كم كان محقًا الرفيق عصام مخول في فتح نقاش ضروري وملحّ، نقاش من الاهمية بمكان ومن الخطورة بمرحلة بحيث لا يمكن أن يقبل باي شكل أن يكنس تحت سجادة "وحدة القائمة المشتركة"، تلك الوحدة التي يهدد شكلها السياسي الاستراتيجي ذلك النهج الذي يكشفه مخول، وليس فتح النقاش ذاته حوله على مصراعيه. وبالإشارة الواضحة حينما حذر خلال مقابلة على قناة "مساواة" ممّا سماه "السمسرة على قضايا الجماهير العربية" وأشار الى توجهات داخل الحركة الاسلامية الجنوبية في الكنيست والتحركات الاخيرة التي تقوم بها والقنوات السرية التي تفتحها مع حكومة بنيامين نتنياهو. وقد وصف محاولتها جرّ الجماهير الى مربع مقايضة الكرامة والحقوق بمصالح هنا او هناك مع نتنياهو، مشيرا الى ما تتداوله وسائل الاعلام الإسرائيلية من أخبار وما يلمّح اليه مساعدو بنيامين نتنياهو عن هذه القنوات. مخول تكلم بشكل واضح عن الدور الذي تقوم به الاسلامية برئاسة منصور عباس، بالتحالف مع قوة تريد ان تعيد الجماهير العربية الى خانة المقايضة بالحقوق، والى إحياء نهج مقايضة الحقوق بالمصالح مع حكومة اليمين المتطرف وبنيامين نتنياهو. تلك التوجهات التي ربط بينها مخول دون اي مبالغة وبين محاولات اعادة الجماهير العربية الى عصر القوائم العربية المرتبطة بالأحزاب الصهيونية التي كانت قائمة في سنوات الستين، أي مربع مقايضة كرامتها الوطنية ومقايضة حقوقها المدنية والقومية بمصالح هنا ومصالح هناك لنتنياهو.
وفي الحقيقة ان مخول حينما يتكلم عن هذا النهج الذي تتبعه وتروج له الاسلامية الجنوبية بقيادة منصور عباس لا يذيع سرًا ولا يكشف اوراقًا مقلوبة، انما هو نقاش نهج كان يتضح وتنكشف مقوّماته واركانه وطبيعة خطابه امام أعيننا وعلى مسامعنا منذ فترة، وبالتحديد منذ ان انتخب منصور عباس رئيسًا لقائمة الاسلامية الجنوبية التي قادها خلال الانتخابات الثلاث الأخيرة، وما حملته من تحركات وتحولات ونقاشات ومناورات. هذا بالاضافة الى الاجتماعات والمناورات والقنوات السرية التي كشفت لاحقًا، ومنها ما كان سريًا حقًا واريدَ له ان يبقى كذلك واخفي عن جمهور المشتركة بل عن الشركاء من الاحزاب الاخرى داخل القائمة، مثل ذلك الاجتماع الذي جمع منصور عباس بنتان إيشل وميكي زوهار قبل فك الكنيست والذهاب الى الانتخابات الثانية. ذلك اللقاء الذي لم يكن ليكشف لولا الفخ الذي وقع فيه النائب السابق عبد الحكيم حاج يحيى الذي أعدّه له مذيعان، أوهماه ان أحدهما هو بنيامين نتنياهو، وأنه يرغب بالتعاون مع العرب، في سياق برنامج مقالب. وتواصلت اجتماعات سرية لاحقة اخرى كشفتها تقارير الاعلام الاسرائيلي حول التواصل مع كتلة الاسلامية الجنوبية للتصويت لمرشحي بنيامين نتنياهو لمناصب مختلفة. أي أن ادعاء عباس في رده على طرح مخول بأنه "لا توجد قنوات سرية بيني وبين الحكومة، بل توجد قنوات علنية رسمية" وادعاءه أن موضوع القنوات السرية ليس الا مجرد اتهامات، هو ببساطة غير صحيح ويجانب الصواب والحقيقة.
كان واضحًا ايضًا من التصريحات العلنية لنواب الاسلامية الجنوبية خلال معركة الانتخابات الأخيرة، أن هناك خطابًا خطير الدلالات، يحاول أن يظهر بمظهر "الجديد" يتسرب على السنتهم، رده البعض الى "قلة الخبرة" أو برره بحداثة عهد النواب الجدد في الاسلامية بالعمل البرلماني، وتغاضى عنه آخرون بغية الحفاظ على التماسك الاستراتيجي للقائمة المشتركة. لكن يتبين الآن وبشكل واضح ان تلك التصريحات لم تكن "زلات السن" ولا "قلة خبرة" ولا "حداثة عهد" وليست مجرد "مناورات اعلامية"، بل إنها خطاب متكامل ونهج سياسي خطير يحاول ان يقنع الجمهور زورًا أنه "يأتي بما لم يأت به الأوّلون" في التاريخ السياسي للجماهير العربية. وهو لا يفعل الا أن يعيدهم الى مربع قديم نفضته هذه الجماهير عن نفسها منذ سنوات وراكمت بنضالها وتطوير شكل تمثيلها السياسي وصراعها مع المؤسسة ما يتجاوزه بمراحل، نجاعةً ورؤية استراتيجية وكرامة وطنية. ولم يعد من الممكن التغاضي عنه باسم "وحدة القائمة المشتركة" لأنه باسم هذا النهج وفي سبيله يعمل على تفكيك القائمة المشتركة او تشويه مشروعها الاستراتيجي او بالاحرى الوقوف عقبة امام اكتمال هكذا مشروع يبدو انه لم يكتمل بعد. وفي هذا الاطار بالتحديد يأتي قيام منصور عباس قبل اسابيع بتفجير نقاش مشوّه حول قانون اختلفت حوله القائمة المشتركة إلى العلن، بصورة تشويهية واستعراضية ليس لها اي علاقة لا بجوهر القانون ولا بجوهر النقاش حوله، ليستخدم الخدعة الشعبوية القديمة بتصوير نفسه الفارس الأخير في الدفاع عن قلعة الهوية الاسلامية وقيم المجتمع الاخلاقية امام "العابثين بها" من شركائه في القائمة، ليمهد لتصريحه قبل ايام حول أن المشتركة تحتاج لـ "الخروج إلى طريق جديدة وواضحة على أن تكون مشتركة جديدة تعبر عن هُوِيَّة مجتمعنا العربي وقيمه وأصالته أولا، وتدافع عن حقوقه وتعزز مكانته وتركز على معالجة أزماته". وطبعًا هذه "المشتركة الجديدة" التي يتحدث عنها عباس يجب أن تكون خاضعة لنهجه "الجديد"-وهو القديم الذي تجاوزته جماهيرنا بعقود من النضال ويحاول احياء رفاته بما يتناسب مع تحولات المرحلة- وهي مشتركة "جديدة" الى حد انها تستطيع أن تتحالف مع نتنياهو ذاته اذا ضمن لها بعض الفتات. مشتركة تدافع عن "هوية واصالة" المجتمع العربي التي يحاول عباس أن يحتكر تعريفها وتعريف مكوناتها وحدودها تعريفًا أحاديًا وفق التصور الذي يحاول فرضه على مجتمع يعرف بتعدديته، في محاولة بائسة لجر النقاش السياسي الى مكان شعبوي هوياتي ثقافوي حيث يختنق المنطق وتتنفس الغوغائية، بعيدًا عن حيث يجب أن يكون: حول فراغ الشعارات السياسية التي يطرحها عباس وخطورة الأوهام التي يروج لها وفداحة ثمن النهج الذي يقوده.
وفي نقدنا لهذا ومحاولتنا لتبيين خطورته لا نأتي بشيء من جعبتنا، بل من فمه ندينه، فحينما سئل منصور عباس عن احتمالية تعاونه مع حكومة يمين بقيادة الليكود وسموتريتش. أجاب: "مع كل حكومة"، وفسر-وفي التفسير تكمن الخطورة: "لسنا يمينًا ولا يسارًا سياسيًا إسرائيليًا، نحن ممثلو قطاع ومجتمع ونحتاج للعمل من أجله. لذلك نحن لسنا في جيب اليسار الإسرائيلي أو أي جهة أخرى". ولو كان هذا الـ"نأي بالنفس" عن اصطفافات اليمين واليسار الاسرائيلي يُقصد به تمييز القائمة بكونها تمثل خطا سياسيا خارج الاجماع الصهويني بـ"يمينه ويساره" لكان ذلك مفهومًا بل مطلوبًا، لكنه في الحقيقة يأتي لتبرير "التحالف" مع "اي حكومة" او اي جهة من الخارطة السياسية بغية تحقيق مطالب لـ"المجتمع الذي نمثله". ويقول بشكل واضح ان لا مشكله في التحالف مع حكومة يمين برئاسة نتنياهو ذاته اذا حقق له "قائمة مطالب"، تلك التي قدمها، باعترافه، كوثيقة لنتان إيشل وميكي زوهار وتلخص اغلبها فيما سماه "الجانب المدني" للجماهير العربية. او كما قال رفيقه النائب السابق في المقابلة "الفخ" بشكل واضح، "نحن مستعدون للقيام بصفقات مع أي طرف، الشيء الاساس هو تحقيق النتائج للجمهور العربي". بالتعامل مع السياسة بعقلية "اللوبي"، عقلية "الحزب القطاعي" الذي يمثل قطاعًا معينًا ومحددًا من المواطنين ومصالحهم المباشرة، تلك العقلية التي عملت فيها بعض الأحزاب اليهودية الحريدية لعقود، والتي تبنى على استغلال عدد المقاعد وقدرتها على ترجيح كفة معكسر على اخر، والـ"نأي بالنفس" عن اصطفافات اليمين واليسار السياسيّين، لاستثمارها لابتزاز إنجازات عينية مطلبية تتعلق معظمها في تحصيل ميزانيات وموارد ومصالح لقطاع المواطنين الذي تمثله. وهي عقلية اذا اعتُمدت في حالتنا فانها تعمل على تغييب أي استراتيجية تغيير بنوية على مستوى طبيعة المؤسسة الحاكمة، او وضع ثقل هذه الجماهير في المعركة الثورية على قلب الايديولوجيا السائدة والمراكمة النضالية من أجل تغيير البنية التي تنتج من صلبها سياسة القهر القومي والعلوية العرقية، التي تسلب الجماهير العربية الفلسطينية حقوقها في ارتباطها البنيوي العميق بسياسات الاحتلال والاستيطان والعسكرة والفاشية التي تهيمن على البنية السياسة في اسرائيل. وذلك يترافق مع بث اوهام تقلب المعادلة الحقيقية في ظروف الجماهير العربية بقول عباس منصور الواضح أن تحصيل الحقوق المدنية والتقدم في المضمار "المدني" سينعكس على الوضع السياسي العام، أي تقديم الحقوق المدنية عله يؤدي الى تحقيق الحقوق القومية. أي في قلب الرؤية والاستراتيجيا السياسية للجماهير العربية وسلم أولوياتها رأسا على عقب فيما يتوافق مع مفهوم نتنياهو للـ"سلام الاقتصادي".
علاوة على ذلك، يبرر عباس استعداده لهذا للتحالف مع نتنياهو والتعامل معه مقابل بعض "الانجازات للجمهور" بمقولة مفرغة من أي معنى سياسي بالادّعاء أن "مشكلتنا ليست مع الاسماء مشكلتنا مع السياسات" وكأن الاسماء تستطيع أن تنفصل عن سياستها التي صنعت وكونت هذه الاسماء وأعطتها شرعيتها وسياق مشروعها وضرورة وجودها واوصلتها الى موقعها وصنعت ازمتها في ذات الوقت، وذلك في بث لوهم أن نتنياهو يستطيع ان ينفصل مثلاً عن مشروع تأبيد الاحتلال ومشروعه الاستيطاني التوسعي التاريخي وتحريضه العنصري، وكذلك على سياسته النيوليبرالية، وفساده العميق وعدائه للديمقراطية وفاشيته وعدائيته المتأصلة للعرب، أو انه يستطيع أن يتحول للحظة تحت ضغط منصور عباس عن ذلك السياق التاريخي الذي تزامنت فيه عودة المعسكر الفاشي في اسرائيل بزعامة نتنياهو الى الحكم، مع وجود إدارة الرئيس الامريكي ترامب المنسجمة تماما مع برامج أكثر مجموعات اليمين المستوطن الاسرائيلي عدوانية ودموية، ووجود أنظمة عربية رجعية خليجية تقودها السعودية والامارات وقطر، ليست متهافتة على التطبيع مع إسرائيل فحسب، وانما يسيل لعابها على التطبيع مع اليمين المستوطن الفاشي في اسرائيل فيما كان آخر تجلياتها اعلان التحالف بين نتنياهو والامارات. وتدرك عمق هذه الصبيانية والسذاجة في مقاربة السياسة وفهم التحولات والمناورات في السياسية والمجتمع الاسرائيلي حينما تسمع عباس يقول عن الترانسفيري الاكبر والعنصري الأبغض ليبرمان، على اذاعة اسرائيلية أن "ليبرمان قطع شوطًا طويلًا أيضًا، وهو يفهم اليوم، ورأيت أنه وجّه مدافعه نحو اليهود المتدينين وليس العرب". نعم بالطبع وأي شوط قد قطع، وبمعية عباس وضغطه وبسحر نهجه الجديد سيتحول ليبرمان إلى "ديموقراطي حقيقي" مثل رئيس الدولة ليكودي الاصل الذي كرّمه عباس بهذا الوصف في احدى المقابلات.
واذا اردنا ان نفهم خطورة أن تقع توجهات الاسلامية الجنوبية بقيادة منصور عباس في هوة المشروع الجديد لليمين تجاه الجماهير العربية،لا يمكننا الا أن نعود لمقال نتان إيشل الذي يصف فيه مقدمات هذا المشروع والتعبير عن توجه جديد من قبل اليمين الى الجماهير العربية، والذي نُشر قبل ايام من الاجتماع الذي كُشف عنه بينه وبين منصور عباس لدعم حكومة نتنياهو، وقد ربطت الصحافة الاسرائيلية بين هذا اللقاء وهذا المقال بالذات، حيث يقول فيه إيشل إن الوقت قد حان لأن يتوجه اليمين للمواطنين العرب. فهم، على حد قوله، في غالبيتهم يرغبون فعلًا بالعيش في دولة اسرائيل. واهتمامهم الاساسي هو الاقتصاد والتعليم والأمن الداخلي، لذلك يجب علينا-اليمين- أن نعطيهم ما يريدون في هذه المجالات مقابل ولائهم الكامل لدولة اسرائيل. ويقول إن هناك دائمًا تعارض مصالح جوهري بين العرب في اسرائيل والعرب في الضفة غزة، "ولذلك يجب علينا استغلال ذلك"! وهو يفرق بين الجمهور العربي وبين قيادته "التي تتغذى على الصراع العربي الإسرائيلي"، الا أن الجمهور العربي في غالبه يرغب بالهدوء والحياة الجيدة لهم ولعائلاتهم، على حد وصفه، و"علينا الاهتمام بهم وتطويرهم اقتصاديًا".
لهذا يرى إيشل أنه قد حان الوقت لليمين الاسرائيلي لاستغلال هذا الميل لدى للعرب في اسرائيل وأن يقوم بالمصالحة والمشاركة مع العرب- طبعًا ما يتحدث عنه ايشل هو مشاركة ومصالحة الراكب والمركوب، المشاركة القائمة على الفوقية العرقية اليهودية مقابل دونية أهل البلاد الاصليين، وفصلهم بواسطة العطايا الاقتصادية والفتات الاجتماعية عن هموم شعبهم الفلسطيني وقضاياه، بل تغييب كُل ميل في صفوفهم بالمطالبة بحقوق جمعية قومية، أي ببساطة شراؤهم بسد حاجاتهم اليومية، ويُدرك جيدًا من يعي الواقع السياسي أنها لن تُلبى دون الحقوق الجماعية التي تبتغي إحداث انقلاب بنيوي في كُل المنظومة القائمة. لكن مشروع ايشيل هذا يحتاج لحامل سياسي له بين الجماهير العربية، يُقدم الحقوق المدنية الفردية على الحقوق القومية ويغيب القضايا السياسية الكبرى، ويرضى بإنجازات وهمية على مستوى "الاقتصاد والتعليم والأمن الداخلي" مقابل التحالف مع هذا اليمين وتغييب السياسة والنضال والمواجهة السياسية الحقيقية، ومقايضة الكرامة الوطنية بالفتات. وجماهير المشتركة وجماهير الاسلامية بطبيعة الحال ترفض أن تكون الاسلامية الجنوبية بقيادة عباس هذا الحامل السياسي او ان تساهم في تحضير ارضية خصبة على مستوى الخطاب والنهج لحامل سياسي لهذا المشروع، لم يتكون بعد ربما على شكل اطار سياسي، فقط في سبيل محاولات عباس وكتلته في تغذية اوهام شعبوية تمنحها شرعية متجددة في ظل ازمة مشروع واضحة.
الصورة: مظاهرة في وادي عارة ضد سياسة الهدم، كانون الثاني 2017 – تصوير: كيرن منور (أكتيفستيلز).
.png)


.png)

.png)






.png)

