*وفاءً لروح أبي رياض، جميل قاسم عرفات المشهداوي1933 – 28 /1 /2022، وانتقاله إلى الرّفيق الأعلى، نترحّم على روحه الطّاهرة، مُسْتَأذنين الأسرة الكريمة من بنين وبنات وأحفاد وأهل في المشهد والوطن والخارج، لنتوقّفَ في بعض محطّات هذا الوطنيّ البارّ العريق بامتياز، المُربّي، مدير المدرسة، الكاتب، المؤرّخ، الجغرافي، الجوّال، الطّلائعي، السّخي، الوفيّ الذي جمع تلابيب الوطن المُشَتُّتَ المُمّزّق، رغم أنوف المُتَأبِّطينَ به شرًّا.
*قبل خمسة عقود، تسنّى لنا معرفة هذا الفارس المغوار على صفحات مجلّة صدى التّربية وجريدة الاتّحاد وغيرهما من الصّحف المقروءة، وإذا به ينقلنا إلى جولات تربويّة ميدانيّة في هذا الوطن المُنْتَحِب، تسيل الدّموع بين العَبَرات والعِبارات، المستور منها والمسطور في الصّدور منها والمُنْهَمِر، لسان حاله يقول:
لأكتب على جْبين الوطن موّال/ تْراب الوطن ما نْبَدّله بْأموال
*ابن الوطن البارّ: أبو رياض لم يتقوقع في محار ضيّق، بل انطلق إلى الفضاء الرّحب، ليس لِشَمّ النّسيم العليل! بل لِلَمْلَمَة أشلائه الممزّقة، وتوثيقها وأرشفتها، طبقًا لما يليق بهذه الدّيار المقدّسة، و(معالِم الطّريق إلى البيت العتيق)، وعلى نهج: (الارتسمات اللطاف في أقدس مطاف)، كأنّي به يُردّد ويُرتّل فخورًا مع المُتنبّي:
أنامُ مِلْء جفوني عن شواردها/ ويَسْهرُ الخلقُ جرّاها ويختصمُ
*من المُطِلّة إلى أيْلة: رافقناه وبمعيّته وَصَحْبه الكرام، من مُهجّرين ورازحين ومُتَتَلْمذين من المُطِلّة (أمّ طَلّة) إلى أيلة (إيلات)، ومن البحر إلى النّهر، وقفنا على أطلال تُرْبَة المطلّة المهجَّرة عنوة عام 1894، بقايا بيوتها العربيّة ومقبرة الأهل الذين اقْتُلِعوا شُرِّدوا، وبعضهم لجأ إلى قريتنا حرفيش وغيرها، وشلاّل الشّيخ الشّهيد علي الحجّار، واستبدلوا اسمه باسم شلاّل عيون بالعبريّة.
جفرة ويا هالرّبع: ينقلنا أبو رياض إلى أجواء تراثنا وغَزَلنا، ويحطّ بنا مع الشّاعر الشّعبي: أحمد عزيز/ الكويكات وَجَفْرّته ألتي طارت من بين يدَيْه:
جفرا وْيا هالّرّبِعْ بين البساتين/ مجروح جرح الهوى وْيا مين يداويني
وْيا حامْلة الجَرّة حُطّيها واسْقيني/ بلكي على الله أشفى مِن شُرْبِة المَيّة
*النّبي يونس وَبُطْمَتُهُ: في جثّ حافر/المشهد، والنّبي يونس وَبُطْمَتِه المقدّسة، والجامع الذي تتربّص لهُ عيون السّلب والنّهب، انطلقت الشّرارة الأولى، وبها خبا النّور الوهّاج، تاركًا بصيص الأمل والعمل ونهج المسيرة لِخير خلف لخير سلف.
*القهوة السّادة: لم يكتف أبو رياض بالتّأريخ والجَغْرَفة، بل طرق أبواب تراثنا الشّعبي الفلسطيني المُهَدّد بالانقراض والسّطْو والانقضاض عليه علانية! إعداد دلّة القهوة، من الحديد لَلْحديد ما تِلْمسها إيدين عبيد، القهوة بيقُصّوها قَصّ وْما بيخُصّوها خَصّ، من اليمين لليسار لو كان أبوزيد على يسارك، أو لكبير السّنّ أوّلًا، أوّل فنجان هيف، أيّ يشربه المُعَزّبُ، ليؤكّد لضيوفه الكرام أنّ القهوة ليست مسمومة لا سمح الله، ثُمّ فنجان ضيف، فَفنجان كيف، وفنجان سيف، وقهوة دايمة، من ايدين ما نِعْدَمْها!
*راديو الشّمس: الأستاذ فهمي فرح/كفر برعم/النّاصرة، في برنامجه الإذاعي: إحْنا والقمر جيران/، إذاعة الشّمس، استضافنا معًا وعلى انفراد، كانت إحدى حلقاته يوم. 2 /3 /2012، تحدّث التلميذ عن مُعَلّمه، بِبَثٍّ حَيٍّ ومباشر، وفي تكريمه ببلده يوم 17 /6 /2014، وبناءً على طلب المُعلّم من التلميذ، عدا عن تدوين السّيرة والمسيرة في صدى التّربية والاتّحاد، وهذا واجب التلميذ تجاهَ أستاذه القدير.
*كَرمُ على دَرْب: كثيرًا ما استضافنا مع مجموعة من الأصدقاء في بيته العامر بالتّأهيل والتّرحيب،أوّلُ الغيث قطر: فنجان سادة عَ الأصول، وحديث شائق وجولات وصولات على الهواء مباشرة، هو يُحدّثُ كلاّ منّا عن قرانا ومواقعنا بالذّات، وسرعان ما ينقلنا الحديث ،وبدون شور ولا دستور، يقف منتصب القامة مرفوع الهامة والابتسامة: تْفَضّلوا عَ الميسور، يأخذنا على حين غُرّة، دون أن يترك لنا مفرًّا، المنسف العربي: كُلّو على الأصول، الأكل على قدر المحبّة، البيت بيتكو، جابرونا وْلا تْواخْذونا، ثُمّ عُقْبة، تحلاية، تسلاية، تمشاية بين أرجاء المكتبة، الأرشيف، الرّفوف الجوارير، الخرائط، المستندات، الوثائق، المخطوطات، الخرائط المُصنّفات، بحر من المعلومات، سيل غير جارف من الوقائع والبدائع والمراجع العربيّة والأجنبيّة، تتكدّس فوق بعضها، لتُضفي على البيت هالة وقُدسيّة وأجواء محبّة وألفة.
*موسوعة وطن: أبو رياض موسوعة وطن متنقّلة برياضه ومروجه وسهوله وتلاله وهضابه وجباله وقِممه الشّامخة جْرمقًا، حيدرًا، عداثرًا، زابودًا، كرملًا، فاقوعة، سامرة، جرزّيمًا عيبالًا، قدسًا، خليلًا نقبا، سانت كترينا وأيلةً، وهذا ليس من باب المجاملة! بل من صُلب الموضوع وجوهره ودُرّه.
*تسامح وسماحة: هو عربيٌّ أبِيٌّ، عندهُ الدّين لله والوطن للجميع في الجامع، الكنيسة والخَلْوة، صَلِّ مَطْرحْ ما بَدّكْ الله واحد للجميع، سموحًا، متسامحًا، متواصلًا مع الجميع، بعيدًا عن التّقوقع والغوغائيّة، على نهج أبي الحَسَن عليّ، كرّمَ اللهُ وجهَهُ، القائل بحِنكة وبلاغة: ما قَصَمَ ظهري إلاّ رجلان، جاهلٌ مُتنسّكُ وعالِمٌ مُتَهَتِّكٌ.
*صَدَقَةُ جارية: وَمِسْكُ ختام مع الحديث النّبويّ العطر: إذا قضى رَجُلٌ في سبيل ربّه انقطع ذِكْرُهُ إلاّ من ثلاث، صدقة جارية، عِلْم يُنتفع به وولد يدعو له! وهذا هو المنشود وهو الموجود .
*ويبقى القول الفصل: (وَقُلِ اعْملوا فسيرى اللهُ عملَكُم ورسولُهُ والمؤمنون). صدق الله العظيم. طيّبَ اللهُ ثراكَ ومثواكَ أبا رياض! وَحُسْنُ العزاء للأسرة الكريمة والوطن.
.png)


.png)

.png)






.png)

