دائماً نترحّم على السّلف الصّالح، سيّان أكانوا من أيّة عائلة أو مِلّة أو شعب، هُم أجدادنا، ونُردّد في كلّ مناسبة خير وبركة: الله يرحم إلّلي بِوَرّث، الله طَعَمَكْ كولْ وِاْطْعَم، وْما بْتوكِلْ غير إلّلي إلَكْ فيه نصيب، أركضْ ركْض الوحوش غير نَصيبكْ ما بِتْحوش!، رافقنا بعض الأجداد، الأكبر منّا عُمراً وقدْرا!، منهم الرّوحاني الحقيقي، الصّوفي على الحُرُكْرُكْ، ما بِحُطْ عَذِمّتو شي، لو طَبّقت ْ الدّنيا على بعضها البعض، عاش هؤلاء ما بين القرنين: التّاسع عشر والعشرين، وها نحن في الحادي والعشرين، ننتظر الرّحمة من ربّ العالَمين، صَحِبْنا بعضهم في جولات طبيعيّة في رحاب أرض الجدود، والجدود هنا لا تقتصر على جدودنا العرب وحسب، من يدري لعلّ الأوائل من الآشوريّين، الكلدانيّين، الكنعانيّين، الفُرس، اليونان، الرّومان، الصّليبيّين، المغول، أم المماليك، والأتراك، مع تَراخٍ في الزّمن والتّرتيب، تركوا لنا بِركة ماء رحبة، محفورة، مقصورة، مع حْجاجة على دايرها، رُبّما كانت مسرحاً أوّلاً وَمقْعداً في وسطها، ودرج طويل عريض في جنوبها الغربي، كلّما هبط منسوب مياهها، يهبط الأهل معه كي ينشلوا الماء لِرَيّ الحيوانات البيتيّة، والدّرج ليمنع نزول الحيوانات عليها وتلويثها، أو تدنيسها، وقد وضع الأوائل جُرنَين حجريَّين، الجرن الصّغير والجرن الكبير، منحوتين من صخر أصمّ، يتحمّلان تقلبات الدّهر والطّبيعة والتّآكُل، قُطر الأول أكثر من متر، ويرتفع عن الأرض نحون صف متر، والثّاني قطره نحو المترّين ويرتفع عن سطح الأرض أكثر من متر، لتسهيل الشُّرْب عل الأبقار، الدّواب والبعير. مَن لَطَشَ الجُرْنَين؟ العِلْم عند الله، وحرمنا من معالِمَ أثريّة قديمة جدّاً! الله يجازي وْلاد الحرام، كما قال سلفنا الصّالح.
الرّحالة الفرنسي فيكتور جيرن زار بلادنا ثماني مرّات، يين عامَي: 1852 إلى 1888، تحدّث عن البلدة وسكّانها ومنهل الماء (ألبِرْكة) قائلاً: تقع القرية على تلّ مُنْحدراته مُسَلْسلة/ مُدَرّجة (ما زلنا نسمّيها حتى يومنا هذا: الدّريج/تصغير للدرج) المدرّجات مغروسة بأشجار الزّيتون، الكَرْمة، التّين والتَّبْغ، عدد السّكان 300 من الدّروز وخمسون يونانيّين مَلَكِيّين (المقصود مسيحيّون كاثوليك)، لهم معبد صغير منظره بائس، يحمل اسم القدّيس جوارجيوس، آبار كثيرة محفورة في الصّخر، وَبِرْكة سُداسيّة كبيرة، محيطها 300 قَدَم، قسم محفور بالصّخر وقسم مبنيَ. وحولها ساحة رحبة كانت مراحاً للعجّال، تيمُّناً ببركة الرّحبة، لدى إخواننا السّحاملة المُهَجَّرين عنوة ! وغربي مَراح العجّال كان مراح آخر هو مراح الجِّمال ألا يُذكّرنا هذا المَعْلَم الذي طُمِر قبل أربعة عقود بالحديث النّبوي العَطِر: إذا مات ابن آدم أنقطع ذِكْرُه عن الدّنيا إلاّ من ثلاث، صدقة جارية و...أليس المنهل صدقة جارية يا معشر الإخوان!
أذْكُر فيما أذكر من النّصف الثّاني من القرن الماضي: ثلاث تينات سبيل بْياضيّات مُعمّرات، كذلك هذه صدقة جارية من أهلنا! إثنتان في موقع كَعْب الشّقاق، الأولى الشّماليّة على تُخوم أرض الشّيخ فرحان غانم وأنجاله، والثّانية الجنوبيّة على تخوم الشّيخ نجيب حسن الفارس وأنجاله، وهناك حدّ فاصل بين موقِعَي: الشّقاق والمرج، هذا الحدّ يتفرّع من الشّارع الرّئيس 89 ترشيحا-صفد، يمتدّ شمالاً جنوباً، طريق السّلطانة، بمُحاذاة زريبة الشّيخ عبد الله جبر فارس، مُقَبّلاً حتى ذِيال أحراش الشّقاق-أبوغِمِر، ما هو غربي الشّارع هو الشّقاق (تتشقّقُ به الأرض صيفاً، ألأرض حدّاديّة حمراء)، ما هو شرقي الطّريق هو المرج، في بدايته كانت تينة السّبيل الثّالثة في مُلْك الشّيخ كنج صالح سابق وأنجاله، يعني صاروا ثلاث تينات سبيل في حرفيش التي أسموها في زمن الرّومان: هاربوشتا، أي الخنفسة السّوداء، أكلوا وأكلنا منهنّ الكثير، حلاوتْهن بعدها تحت دْراسنا، وامتدّت أنياب البلدوزر اليهنَ، ليُصْبحْن في مهاوي الرّدى، نترحّم على التّينات وعلى غارسيهن الخَيّرين وَموقِفيهنّ/إسبالهنّ، وننتقل إلى زيتونة الحَسَنة، شأنها كشأن تينات الأسابيل الثّلاث، كانت هذه الزّيتونة (المْشَحَّرَة) والمغلوب على أمرها، على يسار الشّارع الآنف الذّكْر، شرقي البلدة، بجوار بيوت أبناء الشّيخ يوسف أسعد غانم (حَيّ المُختار)، وحين وُسّعَ الشّارع هوت عليها نْياب البلدوزر، لِتُقْتَسًمَ وقوداً، دون أن يَفْطَن أحد لِنقلها إلى موقع آخَر، مِن لِحٍيْتي وْجُر، جُرّ جْرابَك يا واوي، يا الّلي مْعَلّقْ بْالزّاوي/ مِضَى التّين وما ذُقْتو وْما حَطّيتو بْحلقاوي! (مع الاستئذان من محمد نفاع في عليائه).
هذا العبد الفقير لله تعالى، يسكن إزاء الشّارع العام، بنى بيته بعيداً عن الشّارع حسب الأصول، وَشَجَّرَ ما بينه والشّارع العام، تينَتَين، توتة شاميّة وجفنات وشجرات للظلّ للغادي والرّائح من البلدة وخارجها، يعني سبيل، حلال زلال، وسرعان ما أثمرت الأشجار بسخاء، تُظلّل الشارع وَتُقري السّابلة، جادة جوّادة وِجْوَيْدة، الأمر لم يُعجب جنائني المجلس المحلّي، والمفروض عليه هو تجميل البيئة وليس تعريتها، الذّريعة الأشجار تتمادى على الشّارع، ولم يشفع لها أنّها كانت سبيلاَ مُعلناَ للجميع. وهو يُعنّد: أنا ما بعرف شو سبيل وشو قبيل وهبيل، إذا ما بْتقطعهن؟ أنا بقطعهن! تُطعمه في الموسم علبة بلاستيكيّة، طعمي الثّم بْتستحي العين! الزلمي طَنّشْ، تُردّد على مسامعه من مزايا التّين:
-تين مْشَطِّبْ عَ النّدى/ ما حَدَا يِطْعَمْ حدا
تين مْشَطِّب تِشْطيبو/الواحد يْطعمي حبيبو
وتُضيف لِسُمعان مِشْ سامع:
قومْ يا صاحبنا نِطْربْ / نوكل التّين المْشَطِّبْ
سُلطان التّين البياضي/ عَ صْدور البيض بيْقَطّب
بْرْضو:
إقْرَع لا تجاقر وِاعْوًر لا تْناقر
وتُضيف:
خابية قُطّين يا حلوة خابية قطّين/عينَيْ الثِّنْتين والله/حزنانات عينَي الثّنتين
عابرو/ات السّبيل من البلدة وخارجها تمتّعوا بالثمار والظّلال، منهم من استأذن مسبقاً، ومنهم من لم يستأذن، أو استأذن فيما بعد، هذا عدا عن أوراق الدَوالي التي أصبحت طبخة شهيّة على مدار السّنة، بعد تجفيفها في القناني والمرطبانات، والدّنيا غريبة عجيبة، إعمل خيراً تلقَ شرّاً، عليهم وين راحوا النّشامى! دُرْهُبّا! إقْطَعْ قطعوهن، قطيعة تقطع هيك بَشَر، ما بْتعرف الذّوق والأصول.
عتب الكثيرون على عبد الله ولميحة، ليش حرمتونا من نعمة الله!
-الله يِحرم الّلي بِحْرِم، الله طعمكوا، كُلوا واطْعموا يا وْلاد النّاس!
-إدعوا ع َ الأيدين الّلي قطعتهن!، والقطعة كلها ع َ حْسابكو، واحنا منوكل فضلتكو، إيدكو إلكو، عَطول السّنة، خير الله كثير
-بعد الدّنيا بخير! إنْ خِلِتْ بِلِتْ، الله يْقَيّض الخير عليكو!
-وْعلى السّامعين، يا ربّ العالَمين، والّلي عبالو شي ثمرة نادرة بهالموسم، إيدو إلو في آب اللهّاب، إقطع الكوز ولا تهابّ! وْما فيه جود غير من الموجود.
-شكراً خالتي لميحة، شكراً عمّي عبد الله!
2/9 /2022
.png)


.png)

.png)






.png)

