"لا مكان للتهديدات بالقتل- البارزة والمبطنة- ضدّي وضدّ عائلتي"، "الإعلام يتجاهل التهديدات بالقتل التي نتلقاها أنا وعائلتي بشكل يومي"، بهذه الكلمات يلخّص اليمين ورئيسه بنيامين نتنياهو توجهات العنف المتصاعدة على الساحة السياسيّة، فهي محصورة فقط في شخص نتنياهو، وفي أحسن الأحوال يمكن أن تمتد لتشمل أفراد عائلته، أما عن الاعتداءات المتكررة في بلفور وجسور البلاد، على المتظاهرين المطالبين برحيله، فهي قصص من نسج خيال الإعلام "اليساري" المحرّض والموجّه بأجندة معادية للحكم اليميني في الدولة.
إن قراءة سريعة في تاريخ العنف السياسي في دولة إسرائيل تظهر حجم الظاهرة، ودور اليمين الحصري في تبنيها، تطويرها و"مفاجأة" المنظومة الأمنية حتّى بإخراج الاعتداءات لحيز التنفيذ.
لا يمكن تلخيص العنف السياسي في البلاد بحادثة اغتيال رابين، لكن بالتأكيد، شكّلت الحادثة علامةً فارقة في حياة الدولة، وأوضحت الخطوط بين المسموح والممنوع في الخطاب السياسي، خاصة بكل ما يتعلّق بالأراضي المحتلة، والانسحاب منها ودور اليمين الاستيطاني ونتنياهو التحريضي، فمشاهد نتنياهو متظاهرًا أمام "نعش الصهيونيّة"، تحريضه ضد رابين، خطاب الشرفة التاريخي وتجنيد حاخامات اليمين لتبرير القتل كلها أحداث تؤكد طبيعة فكر اليمين في البلاد وخطابه وتوجهاته التي لا تعرف خطوطًا حمراء وتؤكد على ضرورة أخذ موضوع التحريض المتصاعد اليوم بمنتهى الجديّة.
في الـ 15 من تشرين الأول/أكتوبر من العام 1967 وبعد أربعة أشهر من عدوان حزيران، تمكن متطرف يهوديّ وعضو في حركة "حيروت" اليمينيّة من الوصول إلى النائب الشيوعي مئير فلنر في شارع "هيركون" في تل-أبيب وطعنه في ظهره، تمّ اعتقال المعتدي الذي فسّر اعتداءه بسبب أقوال فلنر "المستفزة" والمعارضة للحرب والاحتلال والتوجّه اليميني السائد، وبغطاء من المحكمة وتحريض يميني مستمر تم تبرئة المعتدي من تهمة محاولة القتل واستبدالها بتهمة التسبب بضرر خطير، ليسجن سنة ونصف السنة فقط.
يقول أمير أورن في مقال بعنوان "تاريخ من العنف" (مجلة "ليبيرال") إن الاعتقاد السائد كان أن العنف السياسي الذي تبناه اليمين قبل عدوان حزيران هو "ظواهر جانبيّة لفترة الانتداب البريطاني وقيام الدولة، مرض طفولي سيتغلّب عليه اليمين عند بلوغه". لكن ممارسات اليمين ومنظماته المتطرفة خاصة منظمة "ليحي" الارهابيّة تثبت أن العنف السياسي عقيدة لها جذور عميقة، منذ اغتيال فولك برنادوت الدبلوماسي السويدي ومبعوث الأمم المتحدة في القدس وغيرها من الاعتداءات.
سنوات الخمسين –العصابات الصهيونيّة تتصدر الواجهة
لقد سجّل العقد التالي من قيام دولة إسرائيل موجة أخرى من العنف اليميني السياسي في محاولة لفرض واقع جديد من الخطاب الاستيطاني المحتل باستعمال القوة لقلب الخارطة السياسية في البلاد، لم يتمّ اغتيال رئيس حكومة وقتها كما حدث باغتيال رابين، لكن في نهاية تشرين الأول/أكتوبر1957 ألقى موشيه دواك قنبلة يدويّة على جلسة الكنيست ليصيب بن غوريون وثلاثة من وزرائه، أحدهم بإصابة خطيرة.
وفي الرابع من آذار في العام 1957 انتظر ثلاثة شبان في شارع جانبي في مدينة تل-أبيب وصول الصحفي يسرائيل كستنر إلى بيته، عند منتصف الليل ومع وصوله، توجّه نحوه أحد الشبان وأطلق ثلاث رصاصات تجاهه ليعلن عن موته بعد أسبوعين من نقله للمستشفى. الشبان الثلاثة، وبرفقة آخرين ممن خططوا ونفذوا وساهموا، كانوا أعضاءً في خلية "تسريفين" الارهابيّة السريّة وخرّيجي حركة "ليحي" الارهابيّة. لقد أثار الاغتيال ضجّةً ووصف بالاغتيال السياسي الأول في البلاد، وحمل في طياته أسئلة كثيرة حول دور المؤسسة الرسميّة في العنف السياسي المتصاعد، خاصة مع حقيقة أن أحد الشبان الثلاثة هو عميل "سابق" في جهاز الشاباك، وقضيّة وقف الحراسة لكستنر، وقضيّة العفو الذي منح للقتلة بعد خمس سنوات من الجريمة، يضاف ذلك كله إلى محاكمة كستنر السياسيّة بتهم التعاون مع النازية وتبرئته من كافة التهم فقط بعد وفاته.
في نقاش الحكومة في اليوم التالي للحادثة أكد مندوب الشاباك أن هذه الحادثة ليست الأولى للمنظمة السريّة، التي شملت "نشاطات ضد دكاكين تبيع الكتب السوفييتيّة، وضع قنبلة قرب القنصليّة التشيكيّة، محاولة حرق سيارة الدبلوماسي السوفييتي في تل ابيب ومحاولة تفجير القنصليّة، رسائل تهديد، محاولة كسر يد عازف كمان، حرق دكاكين لبيع اللحوم ومنتجاتها، محاولة حرق كراج شركة "ايجد" في القدس وتخطيط عملية في الكنيست".
بعد خمس سنوات من قتل كستنر، دعم جهاز الشاباك الإفراج واعفاء المجرمين، حيث ادعى الشاباك في "نظرة إلى الخلف" إن قتل كستنر كانت "عملية العنف السياسية الأخيرة التي يتم تنفيذها في إسرائيل من قبل خريجي منظمات الإيتسل والـ"ليحي" مدعيًا أن "الكشف السريع عن منفذي العملية وإدانتهم تسببت بضربة قاضية لهذه العناصر التي اعتقدت أن بإمكانها زعزعة الحكم الديمقراطي في البلاد او قلبه بنشاطاتهم ... لا يوجد أية خطورة من نشاطات سريّة لبقايا المنظمتين، أنهى الشاباك أقواله. لكن الجميع يعلم أن الحقيقة غير ذلك.
//اليمين السياسي – تاريخ دموي ضد الفلسطينيين والمعارضين
أقام المأفون مئير كهانا حركة "كاخ" العنصرية في سنوات الـ 70 ووضعت في مركز أهدافها أجندات يمينية فاشية متطرفة: "ترانسفير للعرب، إقامة دولة الشريعة التوراتيّة في البلاد، تشجيع العنف اليهودي ضد غير اليهود". وبالإضافة إلى أعمال الحركة العلنيّة، اعتقلت في العام 1978 مجموعة من داعمي الحركة بشبهة إقامة حركة سريّة باسم "غال" هدفها "انقاذ إسرائيل" خططت لمهاجمة العرب وتفجير المسجد الأقصى. نفذت حركة "كاخ" العمليات ضد العرب عبر ذراعها "اللجنة لتأمين الشوارع" التي تشكلت في سنوات الـ 80 بقيادة الفاشي باروخ مارزل، وضمّت المنظمة مئات الفاشيين ونفذت عمليات حرق واعتداء ضد أملاك فلسطينيّة في الضفة المحتلة.
نفذت بقايا الحركة بعد مقتل زعيمها عددًا من العمليات الإرهابية، مثل القاء القنبلة في القدس القديمة وقتل فلسطينيين وإصابة سبعة آخرين، حيث تمّ منحهم إعفاء من الرئيس فايتسمان وتم إطلاق سراحهم. بالإضافة طبعًا إلى مذبحة الحرم الابراهيمي التي نفذها المرشح الثالث في قائمة "كاخ"، المجرم باروخ جولدشتاين وأودت بحياة 29 فلسطينيًّا وإصابة 150 آخرين.
لقد شكّلت حادثة قتل المتظاهر إميل غرينتسويغ في العام 1983 محطة جديدة في تاريخ الاعتداءات الدموية السياسية في إسرائيل. حيث ألقى الفاشي يونا أبروشمي قنبلة يدويّة باتجاه متظاهرين يساريين احتجوا على عدوان إسرائيل على لبنان وغضبًا على تنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا ودور وزير الحرب شارون وجيشه في تنفيذها.
ان إلقاء القبض على المجرم وإدانته بالقتل لم تصل إلى جذور المشكلة والمأساة، وهي سياسة اليمين التي امتهنت التحريض والعنف السياسي وأدانت بالـ "خيانة" كل من لم يتفق مع توجهاتها الاستيطانيّة والعدوانية في المنطقة. علّ أبرز تجليات عدم معالجة هذه السياسة المجرمة، كانت تصريحات المجرم قبل أقل من عام، الداعمة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وإعرابه عن تفهمه للشبان الذين سيتابعون مسيرته "في شارع بلفور في القدس، هم سيذهبون الى هناك، ويعرفون ما عليهم فعله" واصفًا المتظاهرين ضد نتنياهو بخونة إسرائيل معربًا عن كرهه لهم، واستعداده للقتل من أجل السياسي الذي يحب، فهو قتل خدمةً لبيغن وهو يجب نتنياهو، حسب تعبيره، أكثر من بيغن.
قتل رابين علامة فارقة في الخارطة السياسية
إن قتل رئيس الحكومة الأسبق يتسحاك رابين في الرابع من تشرين الثاني من العام 1995 شكل نقلة نوعية في ممارسات اليمين ولجوئه إلى خيار العنف في الأزمات. حيث أطلق يغائيل عمير النار على رابين في نهاية تظاهرة "نعم للسلام لا للعنف" بعد مسيرة من التحريض قادها نتنياهو نفسه برفقة قيادات اليمين السياسية وقيادات دينية بارزة في محاولة لمنع تنفيذ اتفاق أوسلو.
لكنها، رغم حجمها لم تشكل نهاية لمسيرة العنف اليمينيّة السياسيّة في البلاد، ففي آذار 2004 اعتقلت الشرطة شابًا من مدينة حيفا بشبهة وضع تسع عبوات ناسفة ضد العرب، منها عبوة استهدفت مسجدًا في حي الحليصة وعبوة تحت سيارة النائب السابق عصام مخول في نهاية العام 2003.
تتابع التحريض السياسي ضد الجماهير العربية عقب الانتفاضة الثانية وأودى بمجزرة جديدة، في مدينة شفاعمرو، حين فتح الفاشي نتان زادة النار داخل حافلة ركاب موديًا بحياة أربعة شهداء من المدينة. رغم الادعاءات بعدم سلامته العقلية إلا إن الفاشي ابن بار لحركة "كاخ" الفاشية وعمل لتنفيذ سياستها، بمساعدة السلاح، خاصة على ضوء النقاش بأمر خطة الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة.
بعد انتهاء ولاية نتنياهو الأولى، وفي العام 1999 عاد موضوع تأمين الحراسة لنتنياهو وعائلته إلى الواجهة، حيث لم توفّر سياسة جهاز الشاباك حماية بهذا الحجم لعائلة رئيس حكومة سابق، لكن عقب إصرار نتنياهو تم توفير الحراسة له ولعائلته وتوفير حارس مرافق لزوجته سارة، الأمر الذي تطرق اليه مراقب الدولة مؤكدًا ان الامر غير عادي، لا بحجم الحراسة ولا بالفترة التي طلبت.
واليوم، بعد مرور ما يقارب العشرين عامًا، يتابع نتنياهو السياسية ذاتها، بوقاحته المعهودة، بشعبويته غير المسبوقة، فيتجاهل كافة الخطوات التي ينفذها زعرانه في الساحات ضد المتظاهرين ويصرّ على نظرية المؤامرة التي يقودها الإعلام واليسار من أجل القضاء على حكمه، مدعيًا أن الخطر على حياته جدي، وأن عائلته ومستقبله في خطر.



.png)

.png)






.png)
