من يسمع بيروت يتدفّق أنينها إلى صدره المشقوق مباشرة، بيروت الّتي ظننّاها عصيّة على الدّمع، لمّت أشلاء العرب مرّة واحدة وفجرّت حزن الأمّة في دفعة تشبه ومضة لمعت سريعًا في السّماء مودّعة في ساحةٍ ملحميّة، شكل روحها ونطقها واسمها لتنام هي، بينما ما زال ناسها يبحثون عمّا يجعل ذاك السلطان شعبيًا، أو ذاك الوجع ودّيًا، أو ما يبعث في شعب لبنان هوّية تقبع الوصاية وتسلق الجدران على كتف المأساة، وترفض انبعاث روح الاستعمار وتستحقره.
بيروت الّتي فُجعت مرارًا، تُجمع أن ملح الفاجرين لن يذوب، في حين يتقاذف الفاسدون المسؤولية، يدفع الجياع ثمن هذا القدر الكبير من التخبط، 40 ألف مبنى تضرّر في "الثلاثاء الأسود"، أي ما يراوح الـ200 ألف شقة ما بين ثغرة خفيفة إلى دمار شامل، لتُبقي الشعب لقمة سائغة في فم رأس المال الفاغر، وتضعه حد الاعتبارات الاقتصادية والجيوسياسية المرتهنة والمنزلقة بالأساس في جيوب مافيات كبيرة تريد تحقيق ثروتها على حساب العوز اللاحق بالناس، أولئك النّاس الّذي وقعوا ضحيّة ليس فقط للتجاذب والمغازلات بين حيتان الطبقة العفنة سياسيًا، إنّما لاقوا أشدّ ما قد ظنّوه عندما ثبّتوا أقدامهم تحت زمرةٍ محدّدة تطفو في كلّ مأساة لتجّدد خلافتها وتستبيح دماء شعبها وتستعيد أساليب تمترسها من جديد مستغلةً الشرخ الحاصل، هم مرتزقة 14 آذار، مديرو البروباغندا الإعلامية، والمتسلقون القدماء الّذي عهدتهم حجارة لبنان في تخوين المقاومة وتحميلها وزر وغبن جبناء السلطة، الّذين وان لم يلاقوا جيش إسرائيل بأحضانهم في السابق ورقصوا على بحر من أوجاع الفلسطينيين لتلاقوا مع نظام السعودية مثلًا، حليفة إسرائيل الخفية المفضوحة، وهذا ما وجدناه في سموم اقتحام وزارة الخارجية اذ أبرزت كاميرات بعض المشبوهين "الثوار" التبعيّين حينما علقوا على شرفتها لافتة ضخمة كُتب عليها "بيروت منزوعة السلاح"، وكأن عزاء لبنان أصبح في همس يطوف ويحوم ويجول حول شرف المقاومة، عدا عن استغلال أبواق الصحافة اللبنانية التي تدعي دعم الحراك الشعبي ضد المحاصصة والطائفية والفئوية ومن أجل الجياع والمقهورين وتصوّر في ذات الوقت الضحايا على شكل ولون محدّد، متجاهلين بالأصل ان ثلث من راحوا فداء للقمة عيشهم هم من السوريين.
ولا شكّ في خضم الموت هذا، وبالرغم من أن الضوء الوهابي الأخضر ما زال خافتًا، إلّا أن اسم البطل المنقذ سعد الحريري يعود مجددًا إلى الواجهة في مشهد سياسي مزلزل، والحقيقة قد لا يمانع حزب الله باسمه مع ركل أي اغراء لأي اسم آخر ودون المساومة على رسالة المقاومة ورفض الحياد الذي اتبع أخيرًا، ودون أن يقبل بأي تنازلات أو أسماء أخرى. في حين يتابعه الحريري تشبثه الحريري بعقله الاستعراضي هو وتياره، اثر تأجيل النطق بحكم اغتيال أبيه والذي كان من المفترض أن يكون في 7 آب، ليخلق جوًّا صاخبًا يليق باتهاماته ومن يقف خلفه، وسط تصريحات طائفية معتادة، فيها نفس يخلط ما بين الكارثة و"اغتيال بيروت"، الذي لا يقل "وجعًا وهولًا" بحسبهم عن جريمة اغتيال رفيق الحريري، أي أن حتّى في مناسبة مريرة قلبت لبنان رأسًا على عقب يعودون إلى اخفاقاتهم هم. ولكنّ عودة الحريري على ما يبدو لا تشبه أي عودة سابقة، فالهبة التي نقلها الشعب في 17 تشرين الأوّل من العام المنصرم، شكّلت الثغرة في وجه أية حكومة قادمة، والتي كان من الواضح أنها ستُبنى على رماد، أو على سراب ووهم، اذا فكّرت للحظة واحد أنّ عمرها قد يطول، بغض النّظر عن أن ما كان ينقصها هو حبة الفيل الأزرق، تفجر المرفأ وإعادة الديباجات المعهودة والأسطوانات المشروخة ضد حزب الله وتحميل الحكومة وليدة الأزمة كل المصائب. ويبدو كذلك ان اتخاذ دور مسرحي في لعبة شعبوية مركبة على وجع النّاس هو ركن أساس تربى عليه السياسي الحريري، الذي تبجح بأنه يسمع صوتهم بينما كان صوت مصلحته، وهذا ما أنذر بخرابٍ مضاعف تاركًا المركب واستقالته تغرق بمن فيها من أصحابه.
موبقات الحكومات المتعاقبة
العصيب في الحالة البيروتية، وان كانت غارقة في لعبة المصرف، فإن المتربصين كانوا كُثر في حين لم يُمنح رئيس حكومتها المستقيلة حسان دياب أي دعم يذكر من كل الوجوه الحاضرة، أريد له أن يحمل موبقات الحكومات المتعاقبة وما من فرصة سانحة كالتي تعصف في لبنان الآن، في ظلّ وجود غضب شعبي كبير وأصوات مشبوهة متهافتة في اعلام لبنان الموجّه والاعلام الخليجي المتصيّد واعلاميه اللبنانيين الطائفيين أنفسهم، خاصة السعودية ممثلة بصحيفة "الشرق الأوسط"، والتي سرعان ما زعمت بحقارة أن الغبار الذي نفضه اليمن عن جبينه الأشم، ليجمع التبرعات إلى لبنان ما هو إلا محاولة لجمع التبرعات لحزب الله، مناقضةً لما روته سابقًا بأن حزب الله ذاته هو من يموّل الحوثيين، وهذا ما جعل المحلّل أسعد أبو خليل يكتب موجهًا كلامه إلى هذه الزمرة التافهة "أكاذيبكم باتت متناقضة ومتهافتة"، هذا عوضًا عن استباق الحدث في تدخلات عشوائية أطلقتها أمريكا عبر سفيرتها لترجّح كفّة المتآمرين على المقاومة وتزعزع المبتغى الوحيد في أن يكون لبنان دولة ذات سيادة. بينما يتحول التدخل الخارجي الى وصاية فعلية مرئية وملموسة قد ترفع الحريري أكثر رغم أن ملامحها ليست واضحة بشكل تام، ما يشير ان استقالة دياب مؤخرًا قلبت كروت اللعب لأنّ بطبيعة الحال من هرب في أزمة مستعصية وهي البلاد غارقة ومنهارة، لن يتحمّل هذا العبء فيما لو استقال دياب قبل نكبة بيروت، بلا أي فرصة خارجية "داعمة" تُذكر كما اليوم.
وبمعزل عن كلّ الأخبار والتحقيقات الصادرة عمّا يحدث في المرفأ ذاته، ولماذا بقيت المواد الخطرة من أطنان نيترات الأمونيوم المخزنة والتي تشي لا شكّ بوجود رائحة مشكوك بها ويقف وراءها مسؤولون وأسماء بربطات عنق قد تقودهم إلى المشانق، إلّا أن الأسئلة الكبرى تحوم حول المرحلة المقبلة، في حفلة شواء تحاول جاهدة أن تكون ديمقراطية بعد سلسلة استقالات بائسة للوزراء كأنّها استجابة لإرادة شعب يُحرَّك بعضًا منه ممّا يستقي في الإعلام، وكأنّ من استقال وخاصة من سبقوا الفترة الحالية لا يدركون حجم انفاق العامة وباختلاس بغيض على عار وجودهم، هؤلاء عملاء الداخل من الكتائب والقوات الذين حذر الحزب الشيوعي اللبناني من محاولاتهم وشعاراتهم "التي تصب في خدمة مشاريع سلطوية داخلية تستجيب بالأساس لمشاريع خارجية مشبوهة وتستدرج قوى الخارج للتآمر على دور لبنان وموقعه الوطني، خصوصا في هذه المرحلة التي تشتدّ فيها المحاولات الرامية إلى تفتيت دول المنطقة وتقسيمها طائفيا ومذهبيا لإخضاعها".
هذه الأهزوجة المتكررة، تثير الأسئلة الكبرى فهل هذه استقالة للحكومة اللبنانية وتجديد التفويض لرأس آخر لها؟ هزيمة للسلطة ذاتها؟ او مرحلة مقبلة نحو سقوط النظام المتكرر والمهترئ؟ والذي يعني فيه الأخير انهاء اتفاق الطائف. ويُعمل رئيس تحرير جريدة الأخبار اللبنانية، إبراهيم الأمين ذهنه، في "أيام الأسئلة الكبرى" فيقول: ماذا يعني الفشل في تشكيل حكومة سريعًا؟ هل يصبح الجيش المكلف بقرار ادارة العاصمة الكبرى في ظل حالة طوارئ الحاكم الفعلي للبلاد؟ وهل الجيش قادر على هذه المهمة وهو الذي فشل في ادارة شوارع مثلومة الاسبوع الماضي؟ وهل لدى قيادته وهم بأن سلطة الامر الواقع تتيح له تشكيل حكومة واجراء انتخابات والاتيان بقائد الجيش رئيسا للجمهورية؟" ويثير غيمة أخرى أكثر رهبةً في أسئلة منطقية وجوهرية "من سيكون المسؤول عن البلاد بعد ثمانية ايام، عند صدور قرار المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال رفيق الحريري؟ من سيتسوعب الصدمة ومن يمكنه ضبط الشارع الذي سيتصرف على انه أسقط الحكومة وعليه اسقاط المجلس النيابي ورئيس الجمهورية ايضا؟ وكيف سيكون الوضع لو ان الشارع ضم الى مهامه أيضًا مهمة تنفيذ حكم المحكمة الدولية؟".
وعلى ما يبدو فإن طمع المناطقيين الداخليين بالنظرة الخارجية يجعلهم يتصورون ان انتخابات جديدة بعد اطاحة المعارضة بالمجلس النيابي، قد تغير شيئًا ما في التركيبة الخاصة بالمجلس، ما قد يوجه أنظارهم إلى حلم اسقاط ميشال عون مثلًا والتهافت نحو أيادٍ شيطانية لتحقيق مآرب الوصول إلى حلم الرئاسة الأعظم، ما يعني ان ملفات خطيرة قد يُعاد فتحها من جديد لمسح الهويّة السابقة وتحديد أخرى. وهذا بالتزامن مع حسر الرؤى العالمية حول ضرب المقاومة فإن أي مساعدة خارجية تتلثّم بعباءة السلم الأهلي وإنقاذ لبنان قد يكون هدفها ذر الفتات المشروط، او وضع لمسة لتخدير موضعي دون الولوج إلى حل حقيقي للحصار، ما يؤول إلى تكريس الضغط على المواطنين بشكل خفي ظنًّا بأنّ هذا الأمر قد يقلب المعادلة ويقود حزب الله مثلًا إلى طاولة مستديرة تناقش في ماهية سلاحه وشرعيته وبقائه من عدمه.
شكوك الحزب الشيوعي اللبناني
وبالنسبة للحصار الاقتصادي بالذات والذي لا وجود لحل مرحلي له، فإنّ شكوكًا قد طرحها الحزب الشيوعي اللبناني في بيانه حينما قال ان "اشتراط تقديم الدعم بإصلاحات يتوجب على الحكم اللبناني تنفيذها في القريب العاجل، لا يعفي الكثير من تلك الدول من مسؤولية المشاركة في فرض الحصار والعقوبات الاقتصادية والمالية التي أضرّت كثيرًا بالشعب اللبناني. كذلك فإن الاتجاه إلى تمرير هذا الدعم عبر قنوات غير رسمية بحجّة الفساد المستشري في أجهزة الدولة (وإن كانت هذه حجّة حقّ في الظاهر)، لكنه لا يعفي من طرح تساؤلات حول الغايات الاقتصادية والسياسية الفعلية التي يتوخّاها ذلك الدعم" مع اعلم ان أركان السلطة حظوا بدعم من نفس هذه الدول وأولهم فرنسا".
وعلى الرغم من التّوجه "بريء الملامح" الذي توجه من خلاله ماكرون، إلّا أن أي تفويض في قلب سياسة النظام الداخلي للبنان، لن يحدث أي تغيير جذري فيه، كونه سيعود مجددًا للتحدث باسم فئات دون أخرى، وتستشاط الفوضى وفي بؤر أكبر. هذا في حين ان أمريكا ستعطي نفسها الشرعية لتدخل سافر آخر وستمتطي الأزمة كالعادة، محاولةً اجراء لعبة ما تخدم ثكنتها العسكرية في محاولات لتعديل مهام اليونيفيل في أواخر الشهر الجاري، وستحاول ولو في الظلّ أن تثير في نفوس الشعب بأنّ بعث الروح في لبنان هو خيار آمن بلا وجود المقاومة، والحديث عن المقاومة التي تحمي سيادة لبنان في وجه العداء الأمريكي الصهيوني الذي تدفع ثمنه من دماء شبابها، أولئك الذين راحوا بالعشرات ضحايا في المرفأ الذي اتّهموا بتفجيره، والذي أكّدت روايات كبيرة، منها ما قاله الصحفي الاستقصائي اللبناني رياض القبيسي أن لا يمكن أن يكون لحزب الله ضلعًا فيه، حتّى في واقع تقسيم القطاعات المختلفة وبأسمائها الطائفية على مرافق عدة في لبنان فإنّ حزب الله بالفعل يعلم ما في حيفا أكثر من بيروت، هذه الجملة التي قضت مضاجع ذوي الأجندات المحرّكة قبل إسرائيل نفسها، مشككين بالنّفس المتواري حول فهم واستيعاب مآلات المصيبة وعدم السماح لتصيّد المستفيد الوحيد من دمار أكبر قاعدة حيوية للبنان. هؤلاء أنفسهم الذي غزوا الشاشات بمشاهد ممسرحة صفقّت لهم من أجلها دولة المحتل، حينما لف عنق الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، خيطًا وهميًا سلطت اليه الكاميرات، تلك الكاميرات المدججة بالسموم، التي تسابق اليها الاعلام الإسرائيلي منتصرًا محاولًا تناسي قلب المعادلات والموازين في تموز، وبدون أن يُلتفت لأصل الشرور والمصائب، متجاهلين امثال، جعجع وجنبلاط وجميّل والحريري الذي سرعان ما تفاخر باتصال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، هذا اللعوب الذي له دور بارز في فرض العقوبات على سوريا ضمن قانون قيصر، ضاربًا أصول التعاون والتجارة السورية اللبنانية، حيث يهدف إلى زعزعة الاقتصاد بين البلدين وفرض طوق خانق على أداء المقاومة في محاولة لتركيعها والقبول بشروط أمريكية جائرة لا هدف منها إلا الهيمنة وقتل احد قوات الردع الوحيدة لإسرائيل وأمريكا في منطقة الشام، هو ذاته الّذي ترأس عهدة الطبقة الفاسدة، فخلع بزّته الرسمية، ونزل ليتفقد بيروت، بيروت التي تعج بالقتلى والجرحى والمفقودين تحت الرّكام، بدلًا من الحياة الّتي قتلتها الطائفية وشلّت أنفاسها عصا الرّجل الأبيض الّتي تخترق لبنان بواسطة هؤلاء، الذين لا بون بينهم وبين آل صهيون إلا بدرجة الذكاء، يكدسون هم في سراديبهم الباطنية غباءً، ولكن يبقى للصهيونيين قدرة على التمحيص والتدقيق والتيقن من وجود قوة تهديد كبيرة في الضاحية لا يفقه حجمها كل من يحمي وجودهم من صبيان البشير ولحد وحتى أكبر زعيم ومختار.
وبالعودة إلى "المهدي" المرشّح، بالإضافة طبعًا إلى جعجع الذي "رأف" بحال الناس وذهب يستعرض حزنه متشدقًا بالمساعدة التي سيمنحها لهم، متناسيًا وجوده في السلطة وعيشه على حسابهم أصلًا، لا يمكن التغاضي عن كون الحريري الذي قد يحمل المرحلة المقبلة على كتفٍ مثبّت هو وتيار المستقبل الّذي يرأسه ذهبا إلى ما هو أبعد حتّى بحلول اللحظات الأولى من الكارثة، خاصة بالتعقيبات السخيفة الخالية من المسؤولية في ظلّ الفاجعة، في حين لبس عباءته المشبوهة وصوّب تحليلاته نحو وصفٍ لم يتخطّ الدقائق بعد الكارثة، وصف الحادث على أنّه "أمني" لتفوح منه رائحة كريهة ويثير تساؤلات حول استغلال الحدث لمبتغاه السياسي غير المفهوم والمنطقي والذي يثبت أن مأسسة ما كانت حاضرة قبل شهور من الكارثة.
وسط هذه الشعبوية والسلطوية الحزبية الرخيصة، ذهب الحريري ليزور ضريح والده، بعد يوم من الانفجار، ولكن ليس بمقدور شخص تحركه أجندات سلفية، أن يقوم باستعراض صوريّ ما، دون ندبة يدفع ثمنها اللبنانيون أنفسهم، كأن الجريمة الّتي نسفت بيروت لا تكفي، لذا وفي حالة الغليان الطبيعية ضد الطبقة الحاكمة وفي ظرف محتدم كهذا، اعترض من نعول على وعيهم من ناشطين ومتطوعين يساعدون الناس في حملات إغاثة منظمة، موكبه الملكي، حيث عكرت صفو هذه الإنسانية في ساحة الشهداء سحابة تعفن وبُطل واعوجاج، ما أعاد الأنظار نحو تحميله والسلطات المتعاقبة وزر هذا الإهمال.
"ايها اللبنانيون، استعدوا لما هو أسوأ"
ولأن حاجة اللبناني الملحة للتعبير عن رأيه ماتت مع خفض عزيمة أي ثورة ومحاولة دس أيدي خبيثة فيها، وليس أي رأي عبثي، بل هو رأي عميق مليء بالتراكمية من سياسات التخلف، النهب، الافقار والجوع والفساد والانهيار، فقد قام بلطجية الحريري وزعرانه بالاعتداء –وبدفعتين- على فرق الإغاثة المدنية بينهم رفاق في الحزب الشيوعي نظموا حملات كبيرة لمساعدة النّاس في محيط الحادثة لتوفير الأدوية وتنظيف البيوت ورفع ما تبقى منها، وتوزيع مساعدات غذائية، ما أدى لسقوط عدد من الجرحى ضمنهم. قامت العناصر المسلحّة التي تحمي "سيادته" بينما يغفل عن حماية الشعب، بالاعتداء على المتطوعين والمتطوعات ردًا على الاعتراض الشرعي لوجوده في المكان، وقد ظهر ذلك في مقاطع فيديو تظهر اعتداءً وحشيًا، بالضرب والتنكيل والسحل لفرق الإغاثة، ما أجج التوتر ليصعد الناشطون احتجاجهم لحين مغادرة الموكب من المكان. وقد تطور الأمر في دفعة ثانية، فلم يلبث أن غاب الحريري في سراب حملته، وصل أنصاره، الذين ما زالوا يتشدقون باسمه "كله الا الشيخ سعد" في هذه الحالة العصيبة التي تعصف ببلدهم وسط الجثث والدمار، واخترق هؤلاء الثلة نقطة تجمّع غرفة الإغاثة متسلّحين بعصي، وحطّموا خيامها وكل صناديق المساعدات الموجودة فيها، عبثًا إلا أن ينافس هؤلاء الصهاينة بلؤمهم وخبثهم وعدوانهم.
هذا ما يؤكد أن السلطة وتابعيها بوجه الحريري وغيره من الممثلين الذي تدافعوا نحو شاشات التلفزيون ليغتنموا فرصةً جديدة لركوب الموجة، قتلوا بيروت في المرفأ مرّة، واعتدوا على الناس وسخّفوا من وعي الفقراء ووجعهم، هم الذين نفضوا هذه الكارثة عن أكتافهم وذهبوا بعيدًا، إلى ما بعد الكارثة والازهاق الطائفي والاقتصادي من أجل الإعلان عن قبضة إنسانية ووطنية واحدة، ضمن سلسلة تراكمية من العبث السلطوي في الحلبة اللبنانية، يضاف إلى أعداء داخل لبنان وخارجه، ولئن العدو الخارجي معروف، فإنّ الداخلي هو كلّ قوّة سياسيّة مسمومة، تتبعها شخصيات اعتبارية منادية باستعمار دولة لم تعط أي اعتبار أو سيادة بلا المقاومة. وهذا ما يعيدني الى إبراهيم الذي حذر الشعب اللبناني المسحوق من المرحلة المقبلة والتي بدت صعقتها منذ زمن طويل، بالقول "ايها اللبنانيون، استعدوا لما هو اسوأ. واستعدوا لمنازلات لا نعرف حدودها ولا مساحتها ولا طبيعتها، واستعدوا لتحمل مسؤولية ما تقولون وما تفعلون وما تقرّرون من خطوات لاحقة... ولا شيء أمامكم أكثر وضوحا من فوضى الانهيار الكبير".
ولا شكّ اننا اذا نظرنا للحلّ الأمثل في لبنان، على اعتبار أن هذا ليس تدخلًا مقيتًا على أفاعيه، رغم أني لم أحاول في هذا المقال تفكيك الواقع المركّب ولكنه يتلخّص بشكل جليّ في نظرة الحزب الشيوعي اللبناني وهي " التمسك بدولة وطنية ديمقراطية كبوصلة لمجمل توجّهاته في المرحلة الراهنة"، اذا يؤكد ويلمح ويدين محاولات البعض استغلال الغضب الشعبي ورفع الشعارات البعيدة كل البعد عن سلوكيات المنتفضين واهدافهم وهم المتمسكين دومًا بمسارها وقيمها منذ انطلاقتها في 17 أكتوبر"، اذًا لا بد من تصفية المحاصصات الطائفية، قبر الأوليغاريشية في أرضها، بالإضافة والأهم إلى عدم السماح لدق أسافين تناقش وتفاوض على الوجود الحتمي لسلاح المقاومة، الذي لا يمكن ان يتصور لبنان بدونه دولة ذات سيادة، وقيام جهة نزيهة تعود لمحاسبة كل الوجوه الفاسدة، وقطع الطريق أمام المد الامبريالي والتعويل على جهات أكثر رأفة حتّى ولو بالتوجه شرقًا على سبيل المثال. وبهذا قد تعود بيروت كما رسمها درويش في أشعاره، التعويل في هزيمة محور الشر على وعي الشعب نفسه، رغم أن ملامح السياسيين ستبقى حاضرة حتّى لو حوسبوا أو ماتوا، هم الذين عروا وجوعوا وعاثوا فسادًا، لكنهم استوطنوا وتركوا من سماتهم ما يحمله شعب مأزوم يدافع عنهم وقت الشدة، فيُرفع على أسقفٍ إعلامية مثبتة بالدولار.



.png)

.png)






.png)
