تداخُل بورتريهات النّص اللّوني في رواية هوت ماروك للأديب المغربي ياسين عدنان ؛ البورتريه المُجزّأ نموذجا (2-3)| رجاء بكريّة          

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

  1. البورتريه، ولغة الجسد

 

 

 أمّا لماذا أورِد هذه النّبذة المُختصرة عن قوّة البورتريه في الثّقافة الفكريّة تحديدا والفنيّة لاحقا فلأنّها انطبعت مباشرة في الأدب الجميل حين أصبح الفرد مركزا ومحورا فيهِ، ولِبَطَل لا يختلف كبار الكتّاب على أهميّة حضورِهِ، بل تعدَّتْها لِصورة حضورهِ وفنيّة تقديمهِ لقارئ نهم. تَطَوُّر البديل الفنّي لظهور البورتريه البطل في رسومات فنّاني المرحلة انتقل بالعدوى لشعوب العالم وفنّانيهم و(لستايلِهم) (their style) ، في تحوير الشّخصيّة الأدبيّة البطلَة، كلُغة جسديّة مُؤثِّرَة، في روايات المراحل المختلفة. وإذا كان (رحّال العوينة) قد أفاد من تجربة رسم (موديل، طِراز) البطل المُطلق في رواية (هوت ماروك) فهو قد أفاد، دون شكّ، من منافسات التّجريب الرّائج في الرّسم التّعبيري (expressionism)والانطباعي Impressionist)) المُدهِش وفنّ الكاريكاتور، (caricature) (المُطَعَّم بالتعبيريّة المُشبَعة، والانطباعية التّأثيريّة) تحديدا كما حوّرَهُ ياسين عدنان تعبيرا كَلاميّا في روايتهِ. وفيها لخّصَ (العوينة) بواقعيّة قُصوى، قمّة السّخرية، قمّة الدّونيّة، قمّة الاستلاب والسّيطرة، وقمّة البطولة في ذات الوقت، بطولة لم يَجِد حرجا في تفتيتِها على من حولهُ كلّما تورّط في مصيبة. وإذا كان عدنان نفسه لم يُلقِ بالًا لمحوريّة المُجابَهة الّتي فتحها بطَلُهُ، وترجمها جسديّا إذ أشرَعَها على الفنّ التّشكيلي الكاريكاتوري تحديدا فإنّ ناشريَه الفرنسي والأمريكي قد فتّحا عيونا مِجهريّة على الظّاهرة، وحوّرا المضمون الكُلّي لأبعاد [1]"بطل الرّواية المُتشظّي على أغلفة العملين المترجمين، إلى الفرنسيّة أوّلا والإنجليزيّة ثانيا".

2.5 بين البورتريه المَشهَدي والفنّي

ليست الصّدفة وحدها ما يسوقني لاستظهار مصادر نشأة البورتريه، ولكن كثافة تمَكُّن أبعادهِ في رواية عَدنان في السّياق المضموني والشّكلاني على حدّ سواء، ابتداء بظهور "العوينَة" في حيّ الاسبست العشوائي الفقير في عين إيطي إلى أن استقر في شقة محترمة بحي المسيرة بتوازٍ مع إقامته الإلكترونية، الّتي أسّسَ لها على شبكة الانترنت وباتَ يُمارس منها غَزوَهُ اللّامحدود للعوالم الافتراضية شرقا وغربا. ولعلّ بورتريه التّرجمة الفرنسيّة، (الصّادرة سنة 2020 عن دار أكت سود، سلسلة السّندِباد) أفاد تحديدا من الصّورة الأخيرة الّتي وصل إليها رحّال بتفاصيلهِ الموحية بالاستقرار والرّاحة حتّى أنّ مُصمّم لوحة الغلاف، (رسّام البوب آرت الجزائري هشام كاوة الشّهير بلقب "الموستاش" El Moustach يحرص على إخراجهِ بوقفة [2](كونترو بوستو) ونعني، [3]"إلقاء كامل الجسد من منطقة الخصر حتّى القدمين على السّاق اليمنى وتحرير السّاق الأخرى، مع استلقاءة حُرّة مُرتاحة لكامِل الجسد إلى الخلف."

