بين تشرينَين | هشام نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

جرت مياه كثيرة في قطعة النهر الممتدة من مطلع تشرين الأول 2000 حتى مطلع تشرين الأول 2022، غدًا. تغيّر الكثير لكننا في مجرى النهر إيّاه. تبدّلت مياهه لكن لم تتغيّر "جودتها". حينذاك، اندلعت الانتفاضة الثانية بعد أن رفضت حكومة إسرائيل احترام الحقوق الشرعية الأساسية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني. أراد رئيس الحكومة في حينه الجنرال إيهود براك، مدعومًا من الرئيس الأمريكي في حينه بيل كلينتون، فرض اتفاق منقوص مفرَغ من روح الحقوق الوطنية والمساواة الإنسانية على الرئيس ياسر عرفات، لكن الأخير صمد فاندفعت الألة الحربية الإسرائيلية قتلاً وتدميرًا.
مثلما تحدّث رئيس الحكومة يئير لبيد قبل أسبوعين، يومها أيضًا تحدث رئيس الحكومة براك عن دولتين للشعبين. كان وظلّ السؤال طبعًا عن مضمون المقولة، وليس صوريّة إطلاقها. فما يقصده الفلسطيني بها يختلف حتى التناقض عما يعنيه الإسرائيلي. إذا كانت المقولة تعبيرًا عن استقلال دولة سيادية ضمن تسوية تاريخية غير سهلة في أدنى شروط العدالة بالنسبة للفلسطيني، والتي قد تتنازل عن الكثير (تكتفي بـ20% من فلسطين التاريخية، أيوجد اكثر من هذا؟)، لكن لن تتنازل عن حقوق كل الفلسطينيين في السيادة والحريّة والعودة والتكافؤ "تحت الشمس"، فإن الـ "دولتين لشعبين" بنظر الإسرائيليين الرسميين ليست أكثر من إعادة انتشار للقوة العسكرية وتحديث إحداثيات السيطرة وتكريس الهيمنة وتأبيد التفوّق.
يجدر القول استدراكًا إن هذه المقولة حين صدرت عن لبيد في الأمم المتحدة، بدت كاستثناء إيجابي في المناخ الإسرائيلي الفاشي السائد. لكن هذا لا يقول خيرًا عن لبيد بقدر ما يقول سوءًا وشرًا وتبلدًا وغطرسة عن إسرائيل وما وصلته من غلوّ، عدوانيةً وغرورًا وأنانية قومجية، وتعنتًا - ويا للعجب والسّخط - على احتكار دور الضحية المدافعة عن نفسها. ربما حين يبحث النفاق لنفسه عن موئل أصيل سيجده دون عناء البحث الطويل في أروقة حكم إسرائيل.
ضمن هذا التعنت والغطرسة والصلافة تخصّص إسرائيل متّسعًا من مكان لجميع الفلسطينيين، دون تمييز. هذا يشمل الفلسطينيين في إسرائيل، حاملي بطاقات هوية تصدرها لهم، وأصحاب حقوق تصادرها منهم. فالعقيدة المؤسسة على الاستعلاء القومي والهيمنة على المكان وما فيه ومن فيه، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً، لا يمكنها إلا أن تشمل الفلسطينيين في إسرائيل. هذه ليست مسألة إرادة بل ضرورة منطقية لا حول للبشر أمامها. وكل من يوهم نفسه خلاف هذا فهو أحمق أو "مضحوك عليه" على الأقل. من يظنّ أنه قادر على تحقيق مساواة مدنية له بمعزل عن العدالة لشعبه، ومن دون أن تتغيّر سياسة إسرائيل في العمق، فهو كمن يزرع قمحًا على صخر أجرد أو يعلّق مصيره على مشاجب سراب صحراء. أكيدٌ أنه يمكن ويجب تفهّم الناس المنجرّين خلف هذا الكذب، لكن يجب لومهم وانتقادهم ونقاشهم، هكذا يكون احترامهم وليس مهادنتهم وخداعهم. أما سماسرة الكذب المنتفعون فيستحقون إدانة، بغير قليل من إبداء القرف العلني، ناهيك عن الرفض المساجِل المثابر لنهجهم.
حين أطلقت إسرائيل آلتها الحربية قبل شهرٍ وقليل على قطاع غزة، كانت مدفوعة بالغطرسة وجشع الهيمنة والاستعلاء نفسه. فهي هنا تفسّر انفلاتها التخريبي بتفصيلٍ يسمى حماية بلدات محيط غزة الإسرائيلية، وهناك تدعوه صَد هجمات مخططة. لكن في العمق، ولا يحتاج الأمر ذكاءً بل يتطلّب استقامة وشجاعة لرؤيته، هذا استمرار منهجي ومرئي لكل السياسة الإسرائيلية التي لم تتوقف، ليس منذ مطلع تشرين الأول عام 2000، لا بل قبل ذلك وحتى منذ أول أيام هذه الدولة. بدون هذه الفرضيات في تناول السياسة وخوضها ومقارعتها، سيضيع المرء في بيدائها أو يغرق في لججها.
حالنا معقّد، نعم. الفلسطيني في جنين والجليل وغزة يجب أن يعيش في أفضل ما يمكن من ظروف وبكرامة موفورة، حتى قبل أن يتلاشى كسوف الاحتلال الإسرائيلي المظلم والظالم والظلامي. لا يمكن الطلب من أحد ان ينتظر أيّ فجرٍ بعيدٍ ليمارس حياته اليومية هو وأولاده/ا بأفضل ما يمكن قدر المستطاع. ينطبق هذا على الفلسطيني القادم من جباليا وطولكرم ليعمل مضطرًا في ورشة داخل إسرائيل، وينطبق، مع حفظ الفروق العميقة للظروف والمكانة والإمكانية، على الفلسطيني حامل هوية إسرائيل. للجميع كل الحق في العيش الكريم، بتفاصيله. لكن ليس لأحد الحق في التواطؤ ولا في طأطأة الرأس مهما كانت السلعة المترتبة على هكذا ثمن.
من هنا، طبيعيٌ وواجب أساسي أن يناضل الفلسطيني مواطن دولة إسرائيل على حقوقه كافة. في العمل والتعليم والصحة والمسكن وجودة الحياة. لكن ليس من باب اعتبار ذلك منّة من السلطان، ولا جميلاً من الحكّام. لا، هذه حقوق مشتقة من المواطنة التي نتعامل معها بجديّة لها استحقاقات. وهي لا تؤخذ سوى بالنضال بكرامة. هذا التكامل في الرؤية والممارسة هو الفعل السياسي الأخلاقي والمجدي والكريم في آن معًا. ذاك الذي لا يشترط تحقيق سبُل عيش الفلسطيني بتشويهه وطنيًا وإنسانيًا ووجوديًا.
كإضافة هامشيّة يجدر القول إنه في إزاء هذه الحياة المركبة عديدة الطبقات، وبعيدًا عن السطحية والإسفاف وقلة المسؤولية وقلة الذوق والانتهازيّة الرثّة، فبالنسبة لفئةٍ واهمة تحتكر لنفسها صفة الوطنية وتستوطن وحدها حيّز الحركة الوطنية، فإن هذا سيظلّ متروكًا لزوايا الفكاهة. ربما الفكاهة السوداء، لكنها ليست أكثر من فكاهة. أو ربما تفاهة.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين