جرن الكبّة هواجس مشاغبة (1)| ابراهيم طه

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

هي هواجس مشاغبة تتقافز وتتواثب في ذهني بفوضى، يثب بعضها على بعض بغير ضابطٍ من عُرفٍ أو قانون. هي أقوالٌ نافرة مستنفرة لا يجمعها إلا مقامٌ مجنون. والمقال يليق بالمقام. ولأنه منجزٌ، يحسن السكوت عليه، فلا داعي لأيّ اعتذار لا عن المضمون ولا عن الأسلوب. ولا يشفع لي في هذا المقام إلا ضرورتان: الصدق وطول اللسان.

تابعت، مثل غيري، بكلّ جوارحي وحواسّي تابعت. شفتُ بعينيّ، سمعتُ بأذنيّ، بنبض قلبي أحسست، بدمي المتقافز في شراييني تابعت.. حتى أصابني نَصَبٌ وتعب. أنصتُ ولا يفاجئني كلام البغضاء والشحناء تنفثه حكومة القتل والخراب. أصغي ولا يبغتني ما يهذي به صحافيّ وبش من أراذل الشارع السفليّ يدعونا إلى عدّ موتانا. وبشٌ تحرّر من آدميّته المتشظّية المهلهلة في أصلها! ورئيس الحكومة في سياساته البوليسيّة ونهجه العسكريّ باطل. هو ووزراؤه الشراشيح الذليلة باطل. القاموس العسكريّ الدمويّ الذي نسمعه من السياسيّين والمحلّلين والصحافيّين مرعب. مرعب ومحبط. يمحو الحلم ويشطب الأمل ويسدّ الأفق. عقليّة "جرن الكبّة" هي فلسفة خراب. أعني ذهنيّة الطحن ودقّ اللحم وسحق العظم. العقليّة نفسها التي تخاطب بها الحكومة الإسرائيليّة محمود عباس وأيمن عودة وإسماعيل هنيّة. عقليّة واحدة رغم اختلافات النبر والتفافات البلاغة... تفكير كارثيّ.  

مدير البوليس العامّ يضعها في لحية بن غفير الحاقد. ونحن نُحيلها إلى سياسات الثور الكبير. كلّ هذا الخراب في رقبته. لا يعيث في الأرض فسادًا ولا يحرق الأرض إلا نهجٌ محروقٌ وتفكيرٌ خربان. منذ ما يربو على عقد من الزمن وحكومة إسرائيل تُصرّ على هذا اليباب. مع سبق الإصرار والتعمّد والترصّد تُصرّ بعندٍ مقيت. وها هي الآن تستثمر هذا الخراب. لا يُفيد من الخراب إلا مريضٌ مسّته لوثة.. الحقيقة أنّ بن غفير لا يقلقني. لا يقلقني لا غفير ولا ابنه. تقلقني السفالة السياسية التي قشطت رسنها، يمارسها سياسيّ انتهازيّ خرابيّ ظلاميّ تحلّل من كلّ شرع أو خلق. كلّ تفكير يمينيّ عصبيّ تقويضيّ، بغضّ البصر عن مصدره أو هويّته، لا يطرب إلا على صوت البوم والغراب. وحتى يبرّر شرعيّته يخلق له شريكًا وهميًا افتراضيًا يتناغم معه في لعبة التناوش. كلّ تفكير يمينيّ عصبيّ يبني وجوده في الظلام على أنقاض الركام والحطام. ويذبل ويذوي في العمار والسلام.. انقلع يا نتنياهو. انقلع لكيلا تتبخّر فكرة التبديل ويضمحلّ مبدأ التداول. إذا انتفى هذا المبدأ، ومن أذهان الأجيال الصاعدة امّحى، تحوّل نتنياهو بإرثه الأسود من فرد إلى فكرة، من مشعوذ إلى أسطورة إغريقيّة. وإن صار فكرة أو تأسطر تعطّلت الأجيال اللاحقة وقدرتها على الأخذ والردّ. وإن هي خربت أو تعطّلت انقطع الأمل.. انقلع يا نتنياهو!

المشكلة سياسيّة. عندنا دفتر حساب مفتوح مزمن، نحصي فيه كلّ السياسات التي قشطت رسنها واعتمدت خطابًا صهيونيًا استعماريًا وقحًا. مشكلتي مع الصهيونيّة. لا مشكلة لي مع اليهوديّة ولا اليهود ولا مع الشعب الإسرائيلي حتى أستفرد بعابر سبيل هنا أو أتعرّض لتائهٍ ضلّ الطريق هناك. ليس منّا من يقتل مسالمًا بريئًا كائنًا من كان. ليس منّا من يقتل يهوديًا يهوديّته هي جريمته. لست غبيًا حتى أنقم من الحافلات وسيارات الإسعاف والاستشفاء. لست جبانًا حتى أفرغ حقّي في فعلٍ باطل. من حقّي أن ألوم كلّ ضحيّة تشري حقّها بشيءٍ من الغباء والجنون. لا مكان للارتباك ولا وقت للغلط. أرفض أن أشهر سلاحًا على أحد، لا على يهوديّ ولا على عربيّ أرفعه. أرفض أن أحمل سلاحًا أتاحته السياسات الحكوميّة نفسها لغاياتٍ مستحقرة. أرفض سلاحًا أباحته سياسات الانحطاط الأخلاقيّ كي تستثمره. وهي عند الملمّات تعرف كيف تستثمره. 

الدولة "يهوديّة ديموقراطيّة" تعريفٌ مخادعٌ خبيث. لن تكون الدولة ديموقراطيّة إن هم أصرّوا على يهوديّتها. لن تكون لأنّ اليهوديّة لا تشمل إلا يهوديًا، لأنّ يهوديّتها تستثنيني وتُقصيني وتُسقط عني كلّ حقّ في مساواةٍ وعدلٍ وإنصاف. باسم يهوديّة الدولة تعزّز الحكومات المتعاقبة قوانين التمييز وتوسّع مسطّحها. وباسمها يتأصّل التفوّق العرقيّ. ليصير التطهير العرقيّ بعدها، ولو بعد حين، مشرّعًا بالقوانين، مباحًا متاحًا قاب قوسٍ واحد أو أدنى. من عندي، الدولة إسرائيليّة بأكثريّة يهوديّة. هذه حقيقة. هذه هي الحقيقة الآن. انتمائي القوميّ والوطنيّ، أعني عروبتي وفلسطينيّتي، لا يماري فيه أحد. وهو ليس للمساومة أو المقايضة أو البيع. لنا حناجر من فولاذ. ولنا أوتار صوتيّة من نحاس تحنّ وترنّ يصل مداها إلى كلّ الأمم المتّحدة منها والمتفرّقة. لنا الصوت. ولنا ارتدادات الصدى. ولنا أقلامٌ عامرة، لا تنضب ولا تجفّ. ولنا كلامٌ لا ينفذ، مثل مداد البحر يفيض ولا يغيض، يثبّتنا على القول الثابت عند الترافع. ولنا أقدامٌ هدّارة جبّارة، تدقّ الأرض وتدكّ الأزقّة والشوارع والبيادر والساحات والميادين، تثبّتنا في المسيرات الزاحفات والمظاهرات المهرولات. ولنا سواعدُ ترفع اللافتات واليافطات والشارات والشعارات يصل مداها إلى شارع بلفور المشؤوم. المضاف والمضاف إليه كلاهما مجرور مشؤوم.

لنا كلّ هذا. ولنا قبله حقٌّ يطالبنا برفعه. لا تنصبه بوعدٍ رخيصٍ من رخيص يا دكتور منصور ولا تجرّه ولو بجرّة من فضّة أو ذهب. لا تفتحه ولا تخفضه لا بقنطارٍ واحدٍ ولا بالقناطير المقنطرة. تقلقني وترعبني هذه الرذالة وقلّة الحياء التي تجلبها على نفسك بما صنعت يداك. تقلقني وترعبني هذه الصناعات التراجيديّة اليدويّة المحلّيّة. كيف ترضى لنفسك أن تعمل مقاولا ثانويًا، أو متعاقدًا مؤقّتًا، أو عميلا جمركيًا يستجدي عمولته من حكومة فاسدة مفسدة؟! أرى ولا أصدّق... كيف تتجرّأ يا دكتور منصور على أن تضع يدك في يد سياسيّ يحرق الأخضر والأصفر، يحرق الألوان كلها، لا يُبقي منها ولا يذر؟! لا تملأ بطنك، يا رجل، مالا حرامًا محرّمًا ولا تُطعم منه أحدًا!! لا تخاطبني بالتقيّة فإنّ بعضها نفاق.. لي من اليهود زملاء وأصدقاء أشرفُ بصداقتهم وأعرف من "العرب" من تخجلني معرفتهم. أعترف.. في هذا الموضع من فوضى الهواجس أستذكر قولا، نقله إليّ صديقي الشاعر المؤدّب إياد الحاجّ، يلخّص المهزلة إلى أقصى حدود التلخيص بأقسى أدوات المفارقة والساركازم: " كنّا بالأمس نظنّ أنّ إسرائيل تحتلّ غزّة، لكننا اليوم عرفنا أنّ إسرائيل تحتلّ الوطن العربيّ كلّه إلا غزّة!" قول بليغ.. لكنّه مؤسفٌ مخجل.  

ألا ترى أنّ المؤسّسة السياسيّة الرسميّة في إسرائيل، ونظرتها إلى الصوت العربيّ، مثل الراعي السارح في الوعر الذي "يسخّم دابّة ويرفع ذيلها بعودة"؟! لا نرتضي لك المذلّة والهوان يا دكتور منصور. لا يغفر التاريخ ولا الجغرافيا تعفو وتصفح. لن يتجاوز الماضي عن سيّئاتك ولا الحاضر ولا المستقبل إن أنت وضعت يدك بيد كلّ ظالمٍ متجبّرٍ زنيم. أنصحك أنت ورهطك، يا دكتور، عد إلى بيتك وافتح عيادتك واترك السياسة لأهلها. لستَ من رجالها. نصيحة اعتبرها صدقة جارية لا أريد منك حمدًا ولا شكورًا. عُد وصلّح أضراس الناس المتعبة وأصلح ذات البين بيننا! خيركم من عمل بما علم يا دكتور. قال الرسول العربيّ الكريم (صلّى عليه ربّنا وسلّم): "من عمل بما يعلم ورّثه الله تعالى علم ما لم يعلم". فكن من الوارثين وجزاك الله خيرًا!

 

من مظاهرة سخنين الجبارة، السبت: لا وألف لا للإذلال (بعدسة: باسل طنوس)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين