العلیا) والدینیة ومحاكم العمل ودوائر الاجراء وتم تأجیل جمیع الجلسات التي كان قد تم تعیینها سابقًا، وسمح فقط بالاستمرار في النظر والبث في القضایا والاوامر المستعجلة. وكان لتعطیل عمل المحاكم نتائج صعبة في مجال الأحوال الشخصیة. ولم تكن المنظومة القضائیة مهیأة للعمل بوضعیة طوارئ ومما زاد من أثر المشكلة هو كون هذه المنظومة مرتبطة بمنظومات اخرى تم توقفها عن العمل كمكاتب الخدمات الاجتماعیة التي تعتبر المفتاح للمحاكم ولمنظمات أخرى مثل تعطیل المواصلات العامة، تردي الوضع الاقتصادي والخ. لذلك فأن المشكلة الاساسیة التي واجهتها النساء في هذه الفترة تتركز في المنالیة الفعلیة للمحاكم وإمكانیة الوصول"، لا سيّما وأن الانصاف المتوقع في ميدان الجهاز القضائي ومدى فاعلية المحاكم وانحيازها لقضايا النساء بشكل حقيقي وعادل هو أمر يستحقّ نقاشًا أكبر يدخل إلى عمق وتفاصيل بعض الملفّات التي تُنحّى جانبًا أو تُعالج بعد سنوات مريرة.

هذه نبذة صغيرة جدًا داخل الأزمة الجارفة، حلولها باتت معروفة وواضحة وأشرت إليها في عدّة تقارير سابقة ناقشت فيها ماهية النضال النسوي ضمن السياق الرّحب، وعن بلورة سياسة جادة والبحث عن أفق الحل بشكل مهني غير معزول عن الهموم الاجتماعية والسياقات السياسية الكُبرى. هذا العناء الجاثم على صدور النّساء لا بدّ له أن ينتهي بعد دراسة وتخطيط بعناية وفهم مسببات الأزمة في حلقاتها المنبسطة، كيف يعشن النساء وسط هذه الغابة المتشحة بالسواد، وكيف تُلقي على كاهلهن كلّ هذه الأعباء، هو سؤال كل مرحلة، لماذا؟ لأنّ "لتغيير شروط الحياة، علينا أن نشاهدها من خلال أعين النساء"، من خلال معاناتهن هنّ، نعم لقد كان هذا العام مفجعًا للنساء، بسبب وضعهن بغير حساب في وكر تحطيمات قدرية وأخرى عوينت على سنوات بفعل ممنهج بدون ايلائهن أهمية، والعمل صوب تهميشهنّ ونزعهن من ذواتهن أكثر وجعلهن في مرمى تحديات عظيمة.

 نعم لقد مرّ هذا العام كشريط لفيلم بالأبيض والأسود، لكنه لم يكن فنًّا جميلًا يعيدنا إلى حقبة وديعة محمودة، بل الى مرحلة أكثر استهلاكية وعنفا واقصاءً وانكسارات فردية وجماعية، نهشت أكباد الفقراء وجوّعت الملايين، حتّى مع ظهور اللقاح والصراع عليه، روجّت إسرائيل نفسها على أنّها المنتصر في حرب سباق "تلقّح" دولي، كان هذا عام التناقضات برمته وله تبعاته التي لن تنتهِ بمجرّد زوال هذه المحنة، وللنساء هاهنا دور كبير في النضال في عمق الوادي الذي يعجّ بالذئاب، سنحتاج بالطبع إلى نسويات حقيقيات يأخذهن نقاط التفكير إلى حيّز الممارسة، كما سنحتاج شراكةً حقّة من أحرار لا يأبهون تصويب النضال وقول الحقّ والمواجهة.

وللقارئ أن يتخيّل بأن هذا التقرير ناقش حيزًا ضيقًا من عالمنا، تجابه فيه النساء غيلان وحيتان رأس المال والذكورية المستشرية، والعنف الاقتصادي والسياسي، فكم بالحريّ لو ولجنا إلى عالمٍ ثالث نغمض أعيننا عنه خشيةً من أن تلاحقنا سياط الهزيمة، كيف لو دخلنا إلى أعمق التفاصيل أينما ترقد المرأة في معملٍ بظروف تشغيل مُهينة تتلقى أجرًا بخسًا لتحتضن لقمة عيشٍ كريمة في واقع لئيم؟ وكيف لو تحدّثنا عن شقّنا المحزن من المعتقلات في سجون الاحتلال والتعذيب الذي لحق بهن نفسيًا وصحيًا مع انبثاق أزمة كورونا؟، على هذا العام أن يكون دعوةً على بيارق مرفوعة، يجب أن تحدث ثورة حقيقية بدءًا من دوائرنا الصّغرى، فاذا لم نتحدث بالمفهوم الأولي عن مساواة فعلية في خندق صغير، وعن تفكيك المعايير الجليّة لضرب كيان النساء، سيبدو صعبًا التحدث بجدية عن مساواة سياسية واقتصادية وعن دبّ السهام في جسد السلطة وأذرعها بالتدريج واتهامها بالتقصير وارغامها على تغيير سياساتها. وبناء عليه، يجب ألا تكون النجاة من هذا العام مجرّد مواصلة عيش النّساء بالوضع العادي الذي سبق وأن حاربنا من أجل قلبه.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين