ما يميّزنا نحن العرب عن شعوب الأرض كلها أن كل خيباتنا ومشاكلنا نلقيها على كاهل السماء.
لم يتخط الفكر العربي بعد لا القدرية ولا الجبرية، وما زال غير مسؤول عن نتاج أفعاله بما فيها من خير وشر وألم وفرح وترح. وفي الغالب ينتصر الشر وأحيانًا يدمر حياتنا وبيئتنا وأرضنا ويقضي على سليم فكرنا، وحتى على قدرة تحمّلنا نتائج أخطائنا على صعيد الفرد، والبلد العربي والعالم العربي الذي بات يئن من رياح هوجاء هدامة تأتيه من كل فج عميق.
ما أن تنتهي مأساة حتى تبدأ أخرى ولا حيلة لهذه الأمة إلّا إلقاء اللّوم على قدرية وجودنا، كل ما يصيبنا هو قدرنا ولا طاقة بنا نحن البشر أن نغيره أو حتى نعدّله. بعضنا يقول إن الله سبحانه وتعالى، قد تركنا لمصيرنا من قلة عبادتنا وإيماننا مع أننا في الواقع أكثر أمة مؤمنة عرفها تاريخ البشرية كله. ليس هذا بسبب الإسلام السياسي فقط فهناك أمم مسلمة ناجحة ومتطورة مثل سنغافورة وماليزيا، ولكن ربما السبب هو تخلف عقليتنا العربية الطائفية القبلية والحمائلية التي ورثناها عن أسلافنا. ما زال هذا الموروث الثقيل معششًا فينا، وفيما ورثناه من أجدادنا ما يقتل ابداع العقل العربي. يظهر الأمر في فكرنا الاتكالي وخلافاتنا، وحتى حروبنا وغزواتنا العربية – العربية المستمرة منذ الجاهلية حتى اليوم، ومن ثم ضعفنا وفشلنا في حماية تخومنا التي يقتحمها ويدمرها من يشاء ومتى ما يشاء الاعداء ومن الجهات الأربع.
ما جرى في بيروت قلب العرب المعذب انفجار رهيب فعلًا، يعادل قوة قنبلة نووية تكتيكية متوسطة بقوة لا تقل عن 5 كيلو طن على ذمّة خبراء العسكرة والأسلحة. مكان الانفجار وقطره حوالي 10كم، وصوته سمع في قبرص واليونان وهذا فعلًا حدث رهيب ومخيف ولم تعرف البشرية ما يشابهه الا القنابل النووية التجريبية التي فجرها الأمريكيون بدون سبب عسكري بعد ان استسلم اليابان بعد نهاية الحرب الكونية الثانية على هيروشيما وناغازاكي.
في بيروت البشر احترقوا وتطايروا في الهواء وسويت بالأرض كل المباني والمنشآت في الميناء وفي الأحياء المجاورة. هذا الحدث الرهيب الذي أصابنا في لبنان الذي عرف على جلده كل ويلاتنا هو نتاج للفكر القدري والطائفي ونتاج مباشر لسياسة المحاصصة الطائفية التي تحكم وتسرق لبنان. ومنذ أن أسسه الغرب عام 1920 وشتته وكونه حسب رغبته سببًا لعودته يومًا ما ولوصايته الدائمة للهيمنة وسرق ثروات العرب وتفتيت عالمهم كما حصل في كشمير بين الهنود والباكستانيين، وكما هو حاصل في قبرص، وكما كان في ايرلندا الشمالية والجنوبية وكما كوريا الجنوبية وأمثله عديدة أخرى مشابهة.
المحاصصة الطائفية تعني الدين السياسي أي دين بأشكاله وأنواعه المختلفة الذي بمساهمة الغرب والخونة من العرب في الخليج يقتل العرب ويدمر بلادهم.
الاسلام السياسي بشقيه الإخواني والتكفيري الوهابي ساهم، ويساهم في حرق سوريا واليمن وليبيا الآن. ولا أشك أنه ساهم في حرق بيروت الكرامة العربية المقاومة.
الاسلام السياسي ونحن نقصد بهذا الكلام استغلال الدين لمآرب دنيوية منحطة ومجرمة ولا نقصد الإيمان المطلق بالله وبالدين الحنيف. نعم الاسلام السياسي هو طابور خامس وعميل للغرب والهدف هو تدمير كل تبلور عربي قومي شريف في كل بلاد العرب حتى يتقاسم الإخوان المسلمون والتكفيريون في جزيرة العرب ومشغلوهم حكم واحتلال وتفكيك كل البلدان العربية.
الخروج من مأزق العرب منذ قرون عديدة هو ثورة مفاهيم شاملة تفصل الدين عن الدولة نهائيًا كما الثورة الفرنسية وثورة اكتوبر الاشتراكية، وتبطل المنطق الإغريقي القديم بأن هناك مسلمات وهيئات أسطورية لاهوتية مهيمنة على حياة الفرد والدولة.
يجب قلب ظهر المجن للفكر الديني الغيبي الآن وليس غدًا والنظر بوعي ومعرفة ومسؤولية إلى وضعنا المتردي في كل الصور والمجالات وفي كل الدول العربية وأن نعي السبب لانحطاط فكرنا ووجودنا، هي السلفية التلقائية وغباء الدين السياسي وعمالته للغرب منذ أن خرجنا من الأندلس بعد ان هدم تألقه وازدهاره هناك الدين السياسي، والذي فتته وجعله ممالك او طوائف ضعيفة هربت حتى من وجودها إلى صحراء العرب أمام الزحف الاسباني.
يجب كسر كل التابوهات اللاهوتية كما فعلت معظم شعوب الارض لنعيش العصر الذي نعيشه الآن مع كل حسناته ومساوئه كما كل الأمم القادرة في عالم اليوم.
المحاصصة الطائفية في لبنان منذ 100عام لم تجلب لهذا البلد الجميل الا الحروب والويلات. الطائفية خطر قاتل وعميل في معظمه وضد المنطق وضد العدالة الاجتماعية وضد الديمقراطية الحقيقية.
بيروت كانت وستبقى إلى الابد في قلب ووجدان كل العرب الشرفاء ورمزًا للتغيير والمقاومة والعصرنة، وهي قادرة بهمة ابنائها ومساعدة العرب الشرفاء الخروج من الرماد كما خرجت مرات عديدة في السابق غير البعيد.
ثورة الشعب هناك تكون حقيقية عندما تكون ضد المحاصصة الطائفية التي سرقت ودمرت البلد ومع تغيير النظام السياسي هناك عن طر يق انتخابات ديمقراطية نسبية حقيقية.
المحاصصة الطائفية في لبنان كونت طبقة حاكمة فاسدة توارثت الفساد أبا عن جد وأوجدت عائلات اقطاعية فاسدة تسيطر على كل مقومات الدولة الوطنية.
القضاء على الطائفية هو الطريق لمنع الفساد التي لم تأت الا بالمصائب لذاك البلد الجميل الذي كان وسيبقى قطعة من الجنة.
(شفاعمرو)



.png)

.png)






.png)
