ترامب غادر البيت الابيض، استعدوا لترامب القادم الأكثر خطورة| حسن مصاروة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

غادر ترامب يوم الاربعاء البيت الابيض، بعد أن باءت كل محاولاته لقلب النتيجة بالفشل، وهي في جزء كبير منها كانت محاولات دعائية لتحشيد قاعدته والحفاظ عليها مُحرَضة. تم تنصيب بايدن في طقس احتفالي أمام مبنى الكابيتول الذي قامت عصابات ترامب الغوغائية باقتحامه قبل ايام، مما اضطر الجيش الأمريكي لتغطية شوارع العاصمة ومحيط المبنى لايام قبل التنصيب من أجل تأمين "الانتقال السلمي للسلطة"، في حدث ومشاهد شكلت صدمة عميقة في وجدان الأمة الأمريكية وستكون توابعها الفعلية أعمق من أن يمحوها كلام بايدن في خطاب التنصيب حول "الوحدة" و"شفاء جراح أمة منقسمة". غلبت على حفل التنصيب أجواء تفاؤلية، وحديث عن "كابوس" انتهى اخيرًا، ومحاولة لترسيخ فكرة أن ما جرى في الاسابيع الاخيرة، بل في السنوات الأربعة الماضية، ما هو الا انحراف عن المسار الطبيعي للتاريخ الأميركي. يتوضح الآن أن الايديولوجيا الحاكمة لادارة بايدن الجديدة تدور حول أن ابعاد دونالد ترامب عن البيت الأبيض من شأنه أن يحل أزمة الولايات المتحدة جذرياً من خلال إعادة الحكم إلى "زعيم مسؤول"، وأن ليست هناك حاجة إلى تغييرات كبيرة في الهياكل السياسية الحالية أو حتى إجراء تغييرات عميقة في المجتمع، التخلص من ترامب وحده يكفي، وحتى حزبه الذي انجر خلفه مثل القطيع وأعطى الشرعية لكل تصرفاته يمكن التصالح معه والتحالف والتقرب اليه باسم "الوحدة" و"شفاء الانقسام".
لكن الحقيقة هي أن الأزمة السياسية والاجتماعية المتفاقمة أكبر وأعمق وأشد عصفًا من أن تُختزل بشخصية ترامب، والكابوس الذي احتفلوا بانتهائه في يوم التنصيب، ما هو في جوهره الا "الحلم الأمريكي" الذي يدعون الدفاع عنه واستعادته، متكشفًا على حقيقته العارية: تمظهرات حرب طبقية بشعة تشنها النخب الاقتصادية والشركات الكبرى على الجماهير المسحوقة، التي تتصاعد بقوة رهيبة ومخيفة باستمرار منذ عقود معززة بصعود المنظومة النيو-ليبرالية. وتاريخ ضارب في عمق المجتمع الامريكي وطبيعة تكونه البنيوية، من العلوية البيضاء والعنصرية المعززة بفعل الافقار والنهب الاقتصادي. وان عودة النخب الليبرالية التي هيأت بخيانتها للجماهير المفقرة على حساب وفائها للشركات الكبرى، لانكشاف هذا الكباوس على حقيقته، الى الحكم اليوم، معلنة العودة الى برنامجها القديم ذاته لا يعني ابدًا نهاية هذا الكابوس، بل في الحقيقة بداية كابوس حقيقي أشد خطورة.
في اليوم الذي اعلنت فيه هزيمة ترامب بالانتخابات كتب الكاتب اليساري باسكار سونكارا محرر مجلة "جاكوبين" الاشتراكية الامريكية  في مقال أن ترامب دفن نفسه في أخطاء فادحة ولم يستطع الوفاء بوعود حملته الانتخابية للناخبين، وبدلاً من توفير وظائف التصنيع وحماية "وظائف وأجور ورفاهية العمال الأمريكيين قبل أي اعتبار آخر"، كما تعهد، ألغت إدارته قواعد العمل الإضافي المدفوع، وقامت بتخفيضات ضريبية للأثرياء وخسر 740 ألف عامل وموظف وظيفتهم في القطاع الصناعي العام الماضي وحده.  لكنه يحذر أن نسخة مختلفة من دونالد ترامب، كان من الممكن أن يتعامل مع وباء كورونا بكفاءة، وربما أطلق برنامجًا طموحًا للبنية التحتية والوظائف قادرًا على تحسين حياة الملايين من الناس، بدون تحدي الأوليغارشية ومصالح الشركات الكبرى.
ويقول سونكارا أنه ربما كان ترامب الـ"واقع البديل" هذا قادراً على تحقيق تزاوج بشكل فعال بين الشعبوية الاقتصادية وكراهية المهاجرين، وهي نفس الصيغة التي دفعت المستبدين اليمينيين إلى السلطة في أماكن أخرى من العالم. وربما تمكن ترامب مختلف من كسب عدد كافٍ من الناخبين الذين يصوتون عادةً للديمقراطيين، بما في ذلك الناخبون السود والملونون، لتوسيع قاعدته إلى قاعدة قادرة على الفوز في التصويت الشعبي. ويعتقد أنه "على الرغم من سوء السنوات الأربع الماضية، فقد كنا محظوظين للحصول على ترامب االحالي - المتلعثم - على عكس سياسي يميني أكثر فاعلية، مثل ناريندرا مودي أو جاير بولسونارو بالنسخة الأمريكية."
بايدن فاز ببساطة بسبب عدم شعبية ترامب واستفزازه للكثير من المشاعر المضادة، لكن دون أن تقدم الادارة الجديدة للشعب شيئًا مختلفًا من نوع السياسات التي يمكن أن تنشط ناخبي الطبقة العاملة واحداث تغييرات اقتصادية حقيقية، لذلك فإن الشرعية التي اكتسبوها من مواجهتهم لترامب ستنفض عنهم، وكما هو واضح ليس هناك أي اشارة  الى أن هناك توجه مثل هذا لدى الادارة الجديدة. بل مجرد محاولة باهتة لاعادة انتاج السياسيات الكارثية السابقة التي هيأت لصعود ترامب. واذا قام ترامب باهدار الفرصة ليكون شعبويًا حقيقيًا واستغلال الكوارث التي خلفهتها الادارات الديموقراطية السابقة، فان قائدا شعبويا حقيقيا من اليمين لن يهدر الفرصة التي ستخلفها الادارة الحالية.

وكما هو واضح فان تعيينات بايدن في ادارته الجديدة هي بشكل حصري تقريبًا من دوائر نخب الحزب الديمقراطي القديمة، المسؤولين عن واقع عدم المساواة الاجتماعية الهائلة، والصفقات التجارية المدمرة، والتراجع عن التصنيع، وبرامج التقشف النيوليبرالية التي ألغت البرامج الاجتماعية، والحروب الامبراطورية  المستمرة في الشرق الأوسط، وحرمان الطبقة العاملة من حقوقها وإفقارها. حيث كتبت الواشنطن بوست أن "حوالي 80 بالمائة من مسؤولي البيت الأبيض وأعضاء الادراة الذين أعلن عنهم لديهم كلمة "أوباما " في سيرتهم الذاتية من وظائف سابقة في البيت الأبيض أو حملة أوباما الانتخابية". وهي وصفة جاهزة لاعادة انتاج الكوارث القديمة التي صعد على امواجها ترامب.
هزيمة ترامب ومغادرته البيت الابيض لا يجب أن تغيب واقعا خطيرا خلفه وراءه، فبعد أربع سنوات من الأكاذيب، وإذكاء العنف العنصري، والعجز الكامل، والفساد المستشري، والفشل الذريع في التعامل مع أزمة صحية كارثية، استطاع  ترامب مع ذلك توسيع قاعدته بـ 11 مليون صوت. الأسوأ من ذلك، أن 70 بالمائة من ناخبي ترامب، أي 51 مليون أمريكي، يعتقدون أن "الديموقراطيين اليساريين الراديكاليين" والدولة العميقة سرقوا الانتخابات من خلال "تزوير التصويت"، وانضم مائة وستة وعشرون من أعضاء مجلس النواب الجمهوريين إلى دعوى قضائية رفعها 18 من المدعين العامين الجمهوريين للولاية يطلبون فيها من المحكمة العليا إلغاء فوز بايدن. الغالبية العظمى من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين رفضت الاعتراف بنتائج الانتخابات حتى اللحظة الأخيرة. أُجبر ناخبو الهيئة الانتخابية في عدة ولايات على تسليم أصواتهم إلى المجالس التشريعية للولايات تحت حراسة مسلحة. نزل نحو عشرين متظاهرا مسلحا يحملون الأعلام الأمريكية ويهتفون "أوقفوا السرقة" وحوطوا منزل وزيرة خارجية ميتشيغان الديمقراطية. خرجت الى الشارع جماعات القومية البيضاء في واشنطن قبل شهر للاحتجاج على السرقة المزعومة للانتخابات، مما أدى إلى اعتقال أكثر من ثلاثين شخصًا، وأربع عمليات طعن، وتخريب أربع كنائس للسود. ليتوج كل ذلك باقتحام مبنى الكونغريس وتخريبه، واحتلال الجيش الامريكي للشوارع العاصمة ايام قبل التنصيب.
ترامب غادر البيت الابيض، لكنه ترك وراءه حزبًا استبداديًا  بقاعدة فاشية، رافض بشكل علني للمعايير الديمقراطية القائمة، وعدوًا للخطاب القائم على الحقائق والعلم، والذي قام بمحاولة فعلية للانقلاب. لكن في المرة القادمة لن يكونوا غير منظمين وغير كفؤين بهذا الشكل. وهذا العداء المباشر للديمقراطية من قبل أحد الحزبين الحاكمين، بدعم من ملايين الأمريكيين، والكثير منهم تعرض للخيانة الفعلية من قبل بايدن ونخبة الحزب الديمقراطي، لن يتبدد ببساطة بعد تنصيب بايدن بل سينمو بالتأكيد، خاصة وأن مطرقة الاضطراب الاقتصادي التي تلوح في الأفق والتي ستضر بشكل مباشر بحياة الملايين من الامريكيين قادمة لا محالة.
المفكر اليساري الامريكي كريس هدجيز لدية رؤية "كابوسية" فعلاً للواقع ولما هو قادم، لكنها متينة ومبينة على تحليل عميق لظواهر تحلل الامبراطورية ودراسة معمقة لصعود الفاشيات في اوروبا القرن العشرين. يقول هدجيز أن الولايات المتحدة تقف على أعتاب صعود استبدادية مخيفة وفاشية كامنة، وانه من شبه المؤكد أن الاضطرابات الاجتماعية ستشتد، في ظل استمرار النيوليبرالية، وأزمة المناخ، واستنزاف الموارد المتضائلة لآلة الحرب المتضخمة، والركود السياسي، والفشل في احتواء الوباء وتداعياته الاقتصادية. في غياب شعبوية يسارية، ستصطف الطبقة العاملة المحرومة، كما فعلت مع ترامب، وراء شعبوية يمينية مزيفة. وسوف تبرر النخب الليبرالية في المقابل، كما علمنا التاريخ، قمع الدولة كرد فعل على الفوضى الاجتماعية باسم القانون والنظام.
يقول هدجيز بنفس تحذيري متشائم، أن كل القطع في مكانها جاهزة للانحدار إلى ما يعتقد أنه فاشية مسيحية مسلحة. تفاقم الشلل السياسي، وطبقة ليبرالية مفلسة وفاقدة لأي مصداقية، وعدم المساواة الاجتماعية الهائلة والمتنامية، ونخبة الأوليغارشية الغنية والصماء، وتقسيم الجمهور إلى قبائل متحاربة، وانتشار انعدام الأمن الغذائي والجوع، والعمالة الفقيرة المزمنة والبطالة والبؤس. كل هذا بالاضافة الى فشل الدولة في التعامل مع أزمة الوباء مجتمعة  مع تعفن الحياة المدنية والسياسية كفيل بخلق مزيج مألوف في التاريخ، يؤدي إلى الاستبداد والفاشية.
ويوضح هدجيز أن  ترامب والحزب الجمهوري، يلعبون إلى جانب الأصوات الشعبوبية في وسائل الإعلام اليمينية، الدور الذي لعبته الأحزاب المعادية للسامية في أوروبا خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. حيث أدى ضخ معاداة السامية في النقاش السياسي في أوروبا إلى تدمير اللياقة السياسية وقواعد النقاش العقلاني التي تعتبر حيوية للحفاظ على الديمقراطية. الاستعارات العنصرية وخطاب الكراهية، التي صبغت جمهورية فايمار في المانيا، تسمم الآن الخطاب السياسي الامريكي. والأكاذيب قابلة لتبديل الحقيقة، كل جهة تصور الجهة التي التي تعارضها بشيطنة على أنهم تجسيد بشري للشر. ويتوقع هدجيز أن هذا الخطاب السام سوف يزداد سوءًا، خاصة مع اقتناع الملايين من أنصار ترامب بأن الانتخابات تم تزويرها وسرقتها.
اذًا فان التفاؤل الذي بثته النخب الليبرالية حينما عادت الى السلطة يوم الاربعاء في حفل التنصيب، سيتبدد ويظهر على حقيقته الكابوسية القادمة لا محالة وفق اتجاه الامور، ومشاركة اليسار في بث هذا التفاؤل الخادع ستكون خيانة حقيقية، المهمة الحقيقية لليسار اليوم تتلخص في أن لا ينجر الى "الأمل الخائن" وتفعيل المقولة الغرامشية عن "تشاؤم العقل وتفاؤل الارادة"، ولا بد له  اذا كان ينوي انقاذ ما يمكن انقاذه أن يستعيد راديكاليته التي تركها لليمين الشعبوي الذي يمثل اليوم السخط على المنظومة، يجب عليه أن يستعديها قبل فوات الاوان. اذ أن اليسار اليوم يظهر وكأنه يقف إلى جانب وسائل الإعلام الليبرالية الشركاتية ورقابة الشبكات الاجتماعية. يبتهج بنصر بايدن، ويحتفل بعودة المؤسسة الأميركية وتقاليدها السياسية الراسخة ويعلن دفاعه "المحافظ" عن المنظومة الليبرالية في تبني للايدلوجيا الـ"فوكويامية" باعتبارها هذه المنظومة الليبرالية هي الشكل النهائي للتاريخ. في حين أن جمهور ترامب اليميني، أصبح يمثل السخط على الوضع القائم، والتشكك من الشبكات التلفزيونية ووكالات الأنباء والمؤسسات الدولية والمحلية ومعها النخب الثقافية وخطابها، ويظهرون على أنهم يمثلون مقاومة هذه المنظومة. هذا سيكون وصفة جاهزة لصعود شعبوية يمينية حقيقية بملامح فاشية تستقطب ملايين الامريكيين المسحوقين تحت هذه المنظومة الليبرالية، تُنتج كابوسًا حقيقيًا، يكون ترامب امامه نسخة كاريكاتروية عن فيلم ديستوبيا سينمائي رديء.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين