بُنوة مُشتهاة، أبوة مُتعذرة، أو أوديب شاعراً | هشام روحانا 

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

هل يمكن مقاربة مقالة الشاعر والأديب الكبير سليم بركات بعنوان "محمود درويش وأنا" (القدس العربي، 6-يوليو 2020) مقاربة نفس تحليلية بحيث يتم تناولها بوصفها نصا تنطبق عليه ديناميات الرسالة بالمعنى التحليل نفسيّ؟ حينها علينا أن نقبل ادعاء لاكان القائل بأن "المُرسِل هو دائما المُرسَل اليه" (السيمنار الثالث ص 24). بحيث نتكئ حينها على القاعدة القائلة بأن كل نصٍ يحمل دوما معانٍ إضافية غير تلك التي يقصد صاحبها تبليغها واعيا. وإذ يرسل صاحب النصِ نصَه، فإن التأويل في حِلٍ عندها من الحصول على تأكيد أو نفي، ذلك أن هدف التأويل ليس الحصول على مطابقة مع الواقع، بل احداث آثار على المستوى الرمزيّ (ينظر تحت تأويل في معجم تمهيدي للتحليل النفسي اللاكاني). وهو يعلن بإطلاقه النص موتَ المؤلف وبعثَ القارئ وريثا. عندها ومن باب الحيطة واليقظة المنهجية يجب أن نؤكد أننا نقرأ نصا مكتوبا غير مُسير كلاما حُرا عَفو تداعياتِ خاطرٍ ومنقادٍ على سرير التحليل. كما ونفترض أيضا أن كل رسالة ليست موجهة حصرا الى آخر مُفترض بل وأيضا الى الذاتّ ذاتها. هنالك دائما فائضٌ قائمٌ خارج القَصديّة الواعيّة المُتحصلةُ في المَباشر. ولهذا سيكون علينا في نهاية المطاف ان نرد للمرسل رسالته هو، ولكن بشكلها المعكوس (لاكان كتابات 41).

وادعي أن السؤال النفس التحليلي حاضرٌ حضورا مميزا في هذا النص -الرسالة وهو حضورُ السؤال النفس تحليليّ اللاكاني تحديدا!

وحين نبحث عن الدّال (Signifier) الذي يعود ويكرر حضوره في هذا النص فإننا نجده في النصف الثاني منه وهو دّال الأب. إن إصرار هذا الدّال على العودة بأشكال مختلفة هو إصرار الكلام الممتلئ على التقدم نحو انجاز الفعل التحليليّ.  لكن لحضور هذا الدّال حضورٌ سيدٌ، فهو هذا الدّال المؤسس الذي يمنح الذاتّ هويتها – انه يُسميها ويُموضعها داخل النظام الرمزي.  هذا الدّال السيد، والذي يشير له لاكان   ب (S1) هو الذي "يقدم الذاتّ"َ امام الآخر- الآخرين، وهو حين يفعل هذا مشيرا اليها محددا إياها فإنه "يحجب انقسامها وتشظيها "(سيمنار 17 ص 118). لهذا فإنه يؤسس حضورها دالا في سلسلة الدوال. أن وجودها هنا هو وجود رمزي يتحدد باللغة. وإنّ وظيفة حجب انقسام الذات وتشظيها تتخذ هنا ثقلا مضاعفا، فكل ذاتٍّ منشطرة بحكم وجودها المتحقق مرتفعا من اللغة وبها، فما بالك أذا ما كانت هذه اللغة لغة أم بالتبني.  

ومنذ البداية تصاغ هذه العلاقة بين الاثنين، محمود وسليم، بمفاهيم الصراع، أسود وأبيض، يمثلان بالتداعي "هدنة" في العداوة الدائمة أو "صلحا" في العداوة العارضة. فهل الشاعر للشاعر ذئبٌ؟ على صيغة القول اللاتيني عن الأطباء. وكانا يستطيعان، أي الأسود والأبيض، ان يتكاملا فيشكلا معا صورة سلم دائم.

تعرض لنا هذه العلاقة عند لقاء الاثنين على شكل يكون فيه سليم هو من يتم تقديمه الى آخر- آخرين، أدونيس يقدمه الى محمود درويش ومحمود يقدمه ويعترف به الى حد "أدْمَعَ عينيَّه اعترافاً منه بوجوده". ومحمود هو الذي "سيوسع لسليم الإقامة في الشعر". هي الوظيفة الأبوية إذا، يشير فيها الأب الى ابنه؛ "هذا هو ابني الذي به سررت"، وهو الذي "كان معي، ابدا". يشير لاكان مؤكدا على الدور الذي يلعبه الاب في النفسية البشرية المتحركة دوما بين الخيالي والواقعي والرمزي. وإن الحاجة الملحاحة لدى سليم بركات لصياغة علاقته بمحمود درويش ب \ ومن خلال مفاهيم علاقة الاب بابنه، تشير الى ثقب أولي في الهوية، وهو المتبنى للغة ليست هي لغة أمه الأولى. فهل الابن لأبيه أُديبا؟  

يعرض سليم نفسه لمحمود طالبا أن يتم الاعتراف به ابنا، مجتهدا الى الحد الذي ظن فيه "أحيانا، انه ابنه" حقا. ويقدم عرضه مرة أخرى بأدوات الأسطورة في لقاء أخير على حدود الشمال الأخيرة حيث ينتهي العالم، على مائدة وكأنها مائدة العشاء الأخير وفي حركة التفافية تكاد تكون موازية للفعل الإبراهيمي: قُم وأعلن عن أبني حفيدا! (كان أجدى لو قال: “ها التقيتُ حفيدي”.). يُرفع محمود درويش هنا الى مرتبة الآخر الكبير. والآخر الكبير ما هو الا الرمزي، لدى لاكان، متجسدا على صورة فرد ما مقابل ذات ما، هو هذه الغير، الغير قابل للتمثل والقائم وسيطا بين الذات والذوات الأخرى. لكن لا وجود واقعي للآخر الكبير. 

يبقى محمود درويش ممتنعا حائرا؛ هل سليم صديقٌ أم أبنٌ؟ 

يموت محمود دويش آخذا معه موضوعه الثمين (Agalma). أن موت محمود درويش هنا هو موت حقيقي واقعي لكن الموضوع الثمين هو هذه القيمة غير المرئية المفترضة التي وكأن محمود درويش كان يستطيع منحها لسليم حيّا. لكن هذه القيمة، هذا الموضوع الثمين، ما هو الا بناء وَهم تُسقطه الذاتُّ الراغبة على آخر كبير بحيث تتمثله كلّي المعرفة وكليّ القدرة، آخر لا وجود واقعي له.

إن هذه الرغبة بهذا الموضوع الثمين ما هي الا درء الذاتّ لموتها الرمزي من خلال سعيها دخول سلسلة دوال الأب الرمزي الذي هو أب يجد موته على يد أبناءه دائما (أب القبيلة المقتول بيد أبناءه في الطوطم والطابو، فرويد).  

لن تجد هذه الإشكالية حلا لها الا بنزع مقدرة محمود درويش على أن يكون أبا :(" لا شيء فيَّ يشدُّني إلى أبوَّةٍ"). إن هذه الميتة الواقعية تستلزم ميتة على مستوى الرمز. ولهذا تعود الرسالة الى الظهور بعد ثماني سنوات عودة المكبوت الذي لا يقهر. وإذ يفقد محمود درويش هنا موقعه الرمزي بفقدانه القدرة على الابوة فإن اللغة تفقد قدرتها على التعبير عن "اللوعة والحنين اللذين يعبر عنهما الآن بالرياضيات والهندسة". فليس للكردي سوى الريح.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين