نحن نرى أنّه خلال 74 سنة تحت حكم إسرائيل، حتى لحظة كتابة هذا البحث، يوجد بعض "المثقَّفين الـمُتثاقفين المتعلِّمين!!" يعبّرون عن إسرائيليّتهم عن قناعة. بعض النّاس العاديِّين أصبحوا يؤمنون عن قناعة بقبولهم بشكل طبيعي الانخراط في صفوف جيش إسرائيل وشرطتها، وأصبحوا جزءاً من مشروع السُّلطة الإسرائيليّة، وهو مشروع ضدّ شعبهم وضدّ هُوِيَّتهم، فهم ضائعون بين عَدَم تمكنّهم من الانتماء لهُوِيَّتهم الجديدة بالتّجرّؤ على القول: "شعبنا الإسرائيلي" لأنّ من يقول ذلك هم اليهود الذين قرَّروا أنّ هذه الدَّولة هي دولة يهوديّة للشّعب الإسرائيلي، وفي الوقت ذاته لا يستطيع هؤلاء الـمُنخرطون في مؤسّسات الدّولة العَسكريَّة والمخابراتيّة وغيرها من مؤسَّسات، أنْ يدَّعوا بالقول: "شعبنا الفلسطيني"، لأنّهم أصبحوا شبه مقتنعين أنّ ما هم فيه الآن هو إسرائيل، وما هو فلسطيني فهو هناك في مكان ما ليس محدوداً تماماً مكانه الدَّقيق. الفلسطينيّون هناك ونحن هنا في إسرائيل، بالإضافة الى أنّ جزءاً من هذه القناعة نابعٌ من عدم ثقتهم بعروبتهم، فيتحوّل مبدؤهم الى عقيدة دينيّة لا تتناقض مع عيشهم في دولة دينيّة يرتزقون منها بشكل طبيعي، وكأنها دولتهم الـمُستقلّة التي هم مواطنون فيها يخدمونها وتخدمهم، فيقدّمون لها الواجبات ويأخذون منها الحقوق.. هذا التّفكير النّاتج عن تراكُم زمني في العيش في هذا الـمُحيط الـمُستَمرّ في البقاء لعقود من الزّمن، يجعل هذا الانسان مؤمناً بإسرائيليّته كمواطَنَة وليس كشعب في وطنه، على حساب وطنيّته وقوميّته الفلسطينيّة والعربيّة، ويساعدُه على ذلك ويقوّي هذا الشّعور لديه الالتجاء الى دينه كمكمّل لشخصيّته الجديدة، بدون أن يشعر أنّ ما يفعله هو انتماء لهُوِيَّة دينيّة داخل كيان سياسي جديد يتناقض وهُوِيَّته الوطنيّة الأصليّة، بدليل أنّك أحياناً تجد منهم من يلبس الملابس العسكريّة الإسرائيليّة على أساس أنّ ذلك يُعتَبَر جزءاً من أدوات الوظيفة المكشوفة للعيان، وهي لا تشبه وظيفة الــ"عميل" أو "الواشي" او "الجاسوس"، او ما يُطلّق عليه بالعامّيّة الفلسطينيّة صفة "الفَسَّادْ"، ظانّاً، أي هذا الشخص اللابس للزّي العسكريّ المكشوف للعيان، أنّ مفهوم العمالة والخيانة ينطبق فقط على الـمُنخرطين في سلك المخابرات وعلى الذين يَشُونَ بأبناء جلدتهم وأبناء بلدهم لجهاز الأمن والمخابرات الإسرائيليّة. والأدهى من ذلك أنّ هذه القناعة تكون أحياناً نابعة عن تربية مُتلاحقة ومُكثَّفة عاشها هذا الإنسان، وتعرَّض لها منذ طفولته حتى يوم "توظيفه" بزّيه الـرَّسمي التّابع للنّظام الذي يشغّله عبر عقود من الزّمن.
بقي أن نوضّح أنّ المنخرطين في سلك جيش اسرائيل وشرطتها هم قلّة قليلة جدّاً من مجمل فلسطينيّي الـ48، لا بل إنّ نسبةكبيرة جدّاً من "الدُّروز" الذين يخضعون لقانون الخدمة الإجباريّة في جيش إسرائيل يرفضون هذه الخدمة، وكثير من هؤلاء يتعرّضون للسّجن وللملاحقة لأنّهم يصرّون على التّشبُّث بهُوِيّتهم الفلسطينيّة. وهذا يدلّ أنّه بعد أكثر من سبعة عقود من محاولات إسرائيل محو أو إذابة أو صهر الهُوِيَّة الفلسطينيّة يبدو الفلسطينيّون بغالبيّتهم متشبّثين بهُوِيّتهم الأم.
//المـَحقونون بِهُوِيَّةٍ جديدة هَجينَة تحت راية فرِّق تَسُد، وراية وحدانيَّة اللّه وليس توحيد البشر
ينشأ الـمَـحْقُون تدريجياً، وعلى مدار فترة طويلة من تقدّمه في العمر، في بيئة جديدة ناتجة عن اقتلاعه تدريجيّاً من بيئته الأصليَّة، فيصبح على قناعة بما يُحْقَن به، من حيث يَدري او لا يَدري، فيقوم هو تدريجيّاً بالقيام بعملية الحَقْن لأبنائه، ولكلّ من يوجد من حوله في بيئته الجديدة، بحيث تَصِل هذه الـمَرحلة الى تفريغ الأدمغة من العمق في التَّحليل والتَّفكير، فيُصبح الجماعة او القطيع يحملون فكراً هزيلاً، مُكتفين بما يُحقنون به من قِبَل حاقِنهم الذي يعمل على جعلهم كذلك عبر وضعهم ضمن خُطّة طويلة المدى، وإن كانت قصيرة المدى فهذا أيضا أفضل، بحيث يتصرّف الـمَحْقونون بها ومن خلالها بقناعة تامّة وبقرارهم الذّاتي بما أصبحوا عليه، وكأنّه جزء من شخصيّتهم الحقيقيّة.
وقد يتّخذ النِّظام على سبيل المثال من حاجة النّاس للانتماء الدّيني وسيلة قويّة لزرعها في مُحْتَقَنِيه، وهو بذلك يكون على قناعة بأنّ الدّين لن يحيده عن التَّقوقع في فكر مغلق وغَيْبيّ يربطه بالماضي السَّحيق، ويَقْطعه عن التّفكير بمواجهة مصيره من خلال الحاضر والتَّخطيط للمستقبل، ناهيك عن أنّ انتماءه الدّيني يُبعده عن انتمائه الوطني والقومي، ويجعله نافراً من التَّفكير في وضعه السِّياسي الوطني والهُوِيَّاتي، لا بل يكتفي بالنّظر الى أعلى منتظراً "الرِّزقة" التي ستأتيه من الله ومن السَّماء، او من كَرَم وعَطْف حاكمه، وبخاصة أنّهم أقنعوه أنّ الدّين لا حدود له، لا بل إنّ حدوده تصل الى أقاصي الأرض وأعالي آخر السَّماوات، بينما الحقيقة الحقيقيّة والدّنيّويّة والمنطقيّة وغير الغيبيّة هي أن الوطن والدّولة الـمُستقلَّة والـمُتحرّرة والشَّعب الحرّ، كلّ ذلك عبارة عن كتلة مرتبطة بالهُوِيَّة والحماية والاستقلال والأرض والدّنيا والحدود الحامية له. وهكذا يضمن النِّظام الاحتلالي لنفسه قطيعاً جاهلاً لا يفكر في التَّمرُّد ويمنعه من السّعي نحو فكر عميق ومُستقبليّ في حياته الدّنيويّة وانتمائه للجذور، لأنّه بذلك نَسَفه من جذوره، لا بل يحثّه على الجمود في الماضي والتّخّدر فيه متنازلاً عن الحاضر والمستقبل، وطامعاً في حياة غيبيّة يجد فيها مصلحته الحتميّة، حيث لا أحد يستطيع أن يضمنها له سوى حُكم الله والشَّرائع الدِّينيّة.
لم تُثبِت الدّيانات التَّوحيديّة عبر تاريخها أنّها تسعى الى التَّوحيد بين البشر، وبقيت مصرّة على أنّها جاءت لتؤكّد على وحدانيَّة الله وليس على اتّحاد البشر، أكانوا أبناء شعب واحد او أبناء أمّة واحدة او أبناء وطن واحد، وأنّهم يعيشون ضمن اتّحادهم عن طريق المساواة فيما بينهم، بل إنّ علاقتهم المصلحيّة في كسب رضى الله من أجل أن يضمن لهم مكانا مستقبليّاً في الجنّة، ومن أجل ذلك لم يعد يهمّهم علاقتهم الاتّحادية فيما بينهم خلال حياتهم الدّنيويّة، فتَشَتَّتَتْ مصالحهم لتصبح أديانا متنافرة وطوائف مشرذمة وملل متفرّقة ومتقوقعة في اعتقاداتها الضّيقة، التي تحوّلت الى بؤرٍ منغلقة على ذاتها لدرجة التَّفرقة العُنصريّة فيما بينها، بينما هي في الظّاهر تَعِظ بالمحبّة والسّلام والتآخي؛ وفي الباطن، فإنّ هؤلاء ينفّذون سياسات السُّلطة القاتلة والظَّالمة والمدمّرة والمستعْمِرة والمـُحتلّة، لدرجة أنّك عندما تعود الى تاريخ هذه السلطات الدّينيّة والسِّياسيّة عبر التَّاريخ فإنّك تكتشف أنها كانت سبباً في نشوب الحروب القاتلة لملايين البشر باسم الله والدين، وباسم ممثّلتهما على الأرض، ألا وهي السّلطة السّياسيّة الحاكمة. لا بل إنّ القوم او الأقوام تفرّقوا أيدي سبأ فيما بينهم داخل دينهم الذي من المفروض أن يوحّدهم حول تجمّعهم حول إلهِهِم الـمُشتَرك، أو وطنهم المـُشترك أو شعبهم الـمُشترك، فأصبح المسلمون شيعة وسنّة ومعتزلة ودروز.. ألخ، وأصبح المسيحيوّن كاثوليكاً وبروتستانت وأورثودوكس وأنجليكانيّين..ألخ، ففطن الصَّهاينة بمدى قوّة العنصر الدّيني الذي قد يصبّ في صالحهم إن هم سعوا للمساهمة في هذا التّشتيت بين الدّيانات، وصَهْر الهُوِيَّات الـمُتماسكة والأصيلة وتذويبها، لكي يحظوا بيهوديّتهم الدِّينيّة الصُّهيونيّة التي أقنعوا بعض الآخرين من الدِّيانات الأخرى بأنْ يجعلوا دينَهم ودَيْدَنَهم المزيد من الانقسام، فانضمّ الى صهيونيّتهم الدِّينيّة ملايين الأنجليكانيّين الذين سعوا معاً لـِمَزيد من الجَشع والطَّمع والسُّلطة والظّلم والقتل والتّعصّب والاستعمار والاحتلال، فنجحوا في إرساء المزيد من نظام سياسة فرّق تسُد، وفي الـمُحصّلة تحوّلت الدِّيانات التَّوحيدية الى ديانات عُنصريّة استعماريّة، حيث أصبح جُلّ همّها إلغاء وحدة الشُّعوب واتّحادها، وتجزيء الأوطان وشعوبها، بناء على تَجْذِير فلسفة "فخّار يكسّر بعضه" وأنّ الدَّيمومة هي للأقوى والأذكى الذي أصبحت كامل السُّلطة بين يديه، ويجلس فوق عرشها الذي لا يُقهر.
خَدمَ أحدُهم في سلك الشُّرطة الإسرائيليّة إبّان الانتفاضة الأولى في الضّفة الغربيّة المحتلّة، وأطلق النار على أحد الشُّبّان الفلسطينيّين الـمُتظاهرين، فأرداه شهيداً. لاحقاً اتّضح لهذا القاتل أن الشّابَّ الذي قتلَه مسيحيّ، فأصابه النَّدم والشّعور بالذّنب، قائلاً إنّه لم يكن يعلم أنّه مسيحي من أبناء دينه، وظنّ أنه قتل مسلماً (طبعاً بسلاحٍ يهوديّ، أو الأصحّ بسلاحٍ صهيونيّ). هذا الشّاب تعبّأ منذ طفولته مسبقاً بقناعته بإسرائيليتّه وبوظيفته التي يعتاش منها بشروط مُغرية، ومِن خلال وظيفته كَمَسيحيّ مع أصدقائه اليهود، كارهاً المسلمين ومستعدّاً أن يقتلهم، مع أنّه من المفروض أن تقوده مسيحيّته المؤسّسة على فلسفة التَّسامح الى الامتناع عن قتل أيّ انسان. والأنكى من ذلك أنّه غَيْر واعٍ أنّ الشّهيد الـمَقتول هو من أبناء شعبه، وفي الأصل يحمل هذا الشّرطي هُوِيَّته الفلسطينيّة التي تحوّلت مع الزّمن الى هُوِيَّة إسرائيّليّة معادية لأبناء شعبه. هذا الشّاب مُتديّن، وكلّما مرّ بقرب أية كنيسة يرسم شارة الصّليب، ويؤدّي الصّلوات وجميع الطّقوس المسيحيّة، ويشعر أنّ هذا جزءٌ أساسيّ من هُوِيَّته، غير واعٍ بأن مَن يُصلّي باسمه وهو السّيد المسيح أرداه اليهود شهيدا مصلوباً مُعَذّباً بشكل بَشِع مِن قِبَل الذين يخدمهم هذا الشّرطي، ويَقتل من أجلهم أبناء شعبه. أسياده يعبِّؤونه بمقولة إنّكم أيها المسيحيّون أفضل من المسلمين، وأنتم "مُتحضّرون" ولطيفون أكثر من المسلمين. بعض المسلمين أيضا يتجنّدون في خدمة الجيش والشّرطة بدون أن يكون ذلك إلزاميّاً كما هو مفروض كخدمة إجباريّة على الفلسطينيّين الدُّروز.
الأخطر من ذلك أن هذا السّلاح يُوَجَّه الى صدور بعضنا البعض بعد أن استطاعت بعض العصابات والمافيات الحصول عليه بوفرة والـمُتاجرة به وتمكّنوا من إخراجه من مخازن جيش إسرائيل بتغاضٍ من أجهزة مخابرات النِّظام أو بمعرفة منه، فجزءٌ من مخطَّطاتهم تعتمد على فلسفة "فُخّار يكسّر بعضه". وهكذا فالنِّظام يُخطّط لافتعال الـمُشكلة ويجعلها مُعلَنة بكثافة في جميع وسائل الإعلام، فيصرخ النّاس طَلباً للنَّجدة من قِبَل الشُّرطة والجيش ومؤسَّسات الدّولة المعنيّة بالأمر، فتتدخّل السّلطات من أجل تلبية طلب النّجدة، وفي الـمُحصِّلة يظنّ البعض أنّنا نحن المشكلة والنِّظام هو المـُنجِد والحلّ ، وهو مَن يستطيع حلّها، بينما في الحقيقة يكون النِّظام هو المشكلة وليس صاحب الحلّ، بل يسعى الى المزيد من تعقيده.
في مرحلتنا الحاليّة وصلت حوادث القتل أوجها وتحوّلت الى موضة متكرّرة بشكل شبه يوميّ. إنّها تُنفّذ بأيدي بعض من أفراد أبناء شعبنا، وبسلاح أوتوماتيكي متطور أضعاف أضعاف سلاح بندقيّة الـ"مَرْتِينِي" ومسدّس الــ"برَابِلُّو" الذي توفَّر بكمّيّات شَحيحة لدى الثُّوار الذين استعملوه دفاعاً عن الوطن الذي يحمي الهُوِيَّة جسداً وروحاً، فتحوّل هذا السِّلاح وبمعرفة تامّة من قبل السُّلطات الإسرائيليّة لهُويِّة حامليه ومُستعمِليه، ومن أين مصدره، لكي يُوَجَّه الى صدور أبناء جلدة مستعملي هذا السِّلاح الحديث، والذي تم الحصول عليه من عدّة مصادر، لا بل وقسم كبير منه خرج من مخازن جيش إسرائيل. كان الذي لا يُسلِّم المرتيني والميزر والبرابيلو وقتها يُعدم، بينما يُشجَّع على حمله كسلاحٍ حديث بأيدي اللاثوّار لكي يوجّهوه ضدّ أبناء شعبهم. وهكذا تحوّل مفهوم الثّوار الى قَتَلة ومجرمين، وهكذا ومع مرور بضعة عقود تحوّل السِّلاح البدائي البسيط الذي كان في خدمة الوطن والهُوِيَّة، الى سلاح حديث ومن عدّة أنواع حديثة كالـ"عُوزِي"، والـ" M16" والمسدّسات على أنواعها، والقنابل، وكل ذلك يصبُّ ضدّ الوطن، وفي خدمة النِّظام السَّاعي لمحو الهُوِيَّة والوطن.
ومنهم من لا يجد تناقضاً بين كونه مسلماً او مسيحيّاً ومتديّناً، ويستطيع من خلال إسرائيليّته أن يؤدّي طقوس ديانته والحجّ والعمرة كإسرائيلي، ويجد أن ذلك لا يتناقض مع دينه، متغاضياً عن هويَّته الفلسطينيّة والقوميّة والوطنيّة، فهو يجد أنّ دينه هو حدود هُوِيَّته، بالإضافة الى أنّه يعتبر هُوِيَّته إسرائيليّة. يوجد مسلمون إسرائيليّون ومسلمون عرب وسعوديّون وأفغانيّون وباكستانيّون..الخ، ويوجد مسيحيّون أمريكيّون واوروبيّون واستراليّون وفي جميع أنحاء العالم، فلماذا لا يكون انتماؤه الدّيني هو هُوِيَّته؟ الوطنيّة بالنّسبة له ليست مقتصرة على وطن جغرافي محدَّد لأنّ إسلامه أو نصرانيّته هي جغرافيته اللامحدودة الحدود التي ينتمي لها، ومواطَنَتُه تُعْتَبَر موطنه حيث يسكن ويعيش، وهي تختلف عن وطنيّته، لا بل أَوجَد بعضُهم هُوِيَّة جديدة يستعملون من خلالها مصطلحات جديدة مثل: "الشَّعب المسيحي"، الشّعب الإسلامي" الأُمَّة الإسلاميّة"، "الأمَّة المسيحيّة"، مستحدِثين بذلك مصطلحات عبثيّة تساعد اليهود بالادّعاء أنّهم "الشّعب اليهودي".
ولا غرابة في أنّ الوصول الى هذا المستوى من التَّسطيح والتَّهميش والقهر المادي والاجتماعي والتَّجهيل سيقود الى العنف والجريمة والتَّعصّب الأعمى الـمُنغلق على ذاته، ما يؤدّي في النّهاية الى قبول بعضهم بالموجود، وعدم الرَّغبة في التَّمرّد والثَّورة على وضعهم من أجل الوصول الى الوضع الطبيعي والمثالي لهُوِيَّتهم الأم، ما يجعلهم في وضع جمود و"مكانك سرّ".
عندما يحصرون أطفالنا منذ جيل الرَّوضة حتى يكبروا داخل جدران المدارس، ويحقنونهم بإبر المنهاج الإسرائيلي، ويعلّمونهم كيف يرسمون عَلَم إسرائيل، ويغنّون أغاني عيد استقلال إسرائيل، فإنّه مع مرور الزّمن ينشأ هذا الإنسان داخل هذه البوتقة الـمَغسولة ويقتنع بها. يفرضون على المعلّم والمعلّمة تدريس المنهاج، ويرسلون مُراقِبين ومُفتِّشين للتَّأكُّد من تنفيذ المنهاج بحذافيره، ويعاقَب من يزيح عنه قيد أنملة، فيصبح المعلم والمعلمة محكومين لراتبهم ولِلُقمة عيشهم، وينشأ التّلاميذ والطّلاب على ما حُقنوا به، فيتيقّن الحاكم أنّ جَذْوَة هُوِيَّة هؤلاء تستمر في الانطفاء تدريجيّاً حتى تخبو نهائيّاً. لا نتحدّث هنا عن منهاج جديد، بل هو متّبع في مدارس الفلسطينيّين العرب المواطنين في إسرائيل منذ الــ48 والى الآن.
وصلت إحدى "الـمُربّيات!؟" الخاضعات للمنهاج الإسرائيلي لــ"التربيةّ!" والتَّدريس الى قناعة بأنْ تقول جهاراً وبِحِدَّة أنّ إسرائيل معها حقّ في أن تعامل أهل صحراء النَّقب على هذا الشَّكل، لأنّ إسرائيل تُربّيهم لكي يَتَخلّصوا من تخلُّفِهم وَبَدَاوتهم". أصبح البعض على قناعة بأنَّنا حقّاً منقسمون الى بدو وفلَّاحين ومُدُنِيِّين ومسيحّين ومسلمين ودروز وسود وبيض وإسرائيليّين وعرب، وأنّ إسرائيل هي الحضارة والرُّقيّ والتَّقدّم والدّيمقراطيّة..وأمّا نحن..فَلَسْنَا فَلسطينيّين بالهُوِيَّة، بل اقتنع بعضهم واعتزّ بهُوِيَّته الإسرائيليّة، بلغتها وبمأكلها وبمشربها وبملبسها وبعاداتها.
بعد عودتها من رحلتها الى مصر قالت إحداهنّ وهي تَعبُر من رفح المصرية الى إسرائيل: "يااااه.. متى سنصل إسرائيل؟ اشتقت لأكل بلادنا". خَرَجتْ من الحاجز وهي تركض باتّجاه كشك يبيع النَّقانق. طلبت بسرعة ساندويشاً من النّقانق، وراحت تلتهمه بِنَهم. ولشدّة هَبَلِها لم يَخْطُر ببالها أنّ ما أكَلَتْهُ كان عبارة عن دجاج مَحقُون بالأدوية السَّامَّة، ومفروم بلحمِهِ وريشه وعَظْمِه ودمه وخرائه، ومصبوغ بصَبْغَة لَوْن اللحم. فاسْتَغْيَبَها أحدُ سامعيها وهي بقرب الكشك الإسرائيلي قائلاً باستهزاء: "شوف شوف بنت ابو شَخَّة، بتوكل خرا وبتحكي نحوي".
//بين هُوِيَّتنا الفلسطينيّة وهُوِيِّتهم الصّهيونيّة
بعضنا يحاول أن يقبلهم، ولكنّهم بأغلبيتهم لا يريدون أن يقبلونا، وربمّا يقبلوننا إذا فُصِّلنا على مقاس شروطهم، ولن يقبلونا على ما نحن عليه من أصلٍ ولغةٍ وعادات. حتى الـمُستعمِرون القادمون الجدد الغَريبُون عن طبيعة هذه الأرض يَجِدون، وعن قناعة، أنّهم هم الأصل ونحن الغرباء.
في حديث لي مع صديقي الموسيقار الفلسطيني ابن مدينة النّاصرة "بشارة الخل" قال لي: "سألني أحد الموسيقيّين الرُّوس الـمُتَأَسْرِلِينْ من القادمين الجُدد، ما هي هُوِيَّتك؟ فأجبته: ما علاقتي بهذا السُّؤال؟ فهذا سؤال لا يُسأل، وكأنّك تسألني ما لون شعرك او من هو والدك؟ او كأن تزور أمريكا وتكتشف أنّ فيها هنوداً حمراً، فما رأيك؟ ليس منطقيّاً أنْ تسألني ما هو رأيي عن مُسَلَّمات كهذه، فهذه حقيقة وهذا تاريخ مُسَلَّم به". يتابع بشارة معلِّقاً: "إنّ مجرد طرح السُّؤال للنّقاس، فهذا يدلّ أنّ السَّائل يريد أن يَجرَّك الى وجهة نَظَره، لكي يَطْمَئِنّ بأنّك لا تشكّل خطراً عليه بسبب هُوِيَّتك. هُوِيَّتي هي شيء مفهوم ضمناً والسّؤال ليس مطروحاً كشيء مشكوك فيه، وكأنّه قضيّة للنّقاش. الهُويَّة ليست موقفاً سياسيّاً. لدى البعض شكّ في الـمُسلّمات، فينجرفون للإجابة كأن يقول بعضهم مثلاً: أنا عربي فلسطيني مسيحي إنسان. ولكنَّني"، يقول بشارة، "عندما سألته عن هُوِيَّته لم يتوان في المجاهرة بيهوديّته وصهيونيّته. وعندها سيقول لك هذا الـمُتصَهين المتأَسْرِل: ولكنّك تحمل بطاقة هُوِيَّة إسرائيليّة، اذن فأنت إسرائيلي، إذن لماذا تَدَّعي أنّك فلسطيني؟" يتابع بشارة بِأُسلوب ساخر محدّثاً سائله: "فعلا اذا احتلّتنا فرنسا فسنصبح نحن وأنتم فرنسيّون، وسنشرب معاً نبيذاً فرنسيّاً، وسنتكلّم الفرنسيّة، وسننسى ما كُنّا عليه. هل تطلبون منّا أن نشلح جلودنا ونلبس جلودا جديدة؟ هل نحن أفاعي؟".
//هُوِيَّتنا الفلسطينيّة/الإسرائيليّة الغامضة لدى البعض، مقابل هُوِيَّتنا العربيّة، مقابل جهل بعض العرب لمعنى هُوِيَّتنا
إنّ تعرُّض هُوِيَّتنا الفلسطينيّة، نحن فلسطينيّي الــ48، للتَّساؤل وللتَّشكيك، اتّخذت أشكالاً مُتعدِّدة خلال فترة تَواجُدِنا على أرض فلسطين التَّاريخيّة، ولا عَجب أن نبدو أحياناً كما يقول المـَثل: "لا مع أمّنا وأبونا العالم العربي بخير، ولا مع اولاد عمّنا اليهود بخير".
دُعيت للمُشاركة في الثّمانينات من القرن المنصرم للمشاركة في ورشة مسرحيّة في ألمانيا وكان معنا ممثلون من عدّة دول، وكان أحدُهم شابّاً سوريّاً، ولكي يتقرّب منّي ويصادقني، في حال كانت شروط صداقتي مناسبة له، سألني:" من أين أنت؟" فأجبته: "أنا من فلسطين". فَهَجم عليّ صديقي الـمُتَوَقَّع، العربي السُّوري، وراح يقبّلني، وهو يقول: "أهلا أهلا.. تشرّفنا..حبيبي. من أيّ منطقة أنت في فلسطين؟". ولكي أمتحن مَدَى تَعَلُّقه بكوني فلسطينيّاً من فلسطين، وبمدى فلسطينيّتي، قلت له وأنا أُخرِج جَواز سَفَري الإسرائيلي من جيبي وأُشْهِرُه في وَجهه كأنّما أُشهِر مُسَدّساً: "أنا من الجليل". و"يَا حُرَّة مع مِينْ عْلِقْتِ". لم يبذل صديقي الــمُتَوَقّع جهداً بتَصَفُّح الجواز، بل عرف من الشِّعار الذي على غلافه أنّه جواز سَفَر إسرائيلي. انصدم صديقي الـمُتَوقَّع أن يصبح صديقي العربي السّوري الحميم عندما عرف أنّ جواز سفري إسرائيلي. ابتعد عني بنفور الـمـُهدَّد بالقتل من قبل عربي "عَوَايْني" (عميل)، ومدسوس من عرب إسرائيل، أو من قِبل النّظام السّوري الذي قد يحاسبه على علاقته مع "إسرائيليّين". لم يمهلني ولو للحظة بأن أشرح له أنّني من فلسطينيّي الدّاخل، من فلسطينيّي عرب الــ48 الذين شاءت الظّروف أن يبقوا فوق ثَرى وطنهم وفي فلسطين التَّاريخيّة، التي لا وطن لنا سواها، ولكن كُتِبَ علينا في الـ48 أن نختار بين أن نحمل بطاقة الهُوِيَّة الإسرائيليّة او أن نُهجَّر خارج وطننا لنعيش في الـمـُخيّمات والشَّتات، وربَّما كان من الـمُتَوقّع أن يَحُطّ بنا مصيرنا في أحد المخيّمات الفلسطينيّة في سوريا العُروبة الحبيبة، بلد صديقي الـمُتَوَقَّع. هل كان أسهل عليّ أن أكون صديقه الحميم وأنا في مخيّمات سوريا فيما لو رَفَضتُ حملَ بطاقة الهُوِيَّة الإسرائيليّة التي كانت شرّاً مستطيراً لا بدّ منه، أم أنْ أحملها مُرغماً أخاك لا بطل وأنا في فلسطين التّاريخيّة في مسقط رأسي ووطني التَّاريخي تحت حُكم إسرائيل بحُكم الظّروف والهزائم العربيّة والفلسطينيّة؟
لن أَظلم سوريا بسبب موقف صديقي العربي السّوري الـمُتوقّع، فنحن فلسطينيّي الــ48، لم تُشرَح قضيَّتُنا الفلسطينيّة الـمُعَقّدة بما فيه الكفاية إعلاميّاً ومنهاجيّاً وفكريّاً وهُوِيَّاتيّاً لشعوبنا العربيّة، ولا نُنكر أنّ لسوريا العربيّة الحبيبة الفضل الكبير في إيواء اللاجئين الفلسطينيّين في ديارها، لا بل إنّها، وانطلاقاً من موقفها العروبيّ والقوميّ، سمحت لهم بالانتماء لسوريا أُسوةً بانتمائهم لفلسطين، ولو أصبحتُ صدفةً-لا سمح الله- أحد هؤلاء اللاجئين لـَجَمعتُ هُوِيّة فلسطينِيَّتي مع هُوِيّة سوريّتي وعروبتي، ولكنّني حينها سأكون منتظراً العودة الى وطني الذي هُجّرتُ منه، بينما شاءت الظُّروف أنّني-بمشيئة الله- بقيت فيه داخل فلسطين التَّاريخيّة مع بطاقة هُوِيَّة إسرائيليّة. تحوّلت المواطَنة الفلسطينيَّة في إسرائيل الى رخصة من أجل البقاء في الوطن، بعد أن أصبحت إسرائيل كياناً يبدو كأمرٍ واقعٍ باعتراف دول العالم، وبضمنهم بعض الدّول العربيّة، بوجودها بدلاً من فلسطين، وأصبحت هُوِيَّتُها مُهَدِّدة للهُوِيَّة الأصليّة لسكّانها الأصليِّين، بحيث يبدو الأمر وكأنّ مواطنيها الفلسطينيّين أصبحوا يتحلّون بهويّة وطنيّة جديدة. أليس هذا قمّة في العبث؟ أليس الضّياع عند البعض وهم متعلّقين بين الـمُواطَنة والوطن هو بداية المحاولة، وربّما في خضمّ المحاولات لمحو الهويّة الأصليّة عند هؤلاء البعض؟
ولكي لا أَظلُم سوريا وصديقي الـمُتوقَّع، فإنّني عندما كنتُ في طريقي للقاء الـمُفكّر والباحث المصري الثّوري والتَّقدمي "محمود أمين العالم" بقيادة سائق تاكسي مصريّ، صدمني السّائق التّاكسي عندما عرف أنّني من فلسطين، قائلا لي: "أدَع ناس"، فَصَدَّقته عن نيّة حَسَنة، وعندما دفعتُ له المبلغ الذي سجَّله عدّاد ساعة الأجرة امتعضَ وأشعرني بأنّ هذ المبلغ غير كافٍ بقوله: "أيّ خِدْمَة يا بِيهْ"، أدركتُ عندها أنّ "أدَع ناس" تُقال بدافع أنّ الزّبون ثَريّ ووقع في الـمصيدة. ضحك أستاذنا الجليل "محمود أمين العالم" عندما سردتُ له قِصَّتي مع السَّائق، وقال لي: "وأنا أيضا أقول لك إنّ الشّعب الفلسطيني هو أدَع ناس. لقد ظنّ السَّائق أنّك فلسطينيّ ثريّ تعيش في الخليج العربي، فهل خاب ظنُّك من موقف أهل مصر من الفلسطينيّين؟" فقلت له مُطْمَئِنّاً: "ما دامت مصر أمّ الدّنيا فيها من أمثالك يا أستاذ محمود أمين العالم فالدّنيا بألف خير، وسنستمر بالقول أن مصر أمّ الدينا، ولكن نحن أيضا لدينا ما لديكم من أمثال سائق التَّاكسي".
وليس غريباً أنّنا حتى فترة سابقة وجيزة كان فنّانونا من الــ48 ممنوعون من المشاركة في المهرجانات الأردنيّة خوفاً من اتّهام داعينهم بأنّهم مطبّعون مع الكيان الإسرائيلي. رُفض مسرحنا في حينه من الـمُشاركة في أحد المهرجانات الأردنيّة لنفس السّبب. (النّظام الأردني ملتزم باتّفاقية "وادي عربة" للسَّلام بين الأردن وإسرائيل، بينما النّقابات والشّعب يرفضان التَّطبيع مع هذا الكيان،. الأمر ذاته ينطبق على اتّفاقية "كامب دِيڤِدْ" بين مصر وإسرائيل). ومن باب الحيطة أنّه ربّما يكون بين هؤلاء الفنّانين من "عرب الــ48؟!" من هم متعاونون مع المؤسَّسات الإسرائيليّة، وربّما مشكوك بمواقفهم الوطنيّة. لاحقاً فطن المسؤولون النّقابيّون الأردنيّون أنّ هذا القرار قد يكون مُجحفاً بحقّ بعض فلسطينيّي الدَّاخل الوطنيّين الذين لا غبار على انتمائهم الوطني والفلسطيني، وهكذا أصبح الأمر يتطلّب "الغَرْبَلة"، لكي يتمّ تقصّي تاريخ المدعويّين للمشاركة أكانوا ذوي بطاقة هويّة إسرائيليّة أو مواطنون في إسرائيل من ذوي شخصيّة الهوية الفلسطينيّة الوطنيّة.
نعم، نحن فلسطينيّي الــ48 أصبحنا لرَدْحٍ من القرون الزَّمنيّة نشعر كالبُعران الـمُعَبَّدَة، لا نحن بخير مع إخواننا العرب ولا إسرائيل موافقة أنْ تقبلنا فيها كفلسطينيّين أصحاب الأرض والوطن. "لسنا مع أبينا بخير ولا مع اولاد عمّنا بخير، ولا يُعترف بنا بأنّ هذه أمّنا حقّاً، مع يقيننا التّام بأنّنا لسنا لقطاء او "اولاد حرام". ألا يكفي هذا منطقيّاً أن يُفعَل كلّ ذلك بهُوِيَّتنا وبطريقة تصرّف بعضنا على هذا النّحو العبثيّ من الانفصام؟
خُلاصة الهُوِيَّة
كل ذلك لا ينفي أن بداخل إنساننا الفلسطيني أينما كان نواة هُوِيَّة فلسطينيّة، وهي مُنغرسة في كيانه ومتأصِّلة ومتجذّرة بداخله، بحيث يَشْعر أنَّها كالجمرة التي لا تخبو، ولكنّها تضعف أحياناً وتقوَى أحياناً أُخرى بتأثُّرها بالظُّروف التي تَلعب بها عبر قرون من الزّمن. الهُوِيَّة هي نمطُ حياةٍ وعيشٍ مُتَوَلَّدين عبر التَّاريخ. هُويِّتنا في الأصل تراكمت عبر آلاف السّنين، عبر تاريخنا، وطريقة مأكلنا ومشربنا وملبسنا ولغتنا، وطريقة تصرّفنا وعاداتنا واحتفالاتنا بمواليدنا، وأفراحنا وطقوسنا في موتنا ودفننا، بحيث يشعر الإنسان من خلال هُوِيَّته الـمُتَجذِّرة بأنّه ليس مقطوعاً من شجرة. حتى لو أصبح بعضهم قريباً من اقتناعه بإسرائيليّته، فهذه هُوِيَّة هجينة وحديثة العهد، وستبقى نواته الأصليّة والجذريّة جزءاً من فلسطينيّته وعروبته، ولا بدّ أن يأتي يوم تتغيّر فيه الظُّروف، وتساعدُه على عودته الى روح هُوِيَّته، ويصبح على قناعة بأنّه ربما هو لا يفهم الأمور كما يجب.
"هُوِيَّتنا الفلسطينيّة هي كيف نعيش وكيف نفكر وكيف نتحدّث وكيف نتفاعل على طريقتنا الفلسطينيّة. نشعر بالطّريقة التي نتصورها بطريقة فلسطينيّة، نتزوّج ونحمل ونسلِّم على طريقتنا، نحن نحبّ ونكره على طريقتنا، نحن بشر بطريقة فلسطينيَّة، ونحن نموت بطريقة فلسطينيّة. قد لا أكون على علم بفلسطينيّتي، لكن هذا لا يجعلني غير فلسطيني، وأن أدّعي أنّني لست كذلك. أنا فلسطيني طالما أنّ نمط عيشي وحياتي كذلك. الطّريقة الوحيدة بالنّسبة لي كفلسطيني للتّوقُّف عن كون هُوِيَّتي فلسطينيّة هي ذهني، وعندما تتوقَّف خمس حواسّي عن التَّعامل مع العالم بطريقة فلسطينيّة... يوجد فينا أشياء أساسيّة التي لا نستطيع أن نتحكّم بها، والتي ورثناها عبر الأجيال، وحتى لو قصدت تغييرها لن تستطيع ذلك"- د. مصلح كناعة.
وعلاوة على كل ذلك، فالمسألة يجب ألا تُترَك مرهونة للظّروف وللصُّدفة فإنّ:
"*للصمود ثمناً باهظاً يجب أن يُدفع من النّاحية النَّفسيّة والعقليّة والبدنيّة، وعلى من يدفع هذا الثَّمن أن يكون قادراً على تحمّل الخسارة والضَّرر الـمُترتِّبَين على ذلك، ولا يتم تحقيق البطولة إلّا في الثّبات على تحمُّل الثَّمن الذي يجب على المرء أن يدفعه مقابل صموده، وهذا هو الصّمود في ممارسة الصّمود. هذا هو الصّمود على الصّمود، وهو المقدرة على تحمل الثّمن النَّفسي والعقلي الباهظ للصَّبر والـمَقدرة على تحمُّل الألم والمعاناة. هذا الصُّمود على الصُّمود هو المحكّ النِّهائي لمقدرة الشَّعب الفلسطيني على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي حتى زواله. والواقع أن ما يثير التَّعجب والإعجاب لدى الشَّعب الفلسطيني الرّازح تحت آلة الحرب الهمجيّة ليس هو صموده بقدر ما هو صموده على الصّمود... ليس مقدرته على تحمّل المعاناة، بل مقدرته على دفع الثّمن النّفسي والعقلي لهذا التَّحمل دون أن يصل إلى الإفلاس أو الانهيار"- د. مصلح كناعنة
كم هي قضيّتنا، وقضيّة هُوِيَّتنا مُعقّدة ومُرَكَّبة.
* مسرحيّ وروائيّ وكاتب فلسطينيّ
*الأناويّة: لجأتُ الى هذا التَّحريف لكلمة "أنانيّة" لكي أُلَـمـِّح الى الفرق بينهما، فــ"الأنانيّة" لها مفهوم سلبي أحاديّ المعنى، بينما يتراوح مفهوم "الأناويّة" الـمُتعلِّقة بالهُوِيَّة بين "الأنانيّة" والهُوِيَّة الأصليّة، ولكنّها ليست بالضّرورة تشير الى انتماء وطني، او أنّها تشير الى تكريس مجهود وتفاعل ونشاط في تَحرُّكها العام، وليست بالضَّرورة تُشكِّل الهُوِيّة الجمعيّة الواعية ذهنيّاً وثقافيّاً للشّعب وللوطن، وهذا لا يُقلِّل من أنّ مواصفاتها وتصرّفاتها الحياتيّة تحمل بداخلها الهُوِيَّة الفلسطينيّة والعربيّة. في "الأناويَّة" يهتمّ الإنسان ببناء نفسه وعائلته ومحيطه الضّيِّق، فهذا لا يعني "أنانيّة"، وليس بالضّرورة انقطاعاً عن الهُوِيَّة العامّة، أكانت وطنيّة او انتماءً للشَّعب. هي تحتوي في قسم منها معنى حبّ الذّات، وشيء من الإيثار، وليس بمفهوم الأنانيّة بمفهومها السَّلبي، ولكنّها لا ترقى الى درجة تعبيرها الأوسع والنَّشِط والعميق والواعي ذهنيّاً بما يخصّ الهُوِيَّة المنتمية وعياً وعُمقاً وثقافةً للوطن او للشّعب.



.png)

.png)






.png)

