امرأتان| عبد الرزاق دحنون

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في الثامن من آذار عيد المرأة العالمي ننحني إجلالًا لكلّ امرأة حملت معولًا وشقت به ثلمًا في الأرض لتزرع للأجيال لقمة عيشها. المرأة هُناك، في الحقل، تعمل وتكدح ويتصبّب جبينها عرقًا. وألف تحية وسلام لكل امرأة تمشي منتصبة، تشد ظهرها، ترفع صدرها، ولا تحني قامتها أبدًا.

أمينة شفيق

لفت نظري فكرة مهمة في كتاب الصحافية المصرية المخضرمة أمينة شفيق "المرأة لن تعود إلى البيت" حيث تؤكد أن المرأة الريفيّة العاملة في الزراعة، تعمل في الزراعة، منذ وجدت الزراعة واقتصادها المستقر في المجتمع البشري.

فالمرأة هي أولى الفلاحات المنتجات للقوت في تاريخ الثورة الزراعية الحديثة. هي أولى المنتجات في كل تلك البلدان التي امتلكت أنهارًا، وشكَّل الاقتصاد الزراعي فيها قاعدة لحضارتها القديمة. المرأة بدأت الثورة الزراعية الحديثة، وطورت نمطًا معيشيًا مستقرًا، ونقلت الزراعة من عصا الحفر إلى المحراث الخشبي.

وفي عصرنا الحديث هذا تُنكر أجهزة الدولة -حتى في المجتمعات الصناعية المتقدمة- على هذه المُنتجة الأولى حقوقها في الأجر المتساوي مع الرجل والمعاش التقاعدي والتعليم والرعاية الصحية المجانية والأمومة المستحقة الأجر. فالدولة تحاول التنصل من مسؤولياتها تجاه عمل المرأة وحقوقها المهضومة في كل المجتمعات البشرية. وهذه ليست مشكلة المرأة الفلاحة وإنما مشكلة جهاز الدولة ذاته، الذي يميل برمته نحو إصدار قرارات وقوانين وأعراف ذات طابع ذكوري متخلِّف في حقِّ المرأة الريفية العاملة، الفلاحة، فسواء اعترف هذا الجهاز بها أو لم يعترف، فهي هُناك، في الحقل، تعمل وتكدح ويتصبب جبينها عرقًا.

في هذا السياق حضرت الصحافية المصرية أمينة شفيق ندوة ضمن نشاط منظمة اليونيسكو في حقل "المرأة والتنمية الريفية" وكان ضمن المشاركين في هذه الندوة، أستاذ جامعي تولى بعد ذلك منصبًا مهمًا، كما تولت زوجته، الأستاذة الجامعية، موقعًا سياسيًا أكثر أهمية. تقول أمينة شفيق في كتابها: كنتُ أعرف هذه الزوجة، فقد شرفتني عدة مرات بتوصيلي إلى منزلي في سيارتها المرسيدس الرائعة. كانت تقول إن السيارة، التي تشرَّفتُ بركوبها، هدية من زوجها عندما عمل في دولة خليجية. لم يكن لدي أي اعتراض على فكرة قيادتها السيارة المرسيدس أو لفكرة إهداء زوج سيارة لزوجته. طالما كانت الهدية من نتاج عمله.

في الندوة شرحت المُحاضِرة لأهل الحل والربط، الارتباط العضوي بين الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه المرأة الريفية وبين تخلف العلاقات الانتاجية الزراعية، وكذلك تخلف أدوات الانتاج الزراعي. فالناتج الزراعي في الريف لا يمكن أن يضمن للعاملة الزراعية أو الفلاحة التي تعمل ضمن أسرتها، أجرًا مجزيًا ولا يمكن أن يكسبها حقوق عمل اجتماعية مثل المعاش التقاعدي وأشارت إلى أن سبب انخفاض هذا الناتج يعود في الأساس إلى تفتت الملكيات الزراعية إلى حيازات صغيرة. فالجرار الآلي لا يمكن أن يفلح نصف فدان مثلًا. ثمَّ أن الوحدة الزراعية الكبيرة والتعاونيات بين أهل الفلاحة هي التي ستفتح أوسع الآفاق أمام تطوير الزراعة وهي ستكفل حقوق العمل الاجتماعي لعامل الزراعة وعاملة الزراعة. وبعد أن أنهت شرح وجهة نظهرها فوجئت بالأستاذ الجامعي يوجه إليها سؤالًا استفزازيًا.

قال: يعني سيادتك عايزه الفلاحة تسوق الجرار؟

 أجابت: وليه.. لأ؟

فرد سريعًا: يا سلام.. إزاي بقى؟

كان ردها أكثر استفزازًا. قالت: زي ما الأستاذة الجامعية بتسوق المرسيدس في شوارع العاصمة. أُفحم الأستاذ الدكتور، فبلع الردَّ وسكت. إلى أن انتهت جلسة اليوم. فمال على أحد الأصدقاء المشتركين له وللصحفية أمينة شفيق، وقال: الصحفية دي شيوعية. فرد الصديق المشترك: ليه يا دكتور، إيه دخل الشيوعية في سائقة تقود الجرار الزراعي أو أستاذة جامعية تقود العربة المرسيدس في شوارع العاصمة؟

مساحة خلاف واسعة، بين بشر ينظرون إلى المرأة كرصيد أساسي في التطور الاقتصادي والاجتماعي، وبين آخرين يودون الإبقاء عليها في إطار هامشي لتقدم شكلي.

تضيف أمينة شفيق: كم كنتُ أود ولو لم يعاملني باستفزاز ولو أنه جلس معي في حوار هادئ لأعبِّر له عن وجهة نظري والتي تتلخص في أنني تمنيت دائمًا أن توجه قدراتنا المالية والتي اشترينا بها المرسيدس الفارهة، إلى شراء خمسة جرارات زراعية. كان يكفي أن يُهدي زوجته سيارة صغيرة من صناعة محلية وبذلك نُخفض من الازدحام في الشوارع، كما نُسهم في زيادة الانتاج الزراعي.

 

 

 

رباب عيسى

 

في صباح أحد أيام ربيع عام 2011 وقفت بباب مكتبتي في زقاق المسيحيين قرب كنيسة الروم الأرثوذكس في مدينة إدلب شمال غرب سورية، امرأة من أهل الريف عليها هيئة السفر، في وجهها ملامح نبل مع حسن المظهر، سمات الشجاعة والإقدام بادية في انتصاب قامتها، بنت البادية تمشي منتصبة، تشد ظهرها، ترفع صدرها، ولا تحني قامتها أبدًا.

في كفيها تظهر عروق الكدح والعمل. بدت في ثوبها الكحلي، ونطاقها الذهبي، وغطاء الرأس المزين بحلية ظريفة، في الثلاثين من عمرها، طويلة القامة، سمراء البشرة، واسعة العينين، شامخة الأنف، بسَّامة الثغر، مكتنزة الشفتين، وكأن يزيد بن معاوية عناها في قوله:

وأمطرتْ لُؤلؤًا من نرجسٍ وسقتْ

وردًا، وعضتْ على العِنابِ بِالبردِ

قالت:

أسعد الله صباحكم بكل خير، هل أجد عندكم نسخة من كتاب "المستطرف من كل فن مستظرف" لشهاب الدين محمد الأبشيهي؟

قلتُ مندهشًا من طلبها:

نعم، عندي نسخة وحيدة في ثلاثة أجزاء محققة من القطع المتوسط ومجلدة فنيًا بجلد أسود مذهَّب قد تُعجبك، هل تُريدينها لك؟

قالت:

الحمد لله لم يذهب تعبي سُدى، سألت في مكتبات السوق وسط المدينة فلم أجد الكتاب، وبعضهم لم يسمع باسمه من قبل، ولكنهم -كتر الله خيرهم- دلوني على مكتبتك هذه المتوارية عن الأنظار في هذا الزقاق القديم قرب الكنيسة. كلا، الكتاب ليس لي، بل لجدي وقد أوصاني عدة مرات سابقة أثناء نزولي إلى المدينة لأعمال مختلفة أن أشتري نسخة منه ولم أُفلح في ذلك قبل الآن.

قلتُ:

إن كان عندك وقت تفضلي استريحي في المكتبة، حللت أهلًا ووطئت سهلًا، هل جدك من قراء الكتب؟

قالت:

شكرًا لاستضافتك أنا فعلًا بحاجة إلى الراحة قليلًا.

ثمَّ أضافت بعد أن جلست:

أنا من يقرأ له الكتب بعد ان صار شيخًا طاعنًا في السن وقد تجاوز الثمانين عامًا وهو يعاند ما جاء في معلقة الشاعر العربي الجاهلي الحكيم زهير بن أبي سلمى:

سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِش

ثَمانينَ حَولًا لا أَبا لَكَ يَسأَمِ

وَأَعلَمُ عِلمَ اليَومِ وَالأَمسِ قَبلَهُ

وَلَكِنَّني عَن عِلمِ ما في غَدٍ عَم

رَأَيتُ المَنايا خَبطَ عَشواءَ مَن تُصِب

تُمِتهُ وَمَن تُخطِئ يُعَمَّر فَيَهرَمِ

ذُهلت من فصاحة لسانها، فقد روت الأبيات وكأنها تقرأ من كتاب مفتوح. وأنا هُنا في الغربة على شاطئ بحر إيجة بعد أن شردتنا الحرب الضروس التي طحنت رحاها البشر والشجر والحجر، أحاول استحضار ملامح تلك المرأة في ذلك الصباح والحديث الذي دار بيننا. كانت قادمة من تخوم البادية السورية قرب خراب "الأندرين" التي ذكرها عمرو بن كلثوم في معلقته:

أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَـا

وَلاَ تُبْقِي خُمُـوْرَ الأَنْدَرِيْنَـا

 

سبحان الله، بعض من تلقاهم من البشر سيماهم في وجوههم، ومهما جرت الأيام لا تنساهم، وقد كان وجه المرأة يحمل سمات النباهة والفطنة. قلتُ لها وهي تفتح كيس نقودها:

سأطلب منكِ معروفًا وآمل ألا تردّي وجهي خائبًا. نظرت في وجهي مليًا وكأنها فهمت قصدي، قالت:

قل يا ابن الحلال، ما عاش من يردّ وجهك خائبًا.

ضبّي إذن كيس نقودك، هذا الكتاب هدية لجدك، واذكريني بالخير عنده. ولا تستغربي تصرفي فهذه النسخة من كتاب "المستطرف في كل فن مستظرف" من مكتبتي الخاصة في البيت أحضرتها إلى هُنا لأنني أكتب بحثًا مستفيضًا عمَّا جاء في الكتاب من مِلَحٍ ونوادر. وعلى كل حال انتهيت من الكتاب وهو لجدك الآن.

قبلنا الهدية، كثر الله خيركم، ولكنني أراك فرحًا مسرورًا، ما الحكاية؟

قلتُ:

نعم، أشعر بالسعادة، لأنني كسبت قارئًا جديدًا، وقد قرأتُ قبل أيام خبرًا في إحدى الصحف جاء فيه أن المواطن الكندي ينتابه الكثير من الحزن والقلق حين يشرف على الموت ولم يتم بعد قراءة ألف رواية، مش ألف كتاب، ألف رواية. وأظن هذا المواطن الفطن على حق، لأن إحدى فوائد قراءة الروايات أنها تُضيف إلى حياتنا حياة جديدة، لذا كلَّما قرأنا أكثر طالت حياتنا أكثر، فحق لهذا المواطن أن يحزن. ومن ثمَّ فرحتُ بالتعرف إليك فأنت كما أرى تمتلكين وعيًا وخبرة في الحياة وقبل هذه وتلك عندك هذه الشجاعة النادرة في الاقتحام وحرية التعبير وبذلك تختلفين عن نساء الريف والبادية المحافظات، أو بما يكون الأمر غير ذلك ولكن هذا ما نظنه نحن سكان المدن.

قالت وفي صوتها ثقة عالية:

يؤسفني أن أخيِّب ظنك، فأقول: إنَّ نساء الريف بعكس ما تظن متحررات بأشواط عن نساء المدن، ولا يُخطئ في تقدير ذلك صاحب بصيرة، ها أنت تعجب من قولي هذا، لا تعجب، فانا لا أطرح الكلام جزافًا ها هُنا، ولكنني أقول ذلك عن تجربة ميدانية، لا تنظر بعين الباحث إلى شكل لباسنا فنحن في البادية ما زلنا نعتبر الحشمة من الأخلاق الحميدة، ومن قال لك أن العري والسفور دليل الحرية في مجتمعاتنا.

قلتً مقاطعًا حديثها:

معاذ الله يا سيدتي، نعم، وأنا كذلك أعتبر الحشمة من الأخلاق الحميدة.

قالتْ:

نحن في البادية ما زلنا نحب ونعشق ونصاحب ونعيش الحياة بحلوها ومرها، دعك من الحالات الخاصة التي تطغى على العام والشائع، نحن في النهاية نمتلك حرية القول والفعل. خذ مثلًا بسيطًا، المرأة في البادية تعمل كتفًا إلى كتف مع الرجل، وفي بعض الأوقات تعمل أكثر من الرجل، وهي في حالات كثيرة صاحبة الحل والربط، وكلمتها مسموعة، وهذا الأمر يكسبها الكثير من حرية الانطلاق في دروب الحياة. نحن إلى يومنا هذا نستقبل الرجال في غياب الرجال، ونكرم الضيف ولو كنا وحيدات في البيوت، نحن عرب ونعرف الأعراف العربية ونخضع لها، أما هُنا في المدينة فقد جالست العديد من النساء المحجبات والسافرات، المسلمات والمسيحيات، فوجدتُ لديهم-ودعك أيضًا من استعمال نون النسوة في الحديث- نعم وجدت عندهم الكثير من القيود التي تكبل عقولهم أولًا ومن ثمَّ سلوكهم الاجتماعي ثانيًا. لا أعرف ماذا فعلت بهم المدينة، تجدهم في الحديث وفي الحياة مهجنات. أتعرف، أظنه ذات الفرق بين زبدة عرب من لبن الغنم وزبدتكم هذه المهجنة التي تعملونها على شكل قوالب مستطيلة في المدينة.

نحن على العموم في البادية أكثر حرية وانطلاقًا من نساء مدنكم، المدينة أو المدنية لم تحرر المرأة كما أُلاحظ، ويلاحظ المرء بسهولة أن عندهم الكثير من العقد والممنوعات الاجتماعية تمنع عنهم تلك الحرية البسيطة التي من حق البشر في النهاية. هل تدرك ما أعني؟ أعني تلك الحرية الفطرية التي ولدت مع الإنسان، وأنت تعلم أن أمهاتنا ولدتنا أحرارًا.

في البادية ما عندنا مثل هذه القيود الثقيلة التي تفرضها المدينة عليكم، فأنا وغيري من نساء البادية نُناقش الرجال في كل الأمور وإن أحببت أستطيع بسهولة قول ذلك لأبي أو لأخي أو لأمي، وفي النهاية أنا من يُقرر. حتى المصارحات والمطارحات الجنسية عندنا أفصح وأليق مما في المدينة. وقديمًا قال مزيد وهو من أهل القرن الرابع الهجري: كان الرجل فيما مضى إذا عشق فتاة راسلها سنة ثم رضي أن يمضغ العِلك الذي تمضغه، ثم إذا تلاقيا تحادثا وتناشدا الأشعار، فصار الرجل اليوم إذا عشق فتاة لم يكن له همّ إلا أن يرفع رجليها كأنه أشهد على نكاحها أبا هريرة.

دعك ممَّا يُشاع في المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية التي تصوِّر حياتنا، فهي في الغالب لا علاقة لها بالواقع، هي خيالات في رأس المؤلفين والمخرجين والحكومات-الله لا يوفقهم ولا يوجه لهم الخير فوق تعبهم- ولا تمت بصلة ما إلى حياتنا الحقيقية، وهذا الأمر بحد ذاته مصيبة كبرى أن تشكل تصوراتكم ووعيكم الجمعي عن المرأة في الريف والبادية من خلال ما ترونه على الشاشة. وهذه دعوة لك، بما أنك تكتب في الجرائد والمجلات، لزيارتنا ومعاينه ما أقول على أرض الواقع.

طبعًا كنتُ أحب أن أذهب إليها في مرابعها، ولكنني لم أقدم على تلك الخطوة لأن الطرق في بلادي تقطعت في أواخر عام 2011 واشتد أوار الحرب، وتقطعت بنا السبل، وتشرد أهل تلك المرابع والديار، ويعلم الله أين تلك المرأة الآن، وأنا على كل حال أتفق معها فيما قالت، وأعتقد بأنها امتلكت شجاعة في القول يعجز عنها الكثير من البشر.

 

الصورة: قطف الزيتون في إحدى قرى ريف مدينة إدلب (تصوير: سانا)

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين