بدأت البرلمانات تظهر في اوروبا في بداية القرن السابع عشر على شكل اجتماعات دورية لرجال من الطبقة الارستقراطية الحاكمة، لتكون أداة في قمع الجماهير بالاظافة الى الكنيسة واللاهوت الديني الذي ساهم في بسط سيطرتة على الفقراء ودعم الملكية الأوتوقراطية الارستقراطية المستبدة هناك. الدين السياسي بمجمله كان ومازال في كل عصر ومقام يقوم على دعم السلطات الرجعية التي تظلم الجماهير وتصادر كل حقوقها السياسية والمدنية والاجتماعية. اوليفر كرومويل كان جنرالا في الجيش الانجليزي وعضوا في البرلمان الارستقراطي ثار من داخل البرلمان الارستقراطي ضد الملك الانجليزي وقاد جيش البرلمان ضد الملك تشارلز الاول في الحرب الاهلية الإنجليزية، وحكم بريطانيا فعليا وأنهى حكم الملكية بين عام 1653 حتى 1658.
كانت محاولته لقلب النظام الاستبدادي الملكي الأولى في نهاية العصور الوسطى وبداية العصر الحديث قوية ومعبرة ولكنها لم تدم وعادت الملكية هناك بمساعدة الكنيسة القوية التي قادت حربا ضده مع الارستقراطية ضد كرومول ومحاولته حينها. ثم جاءت الثورة الفرنسية 1789 التي قضت على النظام الملكي في فرنسا وأسست الجمهورية الاولى في التاريخ ومعها الجمعية التأسيسية الاولى في فرنسا. عام 1848 كان ربيع اوروبا الحقيقي عندما انهارت كل الملكيات وتأسست الجمهوريات التي اعتمدت في حكمها على البرلمانات والانتخابات في غالبية الدول الملكية الاوروبية. خلال ثورة اكتوبر الاشتراكية كان رأي اليسار المتطرف حينها يخاطب الجماهير بكل حزم، رفض دعوة الثورة في بدايتها الى الطريق البرلمانية التي ولى عهدها تاريخيا وسياسيا، وأن الأمر من وجهة نظر جدلية للتاريخ هو العمل على تحطيم نظام الانتاج الرأسمالي حتى يتم انهاء ضرورة البرلمانات البرجوازية فهي بطبيعة الأمر مركز العداء للطبقة العاملة والجماهير بصورة عامة.
جاء رد لينين في كتابه "مرض اليسارية الطفولي" واعيا وثوريا حقيقيا اذ اشار أن على الثوريين المتشددين والثورة كلها معا العمل من داخل هذه البرلمانات الرجعية، لأن وجودها داخلها ضروري ولكن لفترة زمنية قصيرة حتى تتمكن الثورة وتنهي هذه البرلمانات من داخلها وتؤسس السوفييتيات مكانها. المقصود هو العمل لشهور أو لسنوات قليلة حتى تنتصر الثورة وتتمكن نهائيا وتنهي النظام الرأسمالي برمته. نحن لسنا في زمن ثورة اشتراكية ولكننا نملك تجربة طويلة العمر من داخل أكثر البرلمانات رجعية في التاريخ المعاصر الذي عمل ضد مصالح جماهيرنا ومنذ أن وجد.
التصويت للكنيست الاسرائيلي لم يعد غاية بعد أن فشل كوسيلة. في هذه الايام لم تعد الانتخابات لهذا البرلمان لعبة الجماهير العربية السياسية المفضلة. القوائم العربية واقول هذا لانها فعلا كانت قوائم ولم ترق الى مرتبة الاحزاب ولم تفعل كثيرا لجماهيرنا بل العكس هو الصحيح، اذ تحالف الكثير من هذه القوائم العربية واعضاء كنيست منفردين على مر عقود ضد مصالح هذه الجماهير، إذا استثنينا حقيقة دور الحزب الشيوعي التاريخي في بقائنا وصمودنا وتطورنا من قلة مشتتة الى قوة جماهيرية فاعلة ومتطورة وصامدة في وطنها، وهذه حقيقة موثقة ومسيرة نضال مدونة في تاريخنا بحروف من ذهب الى الأبد. على سبيل المثال لا الحصر قائمة الحركة الاسلامية، اي الاخوان المسلمين ليس لدينا فقط بل على مستوى العالم العربي اثبتث ان زعماءها لا يهمهم أي تبلور وطني أو قومي. وقد كان الاخوان ومنذ نشأتهم في مصر في العشرينيات من القرن الماضي اي قبل جلاء الاستعمار البريطاني عن مصر ومازالوا حتى اليوم ضد تحرر الجماهير وضد كل قيمها الوطنية والقومية ونذكر ان حركة الاخوان اسسها بالفعل حسن البنا بمساعدة مباشرة من الاستعمار الانجليزي قبل ان تنهي وجوده ثور الضباط الأحرار في يوليو عام 1952. وهنا نقصد الاسلام السياسي التكفيري وليس الدين الاسلامي الحنيف. لنا كل العبر والمثل فيما خلفه "الربيع العربي" بجانبه التكفيري الرجعي الاسلامي في البلاد العربية. الاخوان خلفوا دوما بما وعدوا منتخبيهم به. ما زالوا هناك في أفق دنيا العرب التي تترنح تحت الفقر والعوز والضائقة والاحتلالات والتدخل الاجنبي من كل حدب وصوب. التاريخ العالمي يتغير في هذه الأيام وأمام أعيننا من نظام سيطرة وهيمنة القطب الواحد الامريكي الغربي الى نظام متعدد الاقطاب سيكون دون شك أرحم وأعدل وفي مصلحة الشعوب الفقيرة والمغلوبة على أمرها كشعوبنا الع بية وبناء على لحظة التحول هذه في مسيرة التاريخ الأجدر بالجماهير العربية التغيير من طرق نضالها هنا وفي العالم العربي الكبير. نحن لسنا في زمن ثورة اشتراكية ولكننا ما زلنا نساهم من داخل أحد اكثر البرلمانات البرجوازية الرجعية التي تعمل في كل وقت ومكان ضد مصلحة الجماهير العربية وفي مصلحة النخب الحاكمة وضد مصلحة الاقليات بصورة خاصة. لابد من تطوير طرقنا لنحصل على حقوقنا الفردية والوطنية بصورة متساوية بكوننا جزءا من مجتمع يدفع الضرائب ربما الأعلى في العالم كله، ومن حقنا تحصيل كل حقوقنا بصورة متساوية. وما حصلنا عليه حتى الان هو من حقنا وليست منة أو هبة من أحد..
هناك بنظرنا طريقان للوصول وللتقدم في تحصيل حقوقنا ومساواتنا في هذه البلاد. الطريق الاول هو مؤسسات الجماهير المتطورة، تنقصنا المؤسسات المدنية القوية والمتطورة التي تقود الجماهير المبعثرة وتهديها الى طرق حرياتتها ومساواتها وحقوقها في كل حقول العمل السياسي الاجتماعي والاقتصادي، نقصد مؤسسات مدنية وطنية فاعلة واسعة وليست تلك القائمة على عمل افراد والتي ليس لها ذاك الثاثير في مسيرة ومصير حركة وتاريخ ومستقبل مجتمعنا العربي الباقي في وطنه. هذه المنظمات المدنية قائمة في العالم الرأسمالي منذ عشرات السنين وهي هناك قوية ومؤثرة وتقود الجماهير في قلب النظام الرأسمالي مثل حركات ومؤسسات السود المدنية في امريكا منذ الفهود السود ومارتن لوثر كينغ الى اليوم، والى حد ما المؤسسات المدنية التي أسسها المغتربون العرب في أمريكا اللاتينية. نحن ما زلنا مجتمعات قروية في فكرها وتصرفها تضيع نتاج كل تطورها و فكرها ووعيها في الطائفية والعائلية والفكر اللاهوتي، الذي بدوره يمنع التطور السياسي الاجتماعي ولا يساهم في حركة الجماهير نحو تطورها المدني وتحقيق حقوقها. الامر الثاني هو غياب الاحزاب السياسية القوية المنظمة جيدا طبعا اذ استثنينا الحزب الشيوعي الذي خفت دوره في متاهات الاحلاف والقوائم المشتركة من كل حدب وصوب. الحزب السياسي هو أعلى وأرقى تنظيم وله القدرة لتنظيم وقيادة حركة الجماهير وسيرها في دربها الى الامام. حبذا لو ملكنا الاحزاب السياسية التي لها برامج واهداف ودراسات وخطط بعيدا عن العفوية تخوض هذه الانتخابات. نرى بتواضع شديد أن الحاصل في مجتمعاتنا هو نتيجة غير مباشرة لغياب الأحزاب السياسية الفاعلة وضعفها في وجودنا واعتماد حركتنا السياسية الانتخابية على القوائم المتخلفة فكرا وتنظيما في غالب الأحيان. ضعف دور الحزب الشيوعي في العقود الثلاثة الاخيرة بعد سقوط النظام الاشتراكي هو أحد اهم أسباب ضياع مجتمعنا في العنف والفوضى كنتيجة مباشرة التي تبثه الحضارة الغربية من أمريكا ودول الغرب من فكر غير سوي وفوضوي وعنصري في أحيان كثيرة وبدون قيم أو أخلاق، همه كان وما زال الربح وجعل شعوب العالم أرقاما استهلاكية لبضائعه وفكره العنصري المعادي للشعوب. الاحزاب مهما كانت لها قيمها وروحها وفكرها هي وحدها المؤثرة على حركة الشعوب ومصائرها في كل زمان ومكان.



.png)

.png)






.png)