 فالواضح أنّ القائمين على إخراج العمل فنيّا، رسّام الغلاف الجزائري الموستاش ومعه مُصمِّمتُه الفرنسية جوليانا بارولت Juliana Barrault قد تتبّعا خطّ الدراما الّذي مشَتْهُ الشّخصيّة، (نصيّا) حتّى وصولها للوضعيّة الأخيرة، (فنيّا) الواضحة بتفاصيلها الدّقيقة وألوانها الإكزوتيّة، وهي الصّورة النّموذجيّة لبطل هوت ماروكي بامتياز. ليس بكثير من الذّكاء، ولكن بقليل من دقّة الملاحظة. واللّوحة، لوحة الغلاف، هي تأطير فنيّ جذّاب للمَشاهِد المُجزّأة في الفصول، والفصولُ مُجتَمِعةً، خَرجتْ برافدٍ فرديٍّ مُشبَعٍ بالكلام، طبعة طبق الأصل عن (رحّال)، لكنَّ مُحَوِّريهِ فَنِيّا سَلّحوهُ بإطباقِ الفمِ استرسالا للتّداعيات، وهي حركة استفزازيّة يعتمدها الفنّ الكاريكاتوري عُموما في تثوير المُشاهِد أو القارئ. بهذه الطّريقة استحال الحدَث المَشهَدي لِمُتخيَّل لوني يقع بين التّعبيري والواقعي بملامِحِهِ المُجرّدة كي يمنحَ القارئ فرصة لإسقاطاتٍ لا حصرَ لها تنضَوِي تحت مضامينَ طُوفانيّةٍ غرقَتْ بها كلّ الشّخوص بمن فيهم البطل نفسه. ورغمَ جُنوحِ لوحةِ غلاف الطّبعة الفرنسيّة للتيّار الواقعي التّعبيري (expressive realist) غير أنّ مذهبَهَا يخونُ في كثيرٍ منَ المواضعِ التيّار التّعبيري الصّافي (pure expression) لصالح الكاريكاتوري (caricature) عبر مسحات الفُرشاة باتّجاه الأزرق المُتَماوج، والخطوطِ اللّونيّةُ الدّاخليّة، والظّلال. تكثيفُ الظّلالِ بِلَمَساتٍ فنيّةٍ مُتفاوتةِ العُمق مَنَحت طابَعًا درامِيّا انفِعاليّا للّوحة، إلى جانبِ حِرصِ الفنّانِ على تشديدِ الكُونتور (الخطّ البارِز المؤطّر) لإبرازِ إجّاصية الوجه مثلا، أو مِرآة العينين، ثُمَّ الحرصِ على تشديد الأسْوَد الفاحم في اللّحيةِ وشَعرِ الرّأس. ونحن إذ نُذيّل ملاحظاتِنا بالاستدارات المُشدّدة الواضحة حول عينين مشوّشتي الرّؤية وسفحِ الوجهِ نُعلنُ خاصيّةَ جذبِ القارئ للرّواية، المُعتمِدة أساسا على الميزة الفِطريّة في المسحِ الفنّي النّاعِم، كأنّكَ تراه ولا تراهُ إمعانا في تحجيمهِ وتقزيمِ حضورهِ مهما انتفخَ جسديّا. [4]في حال رسم الوجوه والشخصيات الكاريكاتوريّة، نحتاج إلى عين قادرة على التقاط النقاط المختلفة أو المميزة للوجه والتأكيد عليها أو المبالغة في إظهارها" الإضافة النّوعيّة يسجّلها الطّربوش التّراثيّ الّذي يتمسّك بالرّأس بلونهِ الأحمر الفاقِع كمصدرِ إدهاشٍ وتأكيد على تمسّك البطل بالتّقاليد وانسحابِهِ الكامل لدائرَةِ انتمائهِ المُغلقة شأنَ قُبَّعَتِهِ تماما، وعلى خلفيّة خضراء تذكّرنا بمَغربيّتِهِ القَحيحة. فلوحةُ الغِلافِ كانت موفّقة حدّ تجاوُزِها لتقديراتِ مُصَمّمة الغلافِ نفسِها، عِلما بأنّها التقطت بذكاء إِسقاطات الصّفات الحميميّة المُميّزة لهويّة البطل، الطّربوش المغاربي الأحمر الّذي يعتمِرُهُ مقابِل عنوان الرّواية بذات الأحمر الحار الصّارخ على خلفيّة خضراء باردة واسِعة. وهكذا يتمارى الطّربوش بعَلَمِهِ ويُقابِلُهُ روحيّا وماديّا. حرارةُ الغِلاف بِأحمرِهِ الصّارِخ، نقيض التّفاصيل الباردة الّتي فسّرها الأخضر والأزرق طَبَق على طَبق في شخصِ البطَل. أقيسُ الأمرَ على نِسبةِ المَبيعات، والتّقاريرِ الكثيرةِ الّتي صدرَت بحقِّ الرّواية، ولنْ نَعزُو السّببَ للمضمونِ وحدَهُ، فالدّارُ راهنت على عملٍ نظيفٍ مُثيرٍ يستدرجُ الفُضولَ والتّداعياتِ، وللمعلومةِ نادرا ما نعثرُ على أغلفةِ كُتُبٍ لاقت الإقبالَ الّذي حظيَت بهِ (هوت ماروك).

2.6 الغلاف المُرتَبك

بعودة سريعة لغلافَي [5]الطّبعتين العربيّتين، (دار الفِنِك / الدّار البيضاء،016) و(دار العَين / القاهرة،016) سنستنتج دون جُهد كم يبدو الغلافان معًا مُجحفين بحقّ مضمون الرواية وفكرتها الفنية. والغريب اللّافت أنّ المُصمّم في الطّبعة الصّادرة عن (دار العَين) التقط المعنى الأوّل الّذي أوردهُ الكاتب في وصف البطل عبر شبهِهِ البالِغ غير المُفسَّر بالأرنب، أرنبٌ أبيضُ حقيقيٌّ مزيّنُ البطنِ بمَا يُشبِهُ ذيلاً، لا يمكنك أن تميّز لأيّ من الكائنين ينتمي، الأرنب أم السِّنجاب، ولمن يتحيّز أكثر بينهما. هذا الارتباك الّذي يوزّع القارئ في خياراتهِ أيضا لا يترك مساحة لمخيّلتهِ أن تقرّر انحيازها، هل يكون لشكل الذّيل غير الواضح أم لصورة الأرنب ناصعة البياض. وإذا كان الأرنب حقيقيّا في الرّواية لماذا يحتاج أن يَقرأ عنه، وهو يعرف الكثير عن عالم القوارض؟ لكنّ التّصادم الحقيقي يجري بين الغلاف العربيّ الآخر الصّادر عن دار الفِنِك مقابل غلاف (دار العَين). فهناك وضع المصمّم زجاجة مكبِّرة على وجه السّنجاب أو الأرنب الّذي نتحدّث عنه. وغالبا انحاز للوجه دون أن يهتمّ مثلا للذّيل الّذي يُحدّد هويّة الكاريكاتور الّذي يقصدُه، وسواء كان أرنبا أم سنجابا اعتُبِرا سيّان بمنظور المصمّم، لكنّ الإصرار على جنس القوارض ظلّ في عمق الفكرة الّتي تبنّاها مصمّم الغلاف والدّار الّتي يمثّلها. بالمقابل منحَ المُصمِّم الرّأس السّنجابيّة جسدا إنسانيّا يذكّرنا بشخصيّة الميناتور الأسطوري الّذي يعتمد على رأس إنسيّ وجسد تنّين. هذا الدّمج النّوعي، برغم السّذاجة الّتي اعتمدها في ترتيب جسد الرّواية فنيّا، إلّا أنّها منحت أفقا للقارىء كي يفهم معنى حضور الكائن القارض في رواية من هذا النّوع، ما لم تتنبّه لهُ (دار العين) بتاتا. وما سأخلُصُ إليه أنّ السّذاجة الّتي اعتُمِدَت في صناعة الغلافين العربيين ليست بريئة من غياب المِهنيّة. بأسفٍ أورد ملاحظتي، [6]"بسبب انشغال المِّصَمّمين بالمعنى الشّكلاني لأبعاد البطل. كأنّ الفكرة المضمونيّة التّخييليّة هامشيّة في عُرف التّحوير الفنّي ما لم تستسغهُ ذائقتي ولا قلمي". وسأشدّد هنا على انشغال الفنّ التّشكيلي بأبواب كثيرة في التّفنين المضموني ليس آخرها فكرة التّحوير الفنّي، باب مستقل في مُحاورة النّص للفُرشاة، الجرافيت والألوان بتقنيّاتها المختلفة. يُضافُ لها الألوان المائيّة، الحبر الصّيني وسواها، لكنّ الواضح أنّ التّركيز على الحبر في التّحوير النصّي هدفهُ ترجمة مفردات الوصف الكلاميّة إلى خطوط دقيقة أو مبعثرة شرط أن تستجيب أيضا في تَبَعْثُرِها لِفكرةِ التّفنينِ التّخييلي. صِفةٌ نكادُ نفتقدها في ثقافةِ الأغلفةِ لدى دورِ النّشرِ العربيّة عُمومًا، إلّا فيما نَدَر. وخِلافاً لِما يَجري في دورِ النّشرِ العربية، فالغلافُ الّذي يُقدِّمونَهُ لكَ في الدور الأجنبية غالباً ما يقتَنِعون بنزاهةِ فِكرتِهِ وعُمقِ عَلاقتِهِا بالمَضمونِ واشتغالِها على مِساحةِ الشّغَفِ التّلقائي لدى جُمهورِ القُرّاء لِثَقافَةِ البلد، وأَعْنِي أنَّ الفِكرَ التّسويقيّ يَشتغِلُ بِقوّةٍ في الخَياراتِ الفنيّةِ للغلافِ. وإذ نصِلُ لِمَرحلةِ الاستنتاج، فإنّنا نُسقِط أغلفةِ الدّارين من اعتباراتِ التَّحويرِ المِهنيّ لِغلافِ الرّواية، رواية تَنشغل أساسا ببطلٍ وُجوهُهُ غيرُ ثابتة، لكنَّها جميعاً لامعةٌ ومتداخلةٌ، تنكمِشُ بِقدرِ ما تنفَتِحُ، وتستتِرُ بقَدرِ ما تُعلِنُ. دَورُ المُصمّمِ أن يشتغلَ على مساحاتهِ التّخييليّة بقدر ما يفعلُ للمَشاهِد المضمونيّة الّتي تعتني بأثر الشّخصيّة المركزيّة على جهات الرّواية كاملة، وهو ما لم ينشغل بهِ أيٌّ من تصميمي الغِلاف العربيين، (دار العَين، والفِنِك) مع محاولتهما الجادّة الإلتفاف على فكرة نوعيّة لم تُفضِ إلى إنجاز يمكن التّوقف عند خصوصيّته المهنيّة. ولعلّنا لا نبالغ هنا حين نستعرض النّماذِج المُهينة لمنطق الإخراج اللّوني لدى معظم دور النّشر العربيّة الّتي تجد في النّمط التّجريدي منجى لها من المساءلة حول إسهاماتها في دعم الحضور اللّوني النّوعي لمؤلّفاتها. لن نُشيدَ بالأسماء اللّامعة الّتي تعتمدها، ونشكّها بدبّوس الرّواج المُفترض، لأنّها تأشيرة سفَرِها المفتوح إلى القارئ. هكذا، وبالعودة إلى الخلل الفكريّ الّذي نقاومه نحن ونثور على نمطيّتهِ وخلَلِه سنكتشف دون جهد أنّ واقع التمهّن اللّوني في إصدار الكُتُب غائب تقريبا عن دور النّشر العربيّة إلّا فيما ندَر، لاعتبارات لن نخوض في مرجعيّاتها بسبب غياب مصداقيّتها مهما تَكُن. وإذ نستذكر غلاف الرّواية في ترجمتها الحديثة إلى الإنجليزيّة يجب أن نتذكّر ثقافة البلد وطابعها الفِكري التّفكيكي في التّعامل مع مُسمّيات الثّقافة، ومرجعيّات الأدب في طابِعِهِما العام، وبالتّالي تصميم أغلفة هذه المَظاهرِ وعلى رأسِها أغلفةُ الكتب. فهل سنتوقّعُ اتّجاهاً تَعبيريّا أم شيئا لم يخطرْ في بالِ الفِكرةِ التّخييليّةِ مُطلقا؟

2.7 بين الفكرة الرّوبوتيّة والمساحة التّفكيكيّة

قفزة سريعة من الغلاف العربي (المغربي، دار الفِنك) مرورا (بالمِصري، دار العَين) إلى الفرنسي (آكت سود /باريس، فرنسا) إلى الأمريكي الصّادر عن (منشورات جامعة سايرا كوز /نيويورك، الولايات المتّحدة) ستمنح وضوحا لمستوى التّحليل الذّهني لدى القائمين على إخراج العمل، كلّ وفق ثقافتهِ، وهواجس جمهوره. فالواقعيّة القاسيّة الّتي طَبَّعت الغلافَ الكاريكاتوريّ دونَ إقحامِ البُعد الذّهني في الطّبعة العربيّة، لدى (دار العَين والفِنِك) على حدّ سواء لم تمنح فائض مخيّلة لقارئها كي يعبثَ بتصوّراتِهِ السّاخرة على الأقل، في حين ركّز الهجس التّخييلي imaginary obsession)) على الدّمج التّقني التّعبيري expressive technical) integration) أسلوبا وشكلا في الطّبعة الفرنسيّة، بل نكاد نقول إنّ الفيض التّعبيري بالذّات قنَص القُرّاء بمصيدة إكزوتيّتهِ. أما الفَيْضانِ المُتعاكسان بين الفرنْسي والعربي، (الفِنِك) حصرا، لالتِغاء شروط المعايير الفنيّة في تصميم (دار العَين، القاهرة) فقد أحرَجَهُما الغلافُ الأمريكي القاسي في نَصِّهِ اللّونيّ الصّلب. فهو يجنحُ للفكرةِ الرّوبوتيّة، The Robotic Idea)) في التّعامل مع عالم الرّواية وبطلها "النبّاش" (رحّال العوينة). [7]"وعلينا أن نلتفت لحقيقة هامّة أنَّ المصمم الذكي هو الذي يأتي بشيء مغاير احترافي وجذاب حتى يثير خيال القارئ ويحرص ألا يكون التصميم ترجمة حرفية لما يدور في داخل النص". وخلافا للتيّار الكاريكاتوري في خاصيّتهِ التّعبيريّة الّذي تبنّتهُ الرّؤيةِ الفرنسِيَّة يجنحُ المنطقُ الأمريكيّ في تحوير الغِلاف للمُصمِّمة الأمريكية Lynn Wilcox، (لين ويلكوكس) نحوَ تفكيكِ عالم العوينة الدّاخلي تفكيكا ذهنيّا وإعادة تركيبهِ كقطع بازل. وفي التّفكيكِ والتّركيبِ معا منطقٌ تراكميّ لهواجِسِهِ مع القارئ، الّذي سيتساءل مرارًا عن حجم الجسد وتفاوت أحجام أجزائهِ. وللتّذكير فقط، لوحة الغلاف للفنّانة O.DARKA، منها اجتُزِئ مقطع عثَرَت فيهِ المصمّمة Lynn Wilcox  على تطابق نوعيّ مع شخصيّة (رحّال). وربّما من المناسب أن نشيرَ هُنا لظاهرة يليقُ أن نحتفي بحضورها، فاللّوحة الأَصليّة تتوفّر على شُخوصٍ ثلاثة ضمنهم شخصيّة رحّال المُجتزأة، لكنّ فنيّة التّصميم الفوتوغرافي أملت فعلَ القصّ والتّطوير عبر لمساتِ المُصمّمة الّتي أكملت العمل، دون أن تشعر بحرج في تبديل بعض التّفاصيل الصّغيرة في ثوابت الرّسمة. ولعلّهُ من المُناسِب، هُنا، الإشارة لإصرار الفنّان بالعادة على حضورِ لوحَتِهِ كاملة على الأغلِفة، وأنّهُ يَجِدُ انتقاصا من قَدْرهِا وقَدْرِهِ حين يَجري إلغاء بعض تفاصيلها، لأنّها ببساطة تكُفّ عن انتمائها لبصماتهِ، وهو ما أسجّلهُ هنا برَيبة وتساؤلٍ معا، جريا على عادة إطلاق الشكِّ لاستِخلاصِ اليقين. ولعلّ المثير في خطّ التّطابق اشتغال المُصمِّمَة على المسطّحات اللّونيّة تحديدا، فلسنا إزاءَ اشتغال لونيّ متمهّن وحَسب، بل انشغال تكنيكيّ على التّجاذب بين المساحات اللّونيّة المُختلِفة، وتبادُلها التّأثيريّ، كمفاهيم التّضاد، The contrast)والتّكامُل اللّوني، Color integration))، مع تجنيد كاملِ خُطوط الوصف الخارِجي، (External description lines) الخاصّة بأَبعادِ الجَسَد. وهو ما يضيف تشديدا على حضور الشّخصيّة الكامل جسديّا، ولو تفاوتت تقاطيعُها.

شكلُ التّفاوتِ بين أعضاء الجسد، يُحقّقُ معادلةَ فَنِّ الكاريكاتير في بعضِ خصائصِهِ، )التّشويه، التّقزيم والتّضخيم(، (Distortion distillation and amplification) على وجه الخصوص، تشويهٌ يأتي من منطقِ النّص وحيثيّاته. والتّضاد هنا يحفر بقسوة في حدّة التّداخل بين أثرِ الفعلِ الشّخصي وبصمات الجسد، فالألوان مُجنّدة تماما لهذا الغرض. إذ تبدو الأقدام ممسوحة بينما الكفّان تنتهيان بأظافر حادّة وليس أصابع نعرف وظائفها. أمّا الميزة الجوهريّة في اللّوحة فهُما منطقتا الرّأس والعُنُق، فالعنق يستحيل لأسطوانة ضيّقة مضغوطة مقارنة بالجسد، والرّأس أشبه بليمونة معصورة لانحباس الهواء الّذي يصل إليهِ عبر العُنُق لِضيقِ إطارِهِ. ونضيف أنّ أفكار تلك الرّأس ضئيلة، تُفَسِّرُ مُخيِّلَتِها الواسعة المناكبَ العريضة، والصّدر الرّياضيّ، وهما نقيض الحقيقة الّتي تميّز قامة العوينة الضّئيلة مضمونيّا، بمعنى الحرص الشّديد على رشّ مسحوقِ السّخرية بسخاء على أبعاد الجسد. بالمقابِل يُبرِزُ المُصمِّمُ الشَّعر والنظّارة، بِحِدة. شَعرٌ أسودُ غزيرٌ ويغطّي فروتهُ كاملة، بل ويتدلّى الى مقدِّمَةِ الجبهةِ كأنّهُ دفيئة للأفكار المتزاحمة لديه يحميها من السّقوط، بينما يجري التّشديد على إطار النظّارات بلونها الأحمر لتأكيد انحسارِ الرّؤية، والبصيرة معا. عين واحدة بؤبؤها بارز، وتسبق الأخرى في التلصّص على حياة البشر، كنوعٍ من محاولة لترجمةِ الرّذالة فنيّا. وربّما بسبب المساحة الضيّقة الّتي يحتلّها الأحمر الكونتوري يبدو حضورُها عميقًا ويقنصُ انتباه القارئ كَمِغناطيس وسطَ بَحرٍ منَ الأزرقِ لِكاملِ الجسدِ المخروطِ بِفرشاةٍ مُبلّلةٍ بالأسْودِ تخصُّ ساقا واحدة ويدين منفصلتين عن باقي الجسد. أمّا الإسقاطات الضّمنيّة فتستعيرُ فِكرة السّاقِ الّتي تتسلّلُ إلى حياة النّاس واليدين بِأظافرها الحادّة كَي تحفر وتغوص في التّفاصيل، بينما الأحمر والأزرق يُنشِئان تضادّا شكليا contrast)) يعكس تناقضات الشّخصيّة الوجوديّة بأبعادها الكثيرة على خلفيّة خضراء باردة. هكذا سيقودنا الاستنتاج لفهم حقيقة كون الأخضر، لونٌ جامع للّونين، (الأحمر والأزرق) كَلَونين مُكمِّلَيْنِ للأخضر، وأنّ الخلفيّة تنشِئ مع اللّونين الحادّين، (الأزرق والأحمر) تضادّا وتكاملا في ذات الوقت لكن وسط غياب اللّون الثّالث المُكمّل وهو الأصفر مُمَثِّلا لِعُنصُرِ الشّمس بدِفئِها الرّوحيّ. والمؤكّد هنا أنّ غِيابَ الأصفر يُفسِّرُ النّقصَ الجوهري في المنظومة الرّوحيّة تحديدا لدى (رَحّال) بما أنّ الأخضر البارد يستولي على الخلفيّة كاملة، فالبطل عاطل عن الدّفء الشّعوري الّذي عوّضَهُ عبر تطوير حاسّتهُ الجاسوسيّة الحادّة. واللّافِت أنّ التصرّف الحُر بأبعاد اللّون يشدّنا مباشرة لمنطقة السّخونة عبر كلمة Hot الّتي تنغرز تاؤها مثل نصل سيف في كفّ العوينة السّوداء، وهي دلالة لونيّة مجازيّة ناقدة لليد الّتي أَثِمت في أفعال الاختلاس، والدّناءة في تحرير معلومات حول حياة النّاس السريّة، بل وإغراقها بالنّوايا الخبيثة عبر عوالمهِ الافتراضيّة الكثيرة وبثّها للمخابرات. [8]"فغالبا ما تعكس الألوان التي نختارها الكتب التي نحب قراءتها. وغالبا أيضا يريد المصممون التأكد من أن الكتاب مناسب للمؤلفين والقراء على حدٍّ سواء".

أسفل الغلاف يظهر اللّون اللّيلكي المأخوذ هو الآخر من جذور الألوان المُجنّدة في العمل، (الأزرق، الأحمر، مع غِياب الأبيض المُكمِّل) ومع ميلي لاعتبارهِ متساوقا مع scal (مقياس) الألوان المتجانسة جدّا، [9]"إلّا أنّي أنحاز لاعتبار الأصفر المتوهّج (من أصول الشّمس) أنسب لقوانين التّجاذب اللّوني في الغلاف، وأكثر تكامُلا مع الأخضر تحديدا. وكلّ الألوانِ معا تُنشئ هنا نِزاعَ قوى تُناقِضُ بعضها بعضاً، تتجانس معا بقدر ما تتناقض". تتصالح أيضا بقدر ما تتقاتل، وهي حتما شخصيّة البطل المكوكيّ في علاقاتهِ، المغناطيس الّذي ينجذبُ وينفُرُ بذاتِ الرّغبةِ والإحجام. بقي أن نؤكّد حرص المُصمّمة الأمريكية على الأحمر مقابل الأخضر كرغبة ضمنيّة بتثبيت الهويّة المغربيّة، مًتّبِعة بذلك خُطى شبيهتها المُصمِّمة الفَرنسيّة في فِكرتِها وانتقائيّتها. ومن نافل القول الإشارة لتأثير عنوان العمل، (ماروك) على إِشباعِ مُخَيِّلة المصمّمتين بالتّداعيات في تأكيدِهِما على حضور العلم المغربي ممَثّلا بلونيهِ الأخضر والأحمر. (يتبع)

 

يونيو|022

 


[1]    بطل رواية هوت ماروك، "رحّال العوينة"    

[2]  إشارة لتمثال "داود" المُنجز على يد مايكل أنجلو، (قاعة الأكاديميا، فلورنسة، 8 أيلول، 1504).

[3] MICHELANGELO, Painter,Sculptor and Architect. Angelo Tartuferi. P,18-21. A.T.S/F.P.e . Colour separation: Studio Lito 69. Florense. Printed by Papergraph 1993/ITALY

[4]  "في مآلات الكاريكاتير العربي"، (مقالة). بطرس المعرّي. 31 ديسمبر 020 . العربي الجديد.

[5]   (دار الفِنِك / الدّار البيضاء،016) و(دار العَين / القاهرة،016)

[6]  "جدل العلاقة بين القناع و المتن في تصميم أغلفة الكتب الأدبية"، (مقالة). عبد الحسين عبد الواحد عبد الرزاق. الأكاديمي. مجلّد 2019. العدد 91، (31

         مارس\ آذار 019) ص227-238، ص 12. جامعة بغداد، كلية الفنون الجميلة.   

 

 

[7]  أغلفة الكتب تتكلم، (مقالة). د.صفاء إبراهيم العلوي. جريدة الوطن، البحرين. الاحد 24 نوفمبر 2019. ص1

[8] JUDGING A BOOK COVER BY ITS COLOR”, (Article). L.L. Wohlwend Feb 9, 2021. https://bookriot.com/book-      cover-colors/

[9]  JUDGING A BOOK COVER BY ITS COLOR”, (Article). L.L. Wohlwend Feb 9, 2021.

     https://bookriot.com/book-   cover-colors/  P:1

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين