حبيب بولس معلمًا وناقدًا وبوصلة فكرية | فتحي فوراني

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 وضوح الفكرة والرؤية والرؤيا يعيدنا إلى المربع الأول وإلى السؤال الأول: لماذا نكتب؟ ولمن نكتب؟ يبدو لي أن د. حبيب بولس برؤيته الاجتماعية الفكرية التقدمية وإيمانه بأهمية الرسالة التي يحملها استطاع مع إخوة من النقاد المبدعين.. أن يقود القافلة في الاتجاه الذي أراد له أن يكون الاتجاه المنشود

احترف الرسالة في ظروف مركبة شائكة
عز هذا الوطن الذي ينبت هذه الكوكبة الطليعية من حملة الأقلام الذين يحتلون مكانة رفيعة على خارطة الثقافة العربية في هذا الوطن الجميل.
والأستاذ حبيب بولس واحد من بناة هذه الخارطة منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، والذين أقاموا رافعة شاهقة لصرح المشهد الثقافي.
فمنذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا وهو يعمل في ورشة ثقافية كبرى لخلق إنسان يتفاعل مع الحاضر ويعدّ العدّة للمستقبل، ولصنع أجيال ترتقي بشعبنا إلى آفاق مستقبلية مشرقة.. أجيال منحازة إلى ركب الفكر التقدمي الذي يقاوم في ظروف استثنائية. إنه واحد من كوكبة المربّين الذين أبوا إلا أن يحملوا الرسالة للأجيال الصاعدة لإيصالها إلى عنوانها المرسوم على جبين الشمس!
يكفيه فخرًا أنه احترف هذه الرسالة مع إخوة له، في ظروف مركبة شائكة، يصبح فيها المربّي حامل الرسالة كمن يسير في حقل ألغام يحمل دمه على كفّه، ويصبح الخوض في هذا الحقل ضربًا من المغامرة التي تقف على حافة المخاطرة. إنه يقف على خط المواجهة أمام المؤسسة التي تنتهج برنامجًا يهدف إلى طمس الهوية الحضارية للإنسان العربي الذي أطلعه تراب هذا الوطن..

كان شاهدًا على مسيرة القافلة الثقافية
وبخط مواز لهذه المسؤولية الكبرى.. فقد امتشق القلم وأخذ على نفسه أن يضطلع بهمّ آخر.. أن يكون شاهدًا على مسيرة القافلة الثقافية.. يؤرخ لنبضها ويقوّم ما يراه غير قويم ويكون البوصلة التي توجّه مسارها نحو شاطئ الأمان.
ففي "رحلاته النقدية" الثلاث و"أنطولوجيا القصة العربية الفلسطينية" و"قضايا ومواقف أدبية"، يقف المايسترو الذي يقود الأوركسترا ويحدو القافلة ويحدب على الركب بمسؤولية عليا. وهو في هذا الدور يشرف على المشهد من قمة بانورامية رحبة الرؤية، ولا سيما المساحة المخصصة للأدب العربي الفلسطيني الذي أطلعه تراب هذا الوطن خلال أكثر من خمسة عقود. وتشكل هذه الإبداعات النقدية ينابيع ثرّة ينهل منها طلاب العلم والدراسات الأكاديمية والباحثون عن ألوان المعرفة المختلفة.

وسلّط الأضواء على طلائع الجيل الجديد
وإذا كان في هذه الإبداعات النقدية قد سلّط الأضواء على الأسماء البارزة التي شكّلت الملامح الأساسية لهويتنا الأدبية، فلم يغفل عن المياه الارتوازية الواعدة التي تتوثّب لتشق طريقها وتطلع من باطن الأرض وتؤسس لنفسها نهرًا متفرّد الإيقاع على خارطة الأدب. لقد شق طريقه أمام محاولة احتكار المشهد الأدبي الذي يتقنه بعض الذين يحترفون الجلوس أمام المرايا التي فُصّلت على مساحة نرجسيتهم .. فلم يعودوا يرَون إلا أنفسهم، متوهمين أن أبواب الإبداع قد أقفلت، وأنه لا زيادة بعدهم لمستزيد، وأن كل نبتة واعدة قد تهدد احتكارهم المشهد وتلامس حدود "ريادتهم"!
أمام هذه الظاهرة المَرَضية.. لم يقف المراقب الأدبي حبيب بولس على هامش الحياد. فقد رأى بحكم كونه حكمًا.. أن الواجب يقضي أن يتحلى بالأمانة الموضوعية التي لا تخلو من البعد الأخلاقي.
وإذا كان آخرون قد "تخصصوا" في فن الإشادة المزمنة ببعض الأسماء التي تهيمن على المشهد الأدبي، فقد نزل صاحبنا أبو العبد عن خشبة الذين توهموا أنهم "نخبة".. وسلّط الأضواء على طلائع الجيل الجديد التي تغذّ الخطى.. وتطمح لأن تنمو وتترعرع وتتنفّس هواء نقيًّا، وذلك حتى يصلبّ عودها وتطول قامتها.. وحتى تجد نفسها في طليعة الموكب.
وهذه مَهمّة مقدسة أخذها حبيب بولس على نفسه.. ولم يألُ جهدًا في سبيل تأديتها على الوجه الذي يرضي ضميره النقدي. ولا بد للمراقب الأدبي المسؤول إلا أن يسجل هذه الملاحظة اللافتة، وهذه حقيقة تشهد عليها إبداعاته النقدية، وتعترف بها باقة غنية من الأقلام الواعدة التي تشق درب الإبداع والمعاناة لتصبح ذات يوم أسماء بارزة تتخذ لها مكانًا رفيعًا على منصة المشهد الأدبي.

وكان حارسًا للحركة الأدبية والهوية الثقافية..
وإذا كانت وظيفة الناقد الأدبي أن يكون حلقة الوصل بين المبدع والمتلقي عبر النص الإبداعي، فإن صاحبنا لم يكتف بهذا الدور الحيادي "المعقّم"، بل آلى على نفسه أن يتسلح برؤيا نقدية. وتتضح أهمية هذا البعد إزاء الزحف النقدي الحداثوي الذي يحاول أن يتسلل عبر الساحات الخلفية للمشهد الأدبي.. متوهمًا في نفسه "الحداثة" و"المعاصَرة".. دون أن يدرك أنه يتمترس داخل فقاعة تشكل عالمًا معزولًا عن الواقع الساخن .. ومنسلخًا عن نبض التراب والذائقة الأدبية الأصيلة. ويلجأ هؤلاء إلى هذه البهلوانيات النقدية أسوة بالبهلوانيات الشعرية للتستر على مضامين متهافتة مغلفة بلغة ضبابية تنتمي إلى عالم الإبهام المطلق.
إن وضوح الفكرة والرؤية والرؤيا يفرز أسلوبًا واضحًا ولغة واضحةً تصيب الهدف الذي من أجله يكون الإبداع. وهذا يعيدنا إلى المربع الأول وإلى السؤال الأول: لماذا نكتب؟ ولمن نكتب؟
ويبدو لي أن د. حبيب بولس برؤيته الاجتماعية الفكرية التقدمية وإيمانه بأهمية الرسالة التي يحملها استطاع مع إخوة من النقاد المبدعين.. أن يقود القافلة في الاتجاه الذي أراد له أن يكون الاتجاه المنشود.
فأنت لها يا أبا العبد!
دمت لنا حارسًا للحركة الأدبية والهوية الثقافية..
ومزيدًا من العطاء على طريق الإبداع!

 

إشارة
(كتبت الكلمة في تكريمه في أواسط تسعينات القرن الماضي عندما عملنا معًا في الكلية الأكاديمية للتربية -أورانيم، ونشرت في مجلة "الشرق" التي أصدرت عددًا خاصًّا لتكريمه(

الراحل في سطور:
ولد الدكتور حبيب بولس في قرية كفر ياسيف عام 1948، وسكن في مدينة الناصرة، وتخرج من مدرسة يني الثانوية عام 1966، وأكمل تعلمه في دار المعلمين العرب في حيفا.
عمل الراحل في سلك التعليم، والتحق بجامعة حيفا حيث حصل على اللقب الأول سنة 1977، ثم التحق بجامعة تل أبيب لدراسة اللقب الثاني، وحصل على منحة تعليمية للقب الثالث في موضوع الأدب العربي من ألمانيا عام 1982.
عمل مفتشا للغة العربية مدة ثلاث سنوات في لواء الشمال، وحصل على جائزة الإبداع.
شغل الدكتور بولس في السنوات الأخيرة عدة مناصب ومواقع، منها عضوية نقابة الأدباء، وعضوية الاتحاد العام للكتاب، وسكرتارية لجنة المتابعة لقضايا التعليم، وكان رئيسًا لمعهد الأبحاث على اسم الدكتور إميل توما، ومحررًا لمجلة "دارنا" التابعة للكلية العربية للتربية في حيفا.
للدكتور حبيب بولس عدد كبير من الإصدارات، تتنوع ما بين الأدب، والنقد، والأبحاث، والمقالات، وغيرها.

رحل عن هذا العالم بتاريخ 4-7-2012

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين